هيئة التحرير
عرضت مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان، اليوم الأربعاء، في مؤسسة عبد المحسن القطان بمدينة رام الله، دراسة تركزت على 37 إفادة لأسرى تعرضوا لانتهاكات في سجون الاحتلال الإسرائيلي، كواقع يومي يزداد صعوبة، وذلك خلال ندوة تفاعلية بعنوان: “الإبادة عبر الجسد.. سياق الجرائم الجنسية بحق الأسرى والأسيرات في سجون الاحتلال، ومسارات مواجهتها”
وقالت المحامية من مؤسسة الضمير، سحر فرانسيس: “طوال مسيرتنا المهنية ونحن نغطي انتهاكات جسيمة للاحتلال بحق الأسرى، ولكن المختلف هذه المرة ليس فقط حجم الاعتداءات، بل نوعيتها، خاصة منذ السابع من أكتوبر؛ فهي تهدف بشكل رئيسي إلى تدمير الشعب الفلسطيني كشعب وكإنسان ومجتمع. هذه الدراسة تركزت على 37 إفادة، ولكن هذا لا يعكس أبداً العدد الحقيقي وباقي الحالات التي تابعتها مؤسسة الضمير أو المؤسسات المعنية بشؤون الأسرى الأخرى، ولم نكن الوحيدين الذين جمعنا بيانات صعبة”.
وأضافت: “تأتي هذه الدراسة في صلب عملنا؛ فمؤسسة الضمير تنتج كل عام دراسة تعكس الواقع في سجون الاحتلال، وهي أمور تزداد صعوبة من سنة إلى أخرى. وهذا فصل من فصول الكتاب الذي يجب أن يصدر قريباً ويتحدث عن واقع السجون؛ حيث ركزنا على الأنماط في الأساس”.
وأضافت “هناك بعض القضايا التي تابعناها لم ترد في الدراسة عن قصد؛ لأنه عندما نختار حالة عينية للعمل عليها على المستوى الدولي، لا يمكننا نشر كافة المعلومات عنها في دراسات عامة كالدراسة التي نشرناها اليوم، ونحتفظ ببعض المعلومات أو الحالات لاستخدامها في أغراض أخرى. لذلك نحن استخدمنا تلك الحالات مع الجهات الدولية لملاحقة هؤلاء المجرمين، وأخص بالذكر حالات الاعتداء في ‘سدي تيمان’. في فلسطين، العنف الجنسي هو حالة من حالات الإبادة التي استخدمها الاحتلال ضدنا”.
وتابعت: “من الناحية القانونية، تطور مفهوم الجريمة منذ جرائم رواندا ويوغوسلافيا؛ وأقصد هنا الجرائم الجنسية، فالاعتداء الجنسي هو جريمة بحد ذاتها يجب أن يحاكم عليها المجرم، وقد وضعت هذه المعايير في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. ويمكننا إسقاط وصف الإبادة أو جريمة الإبادة بحسب المادة (6) من نظام روما بصفتها تعذيباً، وينطبق عليها توصيف جرائم الحرب والقتل، وكل الانتهاكات بحق الأسرى التي مُنعت في الاتفاقيات الدولية. وهذا ما يحصل عملياً في سياق حرب الإبادة؛ فبالتالي، من ناحية القانون الدولي، فإن كل العنف الذي يمارس بحق الأسرى هو جريمة ضد الإنسانية وجريمة إبادة يجب أن تُحاسب السلطات الإسرائيلية عليها”.
وقالت: “موقفنا تعزز منذ سنوات بمقاطعة كاملة لإجراءات التقاضي عند الاحتلال. في عام 2015، قدمنا أدلة ثابتة على جريمة اغتصاب أسيرة للقضاء الإسرائيلي، وكانت الحجة آنذاك هي عدم معرفة من أعطى الأمر؛ ضابط المخابرات أم ضابط الجيش؟ وبهذه البساطة أُغلقت الشكاوى، لذلك قررنا التوجه إلى المحاكم الدولية حتى نحفظ روايتنا للتاريخ. طبعاً العنف الجنسي له عدة أشكال، وكلها تعتبر جريمة”.
وأشارت إلى أن آلاف الأسرى عانوا من هذه التجارب الصعبة: “غالبية الأسرى الذين زرناهم كان واضحاً أنهم لا يستطيعون مشاركة تفاصيل هذا الموضوع، وقلائل جداً هم الذين انفتحوا؛ لأن هذه من أصعب الحالات التي يمر بها الإنسان لصعوبة الانكسار الذي تعرضوا له. ومن كلمات معينة عليك أن تفهم أنهم تعرضوا لاعتداء جنسي كامل.
فمنذ بداية عملية الاعتقال، تتم عملية التفتيش العاري أحياناً في المنزل وليس فقط في مراكز التوقيف. والاعتداء الجنسي يبدأ باللفظ، وبالتصوير، وباللمس، وبالاعتداء الجسدي الكامل، ويستغل هذا الأمر بإدخال اليدين والأصابع داخل جسد الأسير أو الأسيرة، وأحياناً بالعصي والأدوات الحديدية”.
وقالت: “طبعاً يتم كل ذلك والأسير مغمض العينين، وهذا لا يقتصر على الرجال أو النساء، بل حتى على الأطفال. وهناك أسلوب منحرف وهو استخدام القيود البلاستيكية لربط العضو الذكري للرجال لساعات طويلة، وأحياناً ليوم أو أكثر، وهذا ليس مؤلماً فحسب، بل له آثار صحية مستقبلية كبيرة، والهدف هو تدمير روح الفلسطيني لا جسده وإنسانيته فقط، وتدميرنا كمجتمع”.
وأضافت: “مئات الأسرى تعرضوا للاغتصاب، وما سمعنا عنه وما كُشف هو أقل القليل. الأسيرات في ظروف أخرى يعانين أيضاً من توظيف طبيعتهن كنساء في سياقات التحقيق، والتعرض للتعرية والتحرش اللفظي والجسدي والاغتصاب الكامل والتعذيب والضرب، وحتى توظيف مواعيد الدورة الشهرية للضغط على الأسيرة وإذلالها، وتعمد عدم توفير الفوط الصحية وسط الضحكات والاستهزاء في سجني ‘الدامون’ و’الشارون’، إضافة إلى العزل والحرمان من أبسط أشكال الحياة، إلى جانب الشرطيات اللواتي يقمن بعمليات التفتيش العاري والتحرش بالأسيرات”.
وعرض الأسير المحرر سامي الساعي تجربته المريرة، وقال: “مجرد حديث أناس لم يتعرضوا للاغتصاب عن الأمر يكون مؤلماً بالنسبة لهم، فتخيل مدى الألم الذي يتعرض له الأسير وهو مكبل وملقى على الأرض في وضعية السجود، مغطى العينين، ويتعرض لانتهاك مؤلم وصعب معنوياً أكثر منه جسدياً”.
وأضاف: “لحظة الاعتقال كانت من البيت، وكانوا يعلمون أنني أجريت عملية جراحية حديثاً. بمجرد وصولي إلى الاحتجاز بدأت المساومة؛ إما أن أتعاون مع ‘الشاباك’ أو أبقى. بعد 19 يوماً في معسكر حوارة، نقلت إلى سجن مجدو، وهناك استقبلتني سجانه انتزعت مني نظاراتي وأدخلتني زنزانة انفرادية. ثم أخذني سجان وكنت أسمع أصوات صراخ وتعذيب، وأناس يضربون بشكل عنيف ويُجبرون على قول ‘شعب إسرائيل حي’. بعدها، فحصني شخص يفترض أنه طبيب، وكان عصبياً جداً ويصرخ ‘أنت حماس.. اغتصبوه'”.
وتابع الساعي: “بدأ الضرب بشكل وحشي من جميع الاتجاهات في غرف تسمى ‘تورا بورا’ مخصصة للتعذيب. أُلقيت على الأرض وأنا عارٍ، وبدأوا بضربي بالعصي وأحذيتهم، حتى إن أحدهم وقف على جمجمتي ورقبتي. أحسست أنهم يخنقونني، وبدأت أشعر بشيء يدخل في المستقيم، وكان الألم هائلاً جداً، بينما هم يضحكون. أحدهم أمسك عضوي الذكري بقوة، وسجانة كانت تسحبه بطريقة عنيفة جداً وتتحدث عن ‘جزرة’، وكان أحد السجانين يصور الحادثة التي استخدموا فيها العصي والجزرة”.
واستطرد: “استمر هذا لنصف ساعة، وكنت أتمنى الموت من شدة الألم النفسي والجسدي. عندما انتهوا، ألبسوني البنطال وطلبوا مني المشي، لكني لم أستطع من شدة الألم فزادوا في ضربي. بعدها نُقلت لغرفة رقم 5، وعندما بدأت الاستحمام كان الدم يخرج من المستقيم بغزارة. لبست ملابسي التي كانت مغطاة بالدماء والقيء. دخلت في حالة نفسية صعبة جداً لم أقدر على تجاوزها، وكنت أسأل الأسرى القادمين من سجون أخرى عما يتعرضون له، فأخبرني أسير من النقب أن وحدة ‘الكيتر’ المتخصصة قامت باغتصاب أسرى بشكل مباشر أمام عينيه”.
وقال الساعي: “قررت أن أتحدث لأنني وصلت إلى قناعة بأن الأسير الفلسطيني محرم عليه وطنياً وأخلاقياً أن يسكت إذا استطاع الكلام، ليس لأجله فقط، بل لأجل من بقوا في السجون. ورغم أنني تعرضت لخذلان كبير من المؤسسات الرسمية التي لم يتواصل معي أحد منها، إلا أنني سأستمر في الكشف عما يتعرض له الأسرى”.
واختتم: “ما أريده فعلاً ليس شيئاً شخصياً، ولكن احملوا ملف الأسرى وجولوا به في كل أنحاء العالم. ما يجري هو جرائم بشعة ضد الإنسان وجرائم حرب”.
بدوره، قال الأخصائي النفسي الدكتور سعيد شحادة: “ما يجري ليس عفوياً، بل هي سياسة يستخدمها الاحتلال لهندسة علم النفس وتكسير الجسد والروح الفلسطينية”.




