جيفارا سمارة
إذا سافرت إلى مدينة رام الله قاصدًا مجمع فلسطين الطبي، من مدخل المدينة الغربي حيث حي الطيرة، أو من مدخلها الجنوبي حيث حي الماصيون، تبهرك الأضواء حيث إمارات الترف بما للأول من مقاهٍ مكتظة، ومطاعم الـ”سوشي”، والسيارات الفارهة، والنوادي الليلية، وبما للثاني من فنادق، واستديوهات لليوغا، وحياة الرفاهية، ليتلاشى الهيْلمان مع اقترابك من المستشفى، حيث يطبق فقر مخيم قدورة للاجئين على المجمع.
الفجوة هائلة بين صخب الرغد وضجيج التكدس في المستشفى، حيث تتعامل الأطقم الطبية المنهكة، التي تتقاضى نِسَبًا من الراتب بلغت مؤخرًا الربع أو الثلث، مع 1000 مراجع يوميًّا على الأقل، في مستشفى باتت الملاذ الأخير للأغلبية الساحقة الفقيرة.
ومع تعطل ما يقرب من ربع مليون عامل كانوا يعملون في الداخل المحتل، وأزمة الرواتب في عامها الخامس، حيث يتقاضى ما يقارب 291 ألف مواطن رواتب من المال العام، مضافًا إليهم من يعملون في القطاع الخاص المتهاوي بتأثير التراجع الاقتصادي، والأسر الفقيرة أصلًا، ما خلق “طبابة الممرات” حيث ينتظر الفقراء في ردهات المستشفيات بانتظار دور قد يستغرق ساعات طويلة، وربما أيامًا، بانتظار دور من اجل صورة رنين أو فحص، وأسابيع وأشهر للعيادات الخارجية أو عملية جراحية أو سرير في العناية المكثفة.
وخلال الـ11 شهرًا الأولى من عام 2015، استقبلت المستشفيات الحكومية بالضفة مليونًا و390 ألف مراجع (اكتظاظ قبل الأوضاع الاقتصادية الكارثية الحالية)، ومع قرصنة الاحتلال الإسرائيلي لما يزيد على 14 مليار شيقل من أموال “المقاصة”، وتضخم معدلات الفقر والبطالة، ما أسفر عن فقدان التأمين الخاص وعدم القدرة على دفع رسوم العيادات الخاصة، حدث “انفجار” في الطلب على الخدمة الطبية الحكومية، فما يزال معدل الأسرّة في المستشفيات منخفضًا، حيث يبلغ 1.3 سرير لكل 1000 مواطن فلسطيني، وهو أقل بكثير من المعدلات العالمية، مما يسبب ضغطًا هائلًا على أقسام الطوارئ والعناية المركزة.
ورغم توفر كادر طبي (حوالي 21.9 طبيبًا و43.6 ممرضًا لكل 10000 مواطن)، إلا أن هناك حاجة ملحة لتلبية الطلب المتزايد، وهي إحصائية قبل إبادة أكتوبر (حيث استشهد وأصيب العديد من الكوادر الطبية)، فالواقع يشير أيضًا إلى أن الكادر الطبي تأثر بشكل مباشر بانقطاع الرواتب، ما أدى إلى “هجرة الكفاءات” أو العمل بالحد الأدنى، وهو ما يدفع ثمنه المريض الذي لا يملك بديلًا خاصًّا.
عمرك يُقاس على قدر راتبك
الفقر والبطالة يعنيان بالضرورة استبدال البروتينات بأغذية أرخص عالية السعرات وأقل قيمة غذائية، يزيد معها مخاطر فقر الدم، وسوء التغذية، وسمنة الفقير، وتقليص الإنفاق الصحي، وتأخير العلاج، ومضاعفات أمراض مزمنة، وعبء صحي أعلى، وهذه ليست دورة اقتصادية فقط، بل حلقة مرض اجتماعي، كما أن الفقر والدين وعدم اليقين يعني قلقًا واكتئابًا واضطرابات نوم، وهذا ينعكس على أمراض مزمنة (ضغط، سكري) والالتزام بالعلاج، وهنا بالضبط يظهر “الموت الطبقي” عمليًّا.
ومع تقدير بعض الخبراء الاقتصاديين بأن البطالة الموسمية تصل إلى 70% أو ربما أكثر في بعض البيئات، فإن مريض سكري لا يراجع الطبيب، ومريض ضغط يوقف الدواء، وتأخرًا في العمليات غير الطارئة، وارتفاع احتمال الوفاة ليس بسبب المرض نفسه، بل بسبب تأخر التدخل، وفق منطق منظمة الصحة العالمية، فإن الصحة ليست خدمة منفصلة عن الاقتصاد، بل هي انعكاس مباشر لتوزيع الدخل والفرص، وأن المرض لا يُقاس بشدته فقط، بل بقدرة المريض على تحمّل كلفته، أي أن الفقر هنا لا يرافق المرض… بل يسبقه، ويؤجله، ثم يضاعف نتائجه.
ويقول أحد المرضى المراجعين، وهو موظف يشغل منصب قائم بأعمال مدير عام في إحدى الوظائف الحكومية (ه، ر): “لم يكن الحال هكذا دائمًا، أما لناحية الاكتظاظ، فالفقر ألجأ الناس إلى المشافي الحكومية، أو حتى لناحية اضطراري للانتظار أشهرًا طويلة حتى يأتي دوري بالعلاج، فأنا أعاني من نزيف داخلي بسبب البواسير، جعل دمي ينخفض إلى 8، ولا أملك سوى الانتظار والمداومة على عصير البنجر، فلا حيلة باليد مع الفقر الناجم عن قلة الراتب، وبصراحة الوضع بالنسبة لي صعب، فاستمرار هذا الحال خطر صحي”.
جزر طبية خاصة للأغنياء.. في بحر الفقر والبطالة
“تآكل الطبقة الوسطى” يظهر في الضفة الغربية بسبب الفقر (العمال، الموظفين العموميين والخاص) ما خلق بحرًا من الفقر والبطالة، فبينما يجد الغني بدائل عابرة للحدود أو خصخصة للأمل بالحياة، أنتجت جُزُرًا طبية خاصة (مستشفيات استثمارية) أشبه بـ”كامباوند طبي” لمن يملك “السيولة النقدية”، يواجه المريض الفقير في المستشفيات الحكومية نقصًا في المستهلكات الطبية والأدوية الأساسية.
وأفاد تقرير لجهاز الإحصاء المركزي في أبريل 2026 أن 51% من الأدوية الأساسية في مستودعات الضفة رصيدها “صفر”، وهي نسبة ترتفع في بعض الأنواع الحيوية لتصل إلى 52%. كما أن أكثر من 60% من المستهلكات الطبية الأساسية أيضًا رصيدها “صفر”، وتتركز معاناة المرضى، خاصة مَن يعانون من الأمراض المزمنة (كالضغط والسكري والسرطان)، والأطفال والحوامل، بسبب نقص الأدوية والمستهلكات المخصصة لهم، وتسبب النقص في الأدوية بتعليق معظم العمليات الجراحية غير الطارئة، وتقليص الخدمات المخبرية والرقود، وشلل شبه كامل في أقسام العيادات الخارجية، مما هدد بانهيار المنظومة الصحية بالكامل.
منظمة الصحة العالمية ترسم مشهدًا صحيًّا كارثيًّا
في تقرير لها عام 2025، رسمت منظمة الصحة العالمية الملامح الأساسية للحالة الطبية في الضفة بارتفاع الطلب على الرعاية الأولية، وزيادة الضغط على الخدمات الحكومية، وتزايد “الاحتياجات غير الملبَّاة”،واعتماد أكبر على العلاج المتأخر بدل الوقائي، ما يعني ببساطة أن النظام الصحي ينتقل من منع المرض إلى إدارة الانهيار.
أما العام الجاري، فالمشهد يختصر بـ”نظام تحت الإجهاد”، فتقرير منظمة الصحة العالمية لعام 2026 حول الوضع الصحي في فلسطين المحتلة اختلف عن العام الماضي 2025، فيما يخص الضفة الغربية، أولًا لناحية طبيعة وتوصيف الأزمة: تقرير 2025 ينطلق من توصيف أن الأزمة متصاعدة، وأن الضفة تُعرض كمنطقة تحت الضغط، لكن النظام الصحي ما زال قادرًا على العمل نسبيًّا، ولكن في عام 2026 ينتقل إلى توصيف بأنها “أزمة ممتدة ومُركَّبة”، وأن الضفة تعرضت وتتعرض إلى استنزاف طويل، ما أسفر عن تآكل القدرة الصحية، والاختلاف بين العامين كبير وجوهري.
كما أن هناك فرقًا في الأولويات الصحية بين العامين: العام الماضي كان التركيز منصبًّا على الطوارئ والإصابات، والاستجابة السريعة، ودعم المستشفيات بشكل مباشر، أما العام الجاري فأصبح التركيز أكثر تعقيدًا، بمعنى ضمان بقاء النظام الصحي ومنعه من الانهيار، إضافة إلى تصاعد الحاجة إلى الصحة النفسية، وإدارة الأمراض المزمنة، والضغط المستمر على الإحالات الطبية والمستشفيات الحكومية، بمعنى تفاقمت الأزمة من مشاكل وصول بفعل الاحتلال إلى إعادة تشكيل النظام الصحي تحت الضغط.
ويُستخلص من المقارنة بين العامين أن الأزمة الإنسانية والصحية لا تظهر أي بوادر تراجع، بل تتعمق مع مرور الوقت، ومع ازدياد عدد المحتاجين للمساعدة الصحية الإنسانية، إلا أن الخطورة تكمن في أنه يمكنك تلمس تحولًا في خطاب الصحة العالمية من الطوارئ إلى التكيّف مع الأزمة، أي أن التكيف أصبح بديلًا للحل، أي تقبل انهيار المنظومة الصحية للفقراء.
استهداف ممنهج للطواقم والمرافق الصحية
شهدت الضفة الغربية تصاعدًا خطيرًا وتوسعًا في الهجمات الممنهجة على القطاع الصحي. منذ 7 اكتوبر 2023 وحتى الربع الأول من عام 2026، حيث وثقت منظمة الصحة العالمية والجهات الأممية المساندة ما يقارب ألف هجوم، ما أدى إلى شلل واسع في تقديم الخدمات المنقذة للحياة. تضمنت وفق اخر التحديثات، الاعتداء على الطواقم الطبية (اعتقالات واغتيالات).
فبحسب بيانات (Insecurity Insight) في شباط 2026، أسفرت الاستهدافات في الضفة عن استشهاد 12 من العاملين في الرعاية الصحية، إضافة لحملة اعتقالات طالت 184 كادرًا طبيًّا، جرت داخل المستشفيات والعيادات، أو أثناء محاولتهم عبور الحواجز للوصول إلى مرضاهم، وترافقت بعض الحالات مع اعتداءات جسدية وتهديدات.
“العدالة في الصحة”، بحسب منظمة الصحة العالمية فإن هذا المصطلح يسلط الضوء على انعدام المساواة في الوصول إلى الرعاية الصحية بسبب قيود الاحتلال. أما الوفيات التي يمكن تجنبها، فهذا المصطلح حاضر بقوة، ويُستخدم عادة عند الحديث عن ضحايا التأخير على الحواجز العسكرية، أو منع سيارات الإسعاف من الوصول للمصابين في الوقت المناسب، أو تأخير وعرقلة التصاريح الطبية للمرضى (خاصة مرضى السرطان والأمراض المزمنة) للوصول إلى مستشفيات القدس المحتلة، المنظمة تعتبر أن الوفيات الناتجة عن إعاقة الوصول للرعاية هي “وفيات كان يمكن تجنبها”.
وتشير أرقام الأمم المتحدة إلى أن 150000 فلسطيني في الضفة الغربية، في المناطق “ج” والمناطق المهمشة، فقدوا القدرة تمامًا على الوصول للخدمات الصحية، وذلك في الأعوام 2019-2022، أي قبل التغول الإسرائيلي عقب أكتوبر 2023، فللقارئ أن يتخيل كم ارتفع هذا الرقم الآن.
النقابات الصحية: لا نستقبل إلا الحالات إنقاذ الحياة فقط
تتبنى نقابات المهن الصحية في الضفة موقفًا حذرًا ومنظمًا من الإضراب، لا تصفه بـ”الشامل”، بل بـ”إجراءات تصعيدية تحذيرية”. تعتمد على تقليص ساعات العمل، وحصر الخدمات بالطوارئ، أو بحسب بياناتهم: “لا نستقبل إلا الحالات إنقاذ الحياة فقط”.
وتستخدم النقابات الإضراب كأداة ضغط تدريجية قابلة للتصعيد إذا لم تُستجب المطالب، التي تركز على قضايا مالية وإدارية: صرف الرواتب، المستحقات المتراكمة، العلاوات، تثبيت المؤقتين، وتحقيق العدالة الوظيفية، وتفسر النقابات الأزمة بأنها مالية وسوء إدارة، مع إشارة لعوامل سياسية كاحتجاز أموال المقاصة، لكنها تحمِّل الحكومة مسؤولية توزيع الموارد دون مواجهة سياسية مباشرة.
المستشفيات الخاصة ديون بالمليارات
تمر المستشفيات الأهلية والخاصة بالضفة بأسوأ أزمة مالية لها نتيجة تراكم ديون حكومية هائلة، بلغت نحو 2.6 مليار شيكل، وانعكس توقف الدفعات بشكل مباشر على قدرة المستشفيات في توفير الأدوية والمستلزمات الطبية، وعجزها عن استقبال مرضى جدد محولين من وزارة الصحة، ويحذر مختصون من أن النظام الصحي قد يتوقف فعليًّا خلال أسابيع لا أشهر.




