سليم اللوزي
لم تكن غارة عابرة، بل كانت جريمة قتل موصوفة، نُفذت بدم بارد وهندسة دقيقة من قِبل عدوٍ يرتعد من “الكلمة” بقدر رعبته من “الرصاصة”. لقد قتلت إسرائيل آمال خليل لأنها كانت تحمل الجنوب في قلبها، وصوتها في ميدان الحق، بينما كانت “جمهوريتنا” منشغلة بإحصاء عدد التوسلات التي ستقدمها للسجان.
بدأت رحلة القتل عند الثانية والنصف ظهراً، حين استهدفت المسيرات سيارة الزميلتين في بلدة “الطيري”، ليرتقي شهيدان وتلجأ آمال وزينب لظل شجرة. هنا، بدأ فصلٌ من فصول “السيادة” الهزلية؛ حيث وقفت “الدولة اللبنانية” بكامل هيبتها الورقية، تناشد إسرائيل وتستجديها لتسمح للطواقم الطبية بالدخول إلى “أرض لبنانية” للبحث عن “صحفية لبنانية” استهدفتها إسرائيل!
أيُّ سخريةٍ هذه التي نعيشها؟ دولة “سيادية” تنتظر إذناً من “الميكانيزم” لتتحرك سيارة إسعاف بضعة كيلومترات داخل حدودها. ساعة ونصف من الانتظار، والعدو يراقب فريسته العزلاء تحت مجهر صمته الدولي. وعند الرابعة، عاد الطيران ليقصف سيارتهما، لتبلغ آمال زملاءها في اتصالها الأخير: “نحن هنا.. والموت يحيط بنا”.


بينما كان الصليب الأحمر ينتظر “الإذن” الممنوع من تل أبيب، كان الطيران الحربي يتهيأ للضربة القاضية. استهدف العدو المنزل الذي احتمت فيه الزميلتان بغارة تدميرية. والمفارقة التي تفضح هزالة هذه المنظومة، أن “الإذن” بالتحرك لم يُعطَ إلا بعد عشر دقائق فقط من إتمام الجريمة. انتظر القاتل حتى تأكد من إزهاق الروح، ثم تكرّم على “دولة السيادة” بفتات تصريحٍ للمرور.
يا لتعاسة هذه الجمهورية التي تضيع أرضها في دهاليز الدبلوماسية الباردة، بينما تظل خطوات آمال خليل هي الخارطة الحقيقية والعهد الموثوق. قتلوها لأنها كانت أحنَّ على هذه البلاد وأصدق يقيناً من لجانكم ووزاراتكم واتفاقياتكم التي لا تخرج من أروقة المكاتب المكيفة.
قتلت إسرائيل آمال خليل لأنها ابنة عائلة وطنية شريفة، آمنت بأن الصحافة هي غبار الميدان لا أضواء الصالونات. وبينما كانت “الدولة” تستجدي إذناً فوق ترابها، كانت آمال تعمدت بدمها لتصبح هي الجغرافيا التي لا تحتاج لإذن عبور من أحد.
رحم الله الشهيدة آمال خليل، التي ارتقت وهي قابضة على جمر الحقيقة، ورحم الله الشهيدين اللذين رافقاها، والدعاء بالشفاء لزينب فرج.
يا أرض الجنوب، ضُمي ابنتك التي قتلوها غدراً لأنها عشقتكِ جهراً. كوني عليها برداً وسلاماً، فاليوم تلتقي الخارطة بصاحبتها، وتستريح آمال في حضن الأرض التي لم تخنها يوماً، بينما خانتها جمهورية ‘السيادة’ المستجداة.




