سليم اللوزي
في اللحظات التاريخية الكبرى، لا تقتصر المعارك على الميدان العسكري فحسب، بل تمتد إلى “ميدان الوعي” حيث تُبنى الصور الذهنية وتُهدم القناعات. مؤخراً، تحول الأكاديمي الإيراني د. حسن أحمديان إلى حالة دراسية استثنائية، ليس فقط لما قاله، بل لكيفية قوله. بينما سقط الكثير من المحاورين والمحللين “عن الطاولة” في مواجهات كلامية محتدمة، وقف أحمديان ثابتاً، مخلفاً وراءه جمهوراً عربياً منبهراً، وتساؤلات عميقة حول ما ينقص خطابنا العربي.
سيكولوجيا الهيمنة الهادئة
نجاح أحمديان لم يكن وليد الصدفة، بل هو نتيجة تقاطع استراتيجيات نفسية مدروسة. سيكولوجياً، يميل الدماغ البشري للاسترخاء عند سماع لغته الأم. عندما تحدث أحمديان العربية بطلاقة “سيبويهية”، ألغى فوراً الصورة النمطية لـ “الأجنبي” أو “الفارسي” الذي يحتاج لمترجم. هذا التمكن اللغوي عمل كـ “حصان طروادة”، حيث عبرت أفكاره مباشرة إلى وعي المشاهد العربي دون المرور بمرشحات الشك اللغوي.
في علم النفس الاتصالي، “من يغضب أولاً يخسر”. بينما كان المحاورون والخصوم يلجؤون للصراخ أو لغة الجسد المتوترة (توسيع حدقة العين، تشابك الأيدي، النبرة الحادة)، حافظ أحمديان على “وجه البوكر” (Poker Face). هذا الهدوء يوحي بالسيطرة المطلقة، ويجعل الطرف الآخر يبدو في حالة “دفاع مستميت” حتى لو كان يملك حقاً.
اعتمد أحمديان أسلوب “الأستاذ الجامعي” لا “المحلل السياسي”. هو لا يعطي رأياً، بل يقدم “تشريحاً”. عندما يُسند الشخص حديثه لمفاهيم مثل “الردع”، “التوازن الجيوسياسي”، و”الشرعية الدولية”، فإنه يفعّل عند المشاهد “انحياز السلطة”، حيث يجد المتلقي صعوبة في معارضة منطق يبدو علمياً ومحايداً.
ولكن، لماذا سقط الآخرون “عن الطاولة”؟
المفارقة الكبرى كانت في “سقوط” الطرف المقابل. الأسباب لم تكن دائماً ضعف الحجة، بل ضعف الأدوات. سقط الكثيرون لأنهم واجهوا “المعلومة” بـ “الشعور”، و”الخطة” بـ “الأمنية”. وبينما كان أحمديان يمرر نقاطه بهدوء وتكثيف، استهلك الخصوم وقتهم في المقاطعات التي أظهرتهم بمظهر “المشوش” لا “المحاور”.
نجح أحمديان لأنه يملك رواية متماسكة (حتى لو كانت جدلية)، بينما اكتفى الآخرون بدور “رد الفعل” ومحاولة تفنيد كلامه، فظل هو ممسكاً بزمام المبادرة.
ما نحتاجه في “لبنان ما بعد المعركة”
كجمهور لبناني، يتحضر للخروج من معركة طاحنة مع الاحتلال الإسرائيلي، فإن الانبهار بنموذج كأحمديان يحمل دروساً وجودية للمرحلة المقبلة. كفانا خطاباً تعبوياً يعتمد على الحماس فقط. المرحلة المقبلة تتطلب نُخباً لبنانية قادرة على شرح قضيتنا للعالم بلغة المصالح والقانون الدولي، تماماً كما فعل أحمديان لبلاده. نحتاج لمحللين يقرؤون الخريطة بعقول باردة، لا بقلوب محترقة فقط.
علينا كجمهور أن ندرك أن المعركة الإعلامية هي معركة “أدوات”. انبهارنا بأحمديان يجب أن يتحول من “إعجاب بشخص” إلى “مطالبة بمنهج”. نحتاج لإعلام لبناني لا يكتفي بالصراخ، بل يبني استراتيجيات إقناع وتفنيد تتجاوز الدائرة المحلية.
من الضروري أن يمتلك الجمهور وعياً نقدياً؛ فليس كل من يتحدث بهدوء يملك الحقيقة المطلقة، وليس كل من يصرخ هو على خطأ. المرحلة المقبلة تتطلب منا “فلترة” المحتوى الإعلامي بعيداً عن الكاريزما الشخصية، لنعرف أين تتقاطع مصالحنا الوطنية مع خطاب هؤلاء اللاعبين الإقليميين.
إن “ظاهرة أحمديان” هي جرس إنذار للعقل الإعلامي العربي. لقد أثبت أن المعرفة، واللغة، والهدوء، هي أسلحة دمار شامل في عصر الصورة. وفي لبنان، وبينما نمسح غبار المعركة الأخيرة، علينا أن نتعلم أن الانتصار في الميدان لا يكتمل إلا بانتصار على “الطاولة”، بوجوه تمتلك من الوعي والثبات ما يجعل الخصم يسقط قبل أن يبدأ الكلام.




