سليم اللوزي
“أنا بفل وبريح راسي”.. “ممتاز، بفل وبتريح راسك؟ هذا بيعني إنك ما بتستاهله لهذا البيت اللي قاعد فيه ولازم يوقع فوق رأسك”.
في هذا الاقتباس، يختصر حوار محمد الدايخ الصدام اللبناني في أبشع صوره؛ فمنطق “النجاة الفردية” الذي يسعى خلفه اللبناني الهارب من الحرب يبدو للوهلة الأولى منطقاً عقلانياً ومشروعاً، لكن الحقيقة المرة التي تثبتها الحلقات هي أن “الهروب” في بلد محكوم بلعنة الجغرافيا هو وهمٌ خالص. فمن يظن أنه برحيله يشتري راحة باله، يكتشف أن البيت الذي سقط فوق رأس صاحبه في الجنوب، سيسقط رمزياً وفعلياً فوق رأس الجميع مهما ابتعدوا. هكذا، تتحول هذه الثلاثية من مجرد عمل درامي إلى وثيقة إدانة تعري الجميع، وتثبت أن الأرض التي لا يحميها منطق الدولة، ستظل ساحة مفتوحة لتصادم الانتماءات المحطمة في غرفة انتظار ضيقة ومظلمة. هذه الحلقات ليست مجرد “سكيتشات” عابرة، بل كانت عملية تشريح سوسيولوجي وسيكولوجي لنفسية المواطن اللبناني العالق بين “اللعنات” وتناقضات الهوية.
سردية ما وراء الشعارات
نجح العمل في “تعرية” الواقع اللبناني عبر وضع نقيضين في مواجهة حتمية: المهجر المثقل بعبء العقيدة والأرض، والمستضيف المحكوم بقلق الوجود والمستقبل. تكمن أهمية هذه الحلقات في قدرتها على نقل “النقاش المحظور” من كواليس الصالونات المغلقة إلى العلن، وبناء وعي جماعي يقرّ بوجود شرخ جذري في تعريف مفاهيم “الوطن”، “الكرامة”، و”الهزيمة”.
لقد قدم الفريق نموذجا لما يسمى “الدراما الجدلية”؛ فبدلا من تقديم إجابات معلبة، دفعوا المشاهد نحو مواجهة أسئلة قاسية: هل الكرامة في التمسك بالتراب مهما كان الثمن؟ أم في البحث عن حياة مستقرة ودولة تحمي الفرد؟
تجاوز العمل الحوار اللفظي ليوظف “سيميولوجيا المكان”؛ فالغرفة المهجورة هي رمز لـ “لبنان المقلص”، مساحة برزخية تضيق بأهلها فلا هي بيت آمن ولا هي جبهة قتال. وفي هذا المكان، تصادمت اللغات؛ فبرزت لهجة الجنوب بمفرداتها الوجدانية (مثل “عزا بحنونه”) كأداة لتأكيد الهوية العضوية المرتبطة بالأرض، في مواجهة لغة “مدنية” تحاول استحضار منطق الدولة العاجزة. هذا التباين اللغوي كشف أن المشكلة في لبنان هي “مشكلة ترجمة” بامتياز، حيث يتحدث كل طرف لغة لا يريد الآخر استيعاب دلالاتها.
عرت الحلقات الجميع بلا استثناء، المهجّر الذي ظهر بإنسانيته المنهكة وبحثه عن “شاي وخبز”، بعيداً عن هالة البطولات المطلقة، ضائعاً بين إيمانه وواقع بيته الذي دُمّر. والمعارض ظهر بخوفه الذي يصل حد الأنانية الوجودية، هارباً من مسؤولية التضامن تحت شعار مصلحة البلد. والدولة أيضا ظهرت في أضعف صورها؛ تلك السلطة التي لا تملك “عصا” لردع “درون” في السماء، لكنها تشهر “مسدساً” لملاحقة مواطن سارق للكهرباء وسط الركام.
العلاج بالصدمة
يندرج هذا العمل تحت فئة “المسرح الفقير”، وهو الفن الذي يختزل الديكور لصالح قوة الكلمة. في ظل حالة الإنكار الجماعي، يصبح هذا المحتوى ضرورة وطنية، لأنه يعمل كـ “تطهير نفسي”؛ فهو يفرغ الاحتقان الشعبي عبر الاعتراف الصريح بوجوده. لقد نجح الدايخ وفريقه في جعل المشاهد “طرفاً رابعاً” في الحوار، يتذبذب نفسياً بين الحجج المتصادمة، مما يجبره على رؤية الحقيقة من زاوية من يختلف معه.
ثلاثية محمد الدايخ هي صرخة في بئر الصمت اللبناني؛ هي محاولة جريئة لاسترداد الوعي عبر وضع اللبنانيين أمام مرآة قاسية. لقد أثبت هذا العمل أن الفن الحقيقي هو الذي يجرؤ على ملامسة “الجرح” في ذروة نزيفه، وأن الوعي يبدأ حين ندرك أننا جميعاً، باختلاف انتماءاتنا، عالقون في تلك الغرفة المظلمة، ننتظر كهرباء لن تأتي، ونحتمي بدولة لا تملك إلا فعلاً ناقصاً، وأمامنا عدو لا يريد أن يتعفف على حدودنا الجنوبية.




