loading

بين البنتاغون ومنتدى فكرة: رحلة البحث عن الحقيقة

سليم اللوزي

في عصر “السيولة المعلوماتية”، لم يعد الاختراق يتطلب دائما طائرة تجسس أو عميلا في الظل؛ بل يكفي أحيانا “لقب رنان” وشاشة عربية واسعة الانتشار لتمرير أخطر الأجندات إلى عمق البيوت العربية. تمثل حالة هيام نعواس (على سبيل الحصر) نموذجا مثاليا لما يمكن تسميته بـ “المثقف الوظيفي المزيّف”، الذي يُصنع في مختبرات واشنطن البحثية ليُعاد تصديره إلينا كـ “خبير استراتيجي” يحمل صكوك الغفران من البنتاغون.

حين يظهر ضيف على شاشة مثل “الجزيرة” ويُقدّم بوصفه “مستشارا سابقا في وزارة الدفاع الأميركية”، ينصاع المشاهد لا شعوريا لسلطة اللقب. لكن بالبحث والتقصي في السجلات الرسمية الأميركية، نكتشف فجوة هائلة بين “اللقب الشاشاتي” والواقع الوظيفي.

لا يوجد سجل واحد يثبت أن نعواس شغلت منصبا رسميا كصانعة قرار أو مستشارة داخل أروقة البنتاغون. الحقيقة أنها مجرد “مقاول خارجي” أو باحثة في شركات استشارات خاصة، وهي شركات تبيع خدماتها لمن يدفع. هذا “التضليل الوظيفي” ليس مجرد خطأ مهني، بل هو تزييف للوعي يهدف لمنح آرائها الشخصية صبغة “القرار الرسمي الأميركي” لتمرير أجندات غاية في الخطورة.

هنا يبرز تحذير المفكر والباحث جوزيف مسعد، الأكاديمي في جامعة كولومبيا وتلميذ إدوارد سعيد، الذي شنّ هجوما نقديا شرسا ضد هذه الفئة، إذ يرى مسعد أن مراكز الأبحاث في واشنطن —وعلى رأسها “معهد واشنطن” الذي تتخذه نعواس منصة لها— تضطلع بدور محوري في “صناعة” باحثين من أصول عربية ومسلمة ليكونوا “واجهة” لتمرير مشاريع التطبيع الصهيوني وإعادة هيكلة المنطقة بما يخدم مصالح إسرائيل. ويصف مسعد هؤلاء بدقة بأنهم “أدوات ناعمة” في حرب صلبة؛ فمهمتهم الحقيقية تبدأ حين تفشل القوة العسكرية في السيطرة على الأرض، فيتدخل هؤلاء “الخبراء” للقيام بمهمة “السيطرة على العقول” وتبرير الهزيمة الثقافية والسياسية أمام الشعوب.

الأجندة السوداء: من التطبيع إلى “جحيم ميناب”

خلف الهدوء المصطنع على الشاشة، تكمن كتابات نعواس التي لا تعرف المهادنة في عدائها للمنطقة وثقافتها. في عام 2015، كانت من أوائل الأصوات التي نادت بكسر “تابو” التطبيع مع إسرائيل، معتبرة أن التحالف مع تل أبيب ضد إيران ضرورة وجودية.

لكن القناع سقط تماما في أبريل 2026، حين ظهرت لتبرر بدم بارد استهداف مدرسة للفتيات في مدينة “ميناب” الإيرانية، راح ضحيتها 165 طالبة ومعلما، مدعية أنها “موقع للحرس الثوري”. لم يتوقف الأمر عند تبرير القتل، بل طالبت الإدارة الأميركية بإذاقة الشعوب “جحيما حقيقيا” لاستعادة هيبة واشنطن. هنا، نحن لا نتحدث عن محلل سياسي، بل عن ناطق بلسان “صقور” واشنطن الأكثر تطرفا، يرتدي ثوبا عربيا ليعطي شرعية أخلاقية لجرائم الحرب.

“الاستشراق الداخلي”: حين يصبح العربي عدو نفسه

تعتمد نعواس في طرحها على مقاربة “ثقافوية” متدنية تلوم الضحية دائماً. في مقالاتها بمنتدى “فكرة” (التابع لمعهد واشنطن – الذراع البحثي للوبي الإسرائيلي)، تروج لفكرة أن أزمات العرب نابعة من “ثقافتهم وقيمهم” التي تفتقر للتعاطف وتميل للاستبداد.

هذا هو “الاستشراق الداخلي”؛ حيث يتم استخدام باحث من أصول عربية ليقول ما يخجل الباحث الأبيض من قوله خشية اتهامه بالعنصرية. هي تقدم “الخدمة المعلوماتية” التي تريح الضمير الغربي: “لا تلوموا طائراتنا ولا حصارنا، بل لوموا ثقافتهم المريضة”.

هرم العمالة.. من “مخبر الأرض” إلى “نجم الشاشة”

إذا كان “العميل على الأرض” يجمع المعلومات مقابل أجر، و”صحفي التمويل الأجنبي” يعمل في غرف صدى (Echo Chambers) لترويج أجندات مموليه، فإن نوعية “نعواس” تمثل قمة الهرم الوظيفي. هي لا تبيع معلومة، بل تبيع “رؤية كونية” (Worldview). وقيمتها تفوق مئة مخبر؛ لأنها قادرة على اختراق العقل الجمعي العربي عبر قنوات “موثوقة”، وتطبيع الأفكار الصهيونية والعدائية تحت مسمى “الواقعية السياسية”. وتعمل هذه الشخصيات ضمن منظومة متكاملة؛ مراكز أبحاث تموّلها “أيباك”، منصات رقمية تروج للمقالات، ثم قنوات إخبارية تمنحهم المنصة الكبرى.

إن وصول هذه الشخصيات إلى غرف معيشة المواطن العربي عبر الشاشات الأكثر مشاهدة هو خطر قومي بامتياز. هؤلاء ليسوا مجرد ضيوف “رأي ورأي آخر”، بل هم أدوات تضليل مصممة بعناية لجعل إسرائيل “جارا طبيعيا” وإيران “العدو الأوحد”، وترسيخ فكرة أن العرب فاشلون ثقافيا ولا أمل في تغيير سياسي حقيقي. وتصوير القصف والقتل الأميركي كضرورة “تأديبية”.

إن حالة هيام نعواس تستوجب وقفة حازمة، إذ يجب ألا تمر الألقاب الرنانة دون تمحيص، وألا تفتح الشاشات أبوابها لمن يبرر دماء الأطفال أو يشتم ثقافة الشعوب بلسان “أكاديمي” مستعار. الوعي هو خط الدفاع الأخير، وفضح هؤلاء هو الخطوة الأولى لاستعادة سيادتنا على عقولنا. ففي واشنطن، هناك فرق بين من يصنع السياسة ومن يُستخدم لتسويقها.. وهيام نعواس، بكل وضوح، تنتمي للفئة الثانية.

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة


جميع حقوق النشر محفوظة - بالغراف © 2025

الرئيسيةقصةجريدةتلفزيوناذاعةحكي مدني