loading

مانيفستو العودة: بيان في جدلية الانتماء والاشتباك

سليم اللوزي

شبحٌ ينتابُ المزايدين.. هو شبحُ الحقيقة. لقد آن الأوان لتبديد الأسطورة التي يقتات عليها الضعفاء فكرياً، أولئك الذين جعلوا من “المكان الجغرافي” صك غفرانٍ للوطنية، ومن “بطاقة الإقامة” تهمةً تُسقط حق التعبير. اليوم، أعلنُ أتيت لأعلن لهؤلاء بيان عودتي، والقطيعة النهائية مع “واشنطن”، لا كمدينة، بل كذريعةٍ كان يختبئ خلفها كل من أعجزته الحجة، فيهرب إلى سؤال: “هل أنت هنا (في بيروت) أم هناك؟ (في واشنطن).

خروجنا من بيروت، لم يكن قطيعة، بل كان انخراطاً استراتيجياً من نوع آخر. في عالمٍ منقسم إلى “مركز” و”أطراف”، فإن وجودنا في قلب المركز أتاح لنا رؤية التفاعلات داخل دوائر صنع القرار عن قرب، مما منحنا عمقاً لا يملكه الغارق في محليته. لم نذهب لننسلخ، بل لنبحث عن سبلٍ أفضل للانخراط في قضايا الوطن من زوايا جديدة؛ نحن أبناء هذا البلد بوعيٍ كوني، ولسنا مجرد “ماكينات صرف آلي” أو محولي رواتب ومساعدات.

إن أي مزايا اقتصادية أو علمية نلناها هي استثمارٌ في “ابن الوطن”. نجاحنا في الخارج ليس فعلاً منفصلاً عن الأصل، بل هو تجديد للصلة مع الجذور ومع “عوام الناس”. إن علاقتنا بالوطن هي “علاقة تعاقدية”؛ فالسلطة هنا مجرد عنصر من عناصر الرابطة الوطنية وليست هي الرابطة نفسها. نجاحنا هو نجاح للصورة الكلية للوطن، وحقنا في الاشتباك معه ينبع من هذا العقد الوجودي الذي لا تلغيه المسافات.

إن منطق رفض حق المهاجر في السياسة هو منطق مقلوب وفاشي. فكما أن للسجين السياسي حقاً أصيلاً في رسم سياسة البلد لأنه دفع ثمن إيمانه من جسده وحريته، فإن للمهاجر حقاً مماثلاً لأنه يحمل وجع البلاد في منفاه. إن محاولة إقصاء المهاجر هي في جوهرها رغبة جماعية في “الهروب”، وتعاملٌ مع الوطن كمطار أو “وكالة سفريات” بدلاً من اعتباره ارتباطاً طوعياً تعززه الهموم المشتركة التي هي أكبر من الدخل أو المركز القانوني.

حين تعجز أدوات المعارضين عن مقارعة الحجة، يرفعون شعار: “تعال وعش معنا بلا بطولات من الغربة”. هذا ليس وطنية، بل هو تعبير عن “تكلس مجتمعي”. هم يريدون منك أن تصمت حتى تختنق معهم. بينما نرى دولاً متقدمة اعترفت للمهاجر بحقه في دخول معارك الداخل وخصصت له مقاعد برلمانية، لأنهم أدركوا أن العلاقة هي “همّ مشترك” وليست مجرد حضور فيزيائي في زحام الشوارع.

لا يدرك هؤلاء أن “الاغتراب” هو أبشع أنواع النضال النفسي. المغترب يعيش في “منفى اختياري” حيث الوجع مضاعف: وجع البلد الذي يلاحقه عبر الشاشات، ووجع العجز عن إطفاء حريقه باليد. إن المزايدة على انتماء المهاجر هي دليل على ضيق أفق، وليست منسوباً أعلى من الوطنية.

أنا هنا الآن. سقطت ذريعة “المسافة”، وبقيت الفكرة. إن هذا البيان هو إعلان لكل من حاول “تقزيم” المواقف بحجة “الغربة”: لقد عدتُ، لا لأعيش معكم فحسب، بل لأستأنف دوري في الاشتباك العام، كابنٍ لهذا التراب، وكشريكٍ أصيل في رسم ملامح الغد، بعيداً عن أوهام الحدود وتأشيرات الدخول. فالوطن همٌّ لا يعرف الغياب!

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة


جميع حقوق النشر محفوظة - بالغراف © 2025

الرئيسيةقصةجريدةتلفزيوناذاعةحكي مدني