loading

ركضٌ نحو الأزل: عن الموت المعلن

سليم اللوزي

بين أزيز “الدرون” الذي يمزق سكون السماء، ورنين الهاتف الذي حمل صوت الموت في تهديد صريح، تجسدت لحظة لا تقبل التردد. لم يكن الخيار بين الحياة والموت بمفهومهما الضيق، بل كان اختبارًا للروح في أسمى تجلياتها.

 في تلك اللحظة التي انسلخت عن الزمن، حيث الهواء يثقل فجأة برائحة المعدن والقدر، لم يكن ذاك الشاب العشريني مجرد جسد في السيارة، بل كان “أريد برئتين من حديد” ليواجه صقيع الموت الآتي من السماء. الهاتف في يده لم يعد أداة تواصل، بل صار ثقبًا أسود يتدفق منه صوتٌ جاف كصحراء، صوتٌ لا ينتمي للبشر، يخبره أن الموت قد اختاره هدفاً، وأن “عين الرب” الحديدية —تلك الدرون التي تتربص فوق الغيم— قد حددت موعدًا نهائيًا لنبض قلبه.

توقف الزمن في مخيلته؛ رأى حياته كلها معلقة في خيط رفيع من الدخان. نظر إلى من معه، إلى ملامحهم التي بدأت تذوب في ضوء الظهيرة القاسي، وأدرك أن بقاءه يعني أن يحول هذه العربة إلى تابوت جماعي متفحم. لم تكن المسألة نجاة، بل كانت “هندسة للموت”؛ كيف يموت ويترك الحياة للآخرين؟

حين فتح الباب لم يكن يفتح معدنًا، بل كان يفتح بوابة بين عالمين. قفز إلى السهل الممتد على حافة الطريق، ذلك السهل الذي بدا في تلك اللحظة كأنه “مقبرة الأنبياء”. ركض… لم يكن ركض هارب، بل كان ركض عاشق يهرع إلى موعده الأول. كانت قدماه تضربان الأرض بيقين من يحرث قبره بيديه ليحمي حقل الآخرين.

كل خطوة ابتعد فيها عن الطريق، كانت صلاة صامتة لكي يخطئ الموت السيارات المارة، ولكي تظل الضحكات في المقاعد الخلفية نابضة. ركض بجسده النحيل ليجذب لعنة الصاروخ بعيداً عن أهله، بعيداً عن الأطفال الذين يراقبون من نوافذ السيارات المجاورة بفضول بريء.

وعندما انهمر الموت من السماء، لم يجد في السيارة إلا فراغاً مقدساً، بينما كان هو هناك، في حضن السهل، قد ارتقى بدمه ليصبح جزءاً من تضاريس الأرض. لم يسقط ليختفي، بل سقط ليزهر؛ صار هو السهل، وهو الطريق، وهو الأمان الذي سيظل يهمس في آذان العابرين: “لقد مر من هنا رجلٌ، وهب عمره ليشتري لنا غداً”.

لقد كان ارتقاءً أسطوريًا، حيث الموت ليس نهاية، بل هو ولادة جديدة في ذاكرة التراب الذي لا ينسى رائحة الأبطال. هؤلاء هم أبناء الزيتون.

الشاب المقصود في هذا النص هو مجهول الهوية حتى لحظة نشر المقال، ولكن يمكنكم مشاهدة الفيديو عبر الرابط التالي: 

https://www.instagram.com/reel/DXMq69ziLdo

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة


جميع حقوق النشر محفوظة - بالغراف © 2025

الرئيسيةقصةجريدةتلفزيوناذاعةحكي مدني