محمد عبد الله
أُسدِل الستار، على عملية الاقتراع في انتخابات الهيئات المحلية 2026 في الضفة الغربية ودير البلح في قطاع غزة، وسط مشاركة وُصفت بالمتوسطة، وهدوء ميداني لم تعكّره خروقات مؤثرة، وفق ما أعلنت لجنة الانتخابات المركزية.
وبينما رأت جهات رسمية وحركة فتح في النتائج “تفويضًا شعبيًا” لنهجها السياسي، اعتبر مراقبون وناشطون أن الانتخابات جرت في ظل غياب قوى فاعلة وطغيان الطابع العشائري، ما يطرح تساؤلات حول تمثيلها الحقيقي للإرادة الشعبية.
مشاركة بنسبة 53.44% وهدوء ميداني
وأعلنت لجنة الانتخابات المركزية انتهاء عملية الاقتراع في تمام الساعة السابعة مساء السبت، مع السماح للناخبين المتواجدين داخل مراكز الاقتراع بالإدلاء بأصواتهم بعد الموعد المحدد.
وبحسب اللجنة، بلغ عدد المقترعين 512,510 ناخبين وناخبات، بنسبة مشاركة وصلت إلى 53.44% في مختلف محافظات الضفة الغربية.
وأكدت اللجنة في بيانها أن العملية الانتخابية سارت “بهدوء وانتظام”، دون تسجيل خروقات مؤثرة، في ظل انتشار الأجهزة الأمنية التي عملت على تأمين مراكز الاقتراع والحفاظ على سير العملية بسلاسة، بما في ذلك في بعض المناطق المصنفة (ج)، حيث تواجدت الشرطة دون سلاح.
وفي السياق ذاته، قال مدير الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان في جنوب الضفة الغربية، فريد الأطرش في تعقيب لـ”بالغراف”، إن اليوم الانتخابي مرّ بشكل “ناجح بالمجمل”، مشيرًا إلى وجود تعاون بين لجنة الانتخابات والجهات المختصة، رغم تسجيل بعض الملاحظات، مثل عدم تهيئة بعض مراكز الاقتراع لذوي الإعاقة، والتي جرى تداركها خلال اليوم.
تباين بين المدن والقرى
ورغم نسبة المشاركة التي تجاوزت 53%، إلا أن التوزيع الجغرافي لهذه النسبة يكشف تفاوتًا واضحًا بين المدن الكبرى والبلدات والقرى.
فبحسب الناشط السياسي عمر عساف، فإن “النسبة المرتفعة في التصويت تركزت في القرى والبلدات، بينما بقيت متدنية ومتواضعة في المدن الرئيسية”.
وأضاف عساف في تعقيب لـ”بالغراف” أن هذا التفاوت يعكس طبيعة الحشد الانتخابي في المناطق الريفية، حيث تلعب العشائرية دورًا محوريًا في دفع الناخبين نحو صناديق الاقتراع، معتبرًا أن هذه العوامل “رفعت نسبة المشاركة ومنعتها من التراجع إلى مستويات العشرينيات أو الثلاثينيات”.
ويشير هذا الطرح إلى أنه لم يكن هناك مشاركة في بعض المدن الكبرى مثل رام الله ونابلس وقلقيلية – التي شهدت فوزًا بالتزكية–، ما يضعف، وفق منتقدين، من دلالة النسبة العامة على مستوى الضفة الغربية.
الطابع العشائري حاضر بقوة
من جانبه، أكد الأطرش أن الطابع العشائري كان “واضحًا” في الانتخابات، سواء من حيث تشكيل القوائم أو طبيعة المنافسة، التي دارت في كثير من الأحيان بين عائلات وأشخاص أكثر منها بين برامج سياسية.
وأوضح أن غياب قوى سياسية فاعلة، إلى جانب ملاحظات على قانون الانتخابات، أسهما في تكريس هذا الطابع، حيث جاءت الانتخابات “بمشاركة لون سياسي واحد تقريبًا”، ما انعكس على شكل المنافسة والنتائج.
ويتقاطع هذا التقييم مع ما ذهب إليه عساف، الذي رأى أن القوائم الانتخابية، بما فيها المحسوبة على حركة فتح، بُنيت في كثير من الأحيان على أسس عائلية، مع مراعاة التوازنات المحلية، وهو ما أفقد العملية الانتخابية بعدها السياسي التعددي.
غياب قوى سياسية ومقاطعة واسعة
ومن أبرز العناوين التي رافقت الانتخابات، غياب عدد من القوى السياسية الرئيسية، سواء من فصائل منظمة التحرير مثل الجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية وحزب الشعب والمبادرة الوطنية، أو من قوى المعارضة الإسلامية مثل حركتي حماس والجهاد الإسلامي، التي أعلنت مقاطعتها للعملية الانتخابية.
ويرى عساف أن هذا الغياب يعود إلى ما وصفه بـ”الشرط الإقصائي”، الذي يشترط على المرشحين الالتزام ببرنامج منظمة التحرير والتزامات السلطة، بما في ذلك الاتفاقيات السياسية، وهو ما اعتبره سببًا مباشرًا في إبعاد قوى فاعلة عن المشاركة.
واعتبر أن هذا الشرط “يشكل سابقة خطيرة”، داعيًا إلى مراجعته قبل الذهاب إلى أي استحقاقات انتخابية قادمة، لضمان مشاركة أوسع وتمثيل أكثر شمولًا.
نتائج متفاوتة ونماذج لافتة
على صعيد النتائج، أظهرت الانتخابات صورة مركبة، حيث فازت قوائم حركة فتح “الصمود والعطاء” في عدد كبير من الهيئات المحلية، خاصة في مدن مثل الخليل وطولكرم وسلفيت والبيرة، وفق بيان الحركة.
في المقابل، شهدت بعض المدن نتائج مختلفة، كما في جنين، حيث برزت قائمة مستقلة مرتبطة بشخصيات من مخيم جنين، ونجحت في التفوق على قوائم محسوبة على حركة فتح، ما اعتُبر مؤشرًا على وجود اتجاهات محلية مختلفة في بعض المناطق.
كما شهدت بعض البلديات، خاصة في المدن الكبرى، فوز مجالسها بالتزكية، مثل رام الله ونابلس، ضمن توافقات محلية، وهو ما حدّ من التنافس الانتخابي المباشر في هذه المناطق.
فتح: “تفويض شعبي” ومعارضة تنتقد
في أول تعليق لها، اعتبرت حركة فتح أن نتائج الانتخابات تمثل “فوزًا كاسحًا” لقوائمها، ووصفتها بأنها “استفتاء شعبي” على نهج الحركة وبرنامجها السياسي.
وقالت الحركة إن نسبة المشاركة، التي قاربت 53.5%، تعكس “إقبالًا ثابتًا” من المواطنين على ممارسة حقهم الديمقراطي، ورفضهم لدعوات المقاطعة، وتجديد ثقتهم بالمسار الذي تقوده.
في المقابل، رفض عساف هذا التوصيف، معتبرًا أن الحديث عن “فوز كاسح” لا يعكس الواقع، في ظل غياب منافسين حقيقيين من قوى سياسية أخرى، ووجود تنافس داخلي في بعض الأحيان بين قوائم محسوبة على نفس التيار أو الأجهزة.
وأضاف أن “فتح فازت على قوائم أخرى لفتح”، في إشارة إلى التعدد داخل القوائم ذات الخلفية الواحدة، ما يضعف من دلالة النتائج كتنافس سياسي حقيقي.
بين النجاح الإجرائي والجدل السياسي
في المحصلة، يمكن القول إن الانتخابات المحلية 2026 في الضفة الغربية حققت نجاحًا على المستوى الإجرائي والتنظيمي، بشهادة الجهات الرسمية والرقابية، في ظل يوم انتخابي هادئ ومنظم.
غير أن هذا النجاح يقابله جدل سياسي واسع حول طبيعة المشاركة، وغياب التعددية، وهيمنة الطابع العشائري، إضافة إلى دلالات النتائج في ظل مقاطعة قوى فاعلة.
وبينما ترى جهات رسمية في هذه الانتخابات خطوة متقدمة في المسار الديمقراطي، يعتبرها منتقدون محطة بحاجة إلى مراجعة عميقة، لضمان أن تعكس أي انتخابات قادمة الإرادة الشعبية بشكل أوسع وأكثر تمثيلًا لمختلف مكونات المجتمع الفلسطيني.




