هدى مرمر
في وقت يحاول فيها المستعمر أن يحتلّ الكلمة أيضًا، نلتفه بنهم أكبر إلى المكتبة لنقرأ ونروي حكايات الأرض وأبنائها. مهما علا هدير دبّاباتهم، لن يغلب أصواتنا التي تصونها كتب سماوية وغير سماوية، روايات وقصص، أمثلة شعبية وأشعار، أهازيج وهدهدات… في كلّ مضمار لنا صوت، وقصة، وجميعها مخزونٌ بالحفظ والصون في ذاكرتنا الشفهية والمكتوبة. والمطلوب الآن هو التمسك بمروياتنا وقصص شهدائنا. لكن، كيف العبور إلى الحقيقة التي تنصفهم في عالمٍ يستعمر كلّ شيء حتى الأدب؟ وما دور الأدب ابتداءً ونحن نشهد إبادات متنقّلة ما بين فلسطين ولبنان واليمن وسوريا وإيران؟
في حديثٍ مع الكاتب اللبنانيّ سليم اللوزي، يتناول هذه الأسئلة وغيرها كقارئ أولًا وككاتب ثانيًا، وللحديث تتمّة في جزءٍ ثانٍ.
ما هي مكانة الأدب في أيام الحرب؟
في الأوقات العادية، قد يُنظر إلى الأدب كتحلية فكرية أو نشاط ذهني لملء الفراغ. لكن في الحرب، تنقلب الآية جذرياً؛ يصبح الأدب “تكنولوجيا البقاء المعنوية”. الحرب تسعى لتحويل الإنسان إلى “كتلة بيولوجية” مستهدفة، أو “رقم” في إحصائية. هنا، يأتي الأدب ليعيد إلينا ملامحنا.
عندما تقرأ رواية أو قصيدة وسط الموت، أنت ترفض أن تكون مجرد هدف؛ أنت تؤكد أنك تمتلك تاريخاً، ذاكرة، وخيالاً لا يمكن للقذيفة أن تخترقه. التاريخ يكتبه المنتصرون (أو من يملكون المدافع)، لكن الأدب يكتبه المهزومون والضحايا لضمان أن الحقيقة الجوانية للمأساة لن تضيع.
الأدب هو الذي يخبرنا كيف كان ملمس الخبز في الحصار، وكيف كانت رائحة الخوف، وما هي الكلمات الأخيرة التي قيلت تحت الأنقاض. إنه يحول “الحدث العابر” إلى “ذاكرة خالدة”.
عندما يتدمر الواقع الفيزيائي (البيت، المدرسة، الشارع)، يصبح النص هو “المساحة الآمنة” الوحيدة. الأدب يبني لنا مدناً بديلة نسكنها ريثما تنتهي العاصفة، ويمنحنا لغة للتعبير عن الألم الذي يعجز المنطق عن تفسيره.
كيف أثّرت الإبادة على قراءاتك؟
الإبادة ليست مجرد حدث عسكري؛ إنها زلزال وجودي يغير كيمياء القارئ بداخلك. بالنسبة لي لم يعد لديّ صبر على النصوص التي تقف في “المنطقة الرمادية” أو تلك التي تنشغل بالجماليات اللغوية المفرطة بعيداً عن قضايا الإنسان. أصبحت القراءة فعلاً انتقائياً يبحث عن “الصدق الصادم”. الإبادة تجعلك تبحث عن الكتاب الذي يمتلك “ثقلاً أخلاقياً”، لا مجرد براعة تقنية. كما مالت القراءات نحو مذكرات الناجين، أدب السجون، ورسائل المحاصرين. هناك نهم لمعرفة كيف صمد الآخرون في ظروف مشابهة.
أصبحت القراءة وسيلة لاستمداد القوة لا لتبديد الوقت.
فعندما تعيد قراءة “مئة عام من العزلة” لماركيـز الآن، لن ترى فيها خيالاً فانتازياً فحسب، بل سترى في “ماكوندو” تشابهاً مرعباً مع مدننا التي تُباد ثم تُنسى. سترى في تكرار المآسي لعنة تاريخية نعيشها في غزة ولبنان. الإبادة منحتني “نظارات سوداء” تجعلني أرى الظلال المختبئة خلف كل نص جميل.
أحياناً، أشعر أن اللغة الحالية عاجزة عن وصف حجم الإبادة، فتجده قلقاً في قراءاتك، تبحث بين السطور عن كلمة جديدة، عن استعارة لم تُستهلك، تستطيع أن تحمل ثقل هذا الدم دون أن تنكسر. في الحرب، لا نقرأ لننسى، بل نقرأ لنعرف أننا لسنا وحدنا في هذا الجحيم، وأن هناك من استطاع، رغم كل شيء، أن يحول أنينه إلى نشيد.
هل تُعدّ الكتابة والقراءة ترفًا في ظلّ التهجير والقصف والإبادة؟
لا، الكتابة والقراءة في ظل الإبادة هي “فعل استرداد” للذات، وليست نزهة ذهنية. عندما يُقرر المحتل إبادة شعب، فإنه يبدأ بتهجير جسده ثم يطمح لمحو “فكرته”. القراءة في خيمة النزوح أو تحت أصوات القصف هي فعل مقاومة وجودية. أنت تقرأ لتقول: “أنا لا زلت هنا، وعقلي لا يزال قادراً على استقبال الجمال والحقيقة رغم القبح المفروض عليّ”. القراءة هنا تصبح “مساحة سيادة” شخصية لا يستطيع الطيران الحربي الوصول إليها.
الكتابة في ظل الإبادة ليست “ترفاً” لأنها البديل الوحيد عن الصمت الذي يريده القاتل. إذا لم نكتب حكايتنا وأوجاعنا في لحظة القصف، سيتطوع القاتل بكتابة تاريخنا نيابة عنا، وسيحول ضحايانا إلى “أضرار جانبية”. الكتابة هي الطريقة الوحيدة لتحويل الألم العابر إلى ذاكرة صلبة لا تقبل التأويل. إنها “صرخة” في وجه العدم.
في لحظات التهجير، يفقد الإنسان كل شيء: بيته، أمانه، وصوره القديمة. الأدب (قراءةً وكتابةً) يرمم “البيت الداخلي”. الكتاب الذي تحمله في حقيبة نزوحك ليس “وزناً زائداً”، بل هو المرساة التي تمنع روحك من الانجراف خلف غريزة الحيوان التي يحاول العدو حشرنا فيها. إنه يُبقي على “إنسانيتنا” حيّة عندما يحاول العالم تجريدنا منها.
نعم، الرغيف يسبق الكتاب في سلم الاحتياجات البيولوجية، ولكن الإنسان لا يعيش بالخبز وحده، خصوصاً الإنسان الواقع تحت الظلم. القراءة تمنح “معنى” لهذا العذاب؛ تخبرك أن هناك آخرين مروا من هنا، صمدوا، وكتبوا. الكتابة تمنحك “سلطة” على مأساتك؛ بدلاً من أن تكون مجرد “متلقٍ” للقدر، تصبح “راوياً” له.
الترف هو أن تقرأ لتهرب من الواقع؛ أما الضرورة فهي أن تقرأ لتفهم الواقع وتواجهه. الكتابة في زمن الإبادة هي “الطلقة” التي لا تقتل، بل تُحيي القتيل في ذاكرة الأجيال.
لو كانت الكتابة ترفاً، لما اغتالوا غسان كنفاني، ولما صادروا الكتب من البيوت المهجرة. هم يخافون من “الكلمة” لأنها الوحيدة التي تنجو من تحت الأنقاض. القلم في يدك قد يكون أثقل على العدو من بندقية.
هل توافق توجّه الكاتب الفلسطينيّ غسّان كنفاني نحو المقاومة بالأدب، أم باتت تلك أهواء رومنسية يوتوبية لا تناسب زمن الذكاء الاصطناعي؟
توجّه غسان كنفاني ليس مجرد خيار أدبي، بل هو ضرورة حيوية، وهو اليوم أكثر راهنية من أي وقت مضى، خاصة في زمن الذكاء الاصطناعي.
الرومانسية تعني الهروب إلى الخيال، لكن غسان كان يغرس مشرطه في لحم الواقع. عندما كتب عن “رجال في الشمس”، لم يكن ينمق الكلمات، بل كان يصرخ في وجه العجز العربي. المقاومة بالأدب عند كنفاني كانت تعني “صناعة الوعي”، والوعي هو السلاح الوحيد الذي لا يمكن تعطيله بالتشويش الإلكتروني أو القرصنة.
في زمننا هذا، يستطيع الذكاء الاصطناعي توليد آلاف الصور والنصوص والتقارير المضللة في ثوانٍ. يمكنه تزييف التاريخ واختلاق روايات بديلة (Deepfake). هنا تبرز أهمية “أدب المقاومة”:
الذكاء الاصطناعي يعالج ما هو موجود (بيانات)، لكنه لا يمتلك “الوجع”. الأدب الكنفاني ينبع من تجربة إنسانية حية لا يمكن محاكاتها رقمياً. عندما يكتب إنسان تحت الحصار، فإنه يقدم “شهادة بيولوجية” تتفوق في مصداقيتها على أي محتوى يتم إنتاجه آلياً. الأدب هو “البصمة الوراثية” للحقيقة التي لا تقبل التزوير.
الذكاء الاصطناعي قد يساعد في الحرب التقنية، لكنه لا يستطيع بناء “هوية”. الأدب هو الذي يربط الفلسطيني بمرج ابن عامر، وهو الذي يربط اللبناني بقرى الجنوب. إذا توقفت المقاومة بالأدب، سنصبح مجرد “كيانات رقمية” بلا ماضٍ. كنفاني أدرك أن المعركة على “الرواية” (The Narrative) هي المعركة الأم، والذكاء الاصطناعي اليوم هو مجرد أداة في يد من يمتلك الرواية الأقوى.
حتى لو افترضنا جدلاً أن فكرة المقاومة بالكلمة فيها شيء من اليوتوبيا، فإن هذه “الأهواء” هي التي تمنع الإنسان من التحول إلى آلة صماء. بدون الحلم الذي يغذيه الأدب، وبدون “دق الجدران” (كما في رواية غسان)، سنستسلم لمنطق القوة المجرد. الأدب هو الذي يجعلنا نؤمن بالمستحيل في زمن الحسابات المادية الباردة.
الذكاء الاصطناعي قد يربح “معركة المعلومات”، لكن أدب المقاومة هو الذي يربح “حرب الوجود”. غسان كنفاني لم يمت؛ لأنه حوّل القضية من “خبر عاجل” قد تمحوه خوارزميات “فيسبوك”، إلى “نص خالد” محفور في وجدان البشرية.
العدو الذي يمتلك أكثر التكنولوجيا تقدماً في العالم، لا يزال يرتجف من قصيدة أو رواية تعيد تعريف “أصحاب الأرض” الذكاء الاصطناعي يفتقر إلى “القضية”، والأدب هو جوهر القضية.
هل دجّننا الأدب الغربي تحضيرًا لاستقبال يوميات مستنقع الدم الذي نغرق فيه كلّ يوم أكثر؟
الأدب الغربي، والمنظومة الثقافية التي تدور في فلكه، لم “يدجّننا” بالمعنى الحرفي للكلمة، بل قام بعملية “تنميط الضحية” و”عولمة اللامبالاة”. الأدب الغربي المهيمن صمّم للعالم منظومة قيم تبدو عالمية، لكنها في الحقيقة انتقائية.
لقد تعاطفنا مع “بؤساء” فيكتور هوجو، وبكينا على ضحايا الحروب العالمية في روايات إرنستهمنغواي، فتشكل بداخلنا وعي بأن “الإنسان” الذي يستحق الرثاء هو ذلك الذي يرتدي البدلة الغربية أو يعيش في مدن تشبه باريس ولندن. عندما بدأ “مستنقع الدم” في بلادنا، كان خيالنا الثقافي قد تبرمج بالفعل على أن موتنا “حدث طبيعي” أو “ضريبة جغرافيا”، بينما موت “الآخر” هو مأساة كونية.
دفعنا الأدب الغربي الحديث نحو “العدمية” و”الشك المطلق”. عندما تغرق في روايات تُقدس الفردانية المفرطة وتعتبر القضايا الكبرى، مثل التحرر والوطن، مجرد “سرديات كبرى” عفا عليها الزمن، فإنك تُجرَّد من سلاح الإيمان بالقضية. هذا النوع من الأدب جعلنا نستقبل المأساة ببرود “وجودي”؛ كأننا نتفرج على عبث مستمر، لا على جريمة تتطلب موقفاً أخلاقياً حازماً.
لقد علّمنا الأدب والسينما الغربية كيف نتذوق “جماليات الدمار”. أصبحت مشاهد الجثث والمدن المحروقة جزءاً من “إستيقاظ” (Aesthetics) معينة نراها في روايات الديستوبيا. هذا “التدجين الجمالي” جعل أعيننا تعتاد المشهد؛ فعندما نرى غزة أو بيروت تحترق، يتحرك في عقلنا الباطن مخزون الصور “الأدبية” والسينمائية التي استهلكناها، مما يخفف من وطأة الصدمة الواقعية ويحولها إلى “مشهد مألوف” سبق وقرأناه.
كثير من الروايات الغربية التي تناولت منطقتنا (أو ما يسمى بأدب الاستشراق الجديد) ركزت على “تعقيد” شخصية الجندي المستعمر، صراعاته النفسية، وأزماته الوجودية، بينما ظلت الضحية مجرد “ظلال” أو “خلفية” صامتة. هذا الأدب دجّن وعينا لنبحث عن مبررات للقاتل، أو على الأقل لنقف مكتوفي الأيدي أمام “تعقيد المشهد”، بينما الحقيقة هي بساطة الدم المسفوك.
هنا تكمن المفارقة. رغم محاولات “التدجين”، إلا أن وعينا العربي المتجذر في وجع الأرض لا يزال يقاوم. نحن اليوم نستخدم “أدواتهم” (اللغة، الرواية، المنصات) لنكسر هذا التدجين. نحن لا نستقبل مستنقع الدم كقدر، بل كجريمة.
الأدب الغربي حاول أن يجعلنا “مراقبين” لموتنا، لكن صرختنا المكتوبة باللغة العربية، وبعمقنا الماركيـزي الذي يعيد الاعتبار للبسطاء، هي التي تكسر هذا المستنقع وتعيد إلينا إنسانيتنا المسلوبة.
سبق وتنبّأت روايات كثيرة – أذكر منها “AcideSulfurique” للكاتبة البلجيكية أميلي نوتومب وثلاثية “The Hunger Games” للكاتبة البريطانية سوزان كولينز – بالقتل من أجل متعة ال1%! في هذه الروايات، القتل والتقاتل سلعة تُسوّق لها برامج ما يسمى بالتلفزيون الواقعي. وبالفعل، نحن اليوم في خضم الإبادة الأكثر تلفزةً. هل تعتقد أنّنا سنشهد موجة مختلفة في الأدب الديستوبي العالمي بسبب إبادة غزّة؟
لقد كانت روايات الديستوبيا التقليدية (مثل “مباريات الجوع” أو “حمض كبريتي”) تحذر من مستقبل “متخيل” حيث يصبح القتل عرضاً ترفيهياً لخدمة طبقة مخملية. لكن ما فعلته إبادة غزة هو أنها سحبت الديستوبيا من رفوف “الخيال العلمي” ووضعتها في “البث المباشر” على هواتفنا.
أعتقد جازماً أننا سنشهد موجة مختلفة تماماً في الأدب الديستوبيالعالمي. الديستوبيا القديمة كانت تعتمد على “المبالغة” (Hyperbole) لتنبيه القارئ. أما الموجة القادمة، فستكون ديستوبياواقعية فجة. الأدب لن يحتاج لاختراع قوانين قمعية جديدة؛ بل سيكتفي بوصف كيف كان العالم يشاهد إبادة حية بالصوت والصورة دون أن يحرك ساكناً. الأدب الجديد سيسأل: ماذا يحدث للإنسان حين يشاهد ذبح أخيه الإنسان عبر “ستوري” على إنستغرام ثم يكمل تمرير الشاشة (Scrolling)؟
في “The Hunger Games”، كان هناك “كاتنيس إيفردين” التي تقود الثورة وتغير النظام. في ديستوبيا غزة، “البطل” هو جماعي، والمنقذ العالمي غائب تماماً.
الموجة الأدبية القادمة ستكون أكثر سوداوية فيما يخص “المجتمع الدولي”؛ ستصور العالم ككتلة صماء ومشاركة في الجريمة عبر الصمت، لا كمنقذ ينتظر اللحظة المناسبة للتدخل.
الموجة الجديدة ستركز على دور التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في “هندسة الإبادة”. إذا كانت أميلي نوتومب قد ركزت على “تلفزيون الواقع”، فإن الأدب المقبل سيركز على “خوارزميات القتل” التي تختار الأهداف، وعلى “تزييف الحقيقة” (Deepfake) الذي يجعل المشاهد يشك في دم الضحية حتى وهو يراه يسيل. ستكون ديستوبيا تتحدث عن “موت الحقيقة” قبل موت الجسد.
لطالما كان الأدب الديستوبي “غربياً” بامتياز (أورويل، هكسلي، كولينز). إبادة غزة ستنقل “مركز الثقل” إلى الجنوب العالمي. سنرى روايات ديستوبية تُكتب من منظور الضحية التي تملك التكنولوجيا لكنها لا تملك حق الحياة. لن يكون العدو “أخاً كبيراً” غامضاً، بل سيكون عدواً واضحاً يملك “حق النقض” (الفيتو) على وجودك.
أخطر ما في الموجة القادمة هو أنها ستعالج فكرة “بلادة المشاعر”. كيف يمكن للإنسان أن يواصل حياته الطبيعية (يشرب القهوة، يذهب للعمل) وهو يملك في جيبه جهازاً ينقل له صور الأطفال الممزقين في تلك اللحظة بالذات؟ هذا الانفصام الوجداني سيكون هو المادة الخام للروايات القادمة.
نحن لم نعد بحاجة لروايات تحذرنا من “يوم القيامة”؛ نحن نعيش “بروفات” يوم القيامة كل يوم على شاشاتنا. إبادة غزة كسرت “العقد الأخلاقي” الذي كان الأدب الديستوبي يحاول حمايته. الأدب الآتي لن يكون صرخة تحذير، بل سيكون “صرخة اتهام” ومحاولة أخيرة لاستنقاذ ما تبقى من تعريف “الإنسان”.
هل ما تزال الحكاية مستعمَرةً من قبل السرطان الصهيوني، أم شرّع الأدب العالمي بعض الأبواب لأصوات أهل الأرض ولم تكن رواية الكاتبة الفلسطينيّة عدنية شبلي “تفصيل ثانوي” استثناءً؟
الصراع اليوم ليس فقط على الدونمات والمياه والحدود، بل هو صراع شرس على “ملكية المعنى”.
لا تزال الحكاية تتعرض لمحاولة استعمار ممنهجة.
المنظومة الثقافية الكبرى في الغرب (دور النشر الضخمة، الجوائز العالمية، المهرجانات الأدبية) لا تزال تعمل بآلية “الفلترة” الاستعمارية. السرطان الصهيوني في الحكاية لا يتجسد فقط في الكذب المباشر، بل في محاولة تصوير الصراع كأنه بدأ “بالأمس”، وتجاهل النكبة والمظلمة التاريخية. وفي استخدام مصطلحات مثل “نزاع” بدلاً من “احتلال”، و”وفاة” بدلاً من “قتل”. وفي تحويل الفلسطيني إلى “خلفية” أو “كائن سلبي” يتلقى الفعل ولا يصنعه.
رواية “تفصيل ثانوي” لم تكن مجرد استثناء، بل كانت “فضيحة للمنظومة”. عندما حاول معرض فرانكفورت إلغاء تكريمها، لم يكن ذلك بسبب “ضعف أدبي”، بل لأن الرواية نجحت في “تفكيك البنية السردية للمحتل”. عدنية شبلي كتبت عن “التفصيل” الذي يهمله التاريخ الكبير، وهذا التفصيل هو الذي يفضح الجريمة الكاملة.
إلغاء التكريم كان اعترافاً ضمنياً بأن “الحكاية الفلسطينية” باتت تشكل خطراً وجودياً على الرواية الصهيونية المستقرة في الوعي الغربي.
رغم الحصار، لا يمكننا القول إن الأبواب لا تزال مغلقة تماماً. هناك تصدع كبير في جدار الرواية الصهيونية، بفضل عدة عوامل، أهمها أن الأدب العالمي بدأ يستقبل أصواتاً لا تداهن. لم تعد الرواية الفلسطينية “أدب لاجئين” يطلب الشفقة، بل صارت “أدب حرية” يلهم حركات التحرر في العالم (مثل Black Lives Matterوغيرها).
ولم يعد الناشر الغربي هو المتحكم الوحيد. “الرواية الشفهية” والفيديوهات والمدونات كسرت احتكار “السرطان” للحكاية، وأجبرت الأدب العالمي على فتح أبوابه، ولو مواربة.
اليوم، نرى روايات مثل “المشي على الحبال” أو أعمال إيزابيلا حماد، وفرض حضور الأدب الفلسطيني في قوائم “البوكر” العالمية. هذه ليست منحاً من أحد، بل هي “قوة الحكاية” التي تفرض نفسها. العالم بدأ يدرك أن الحكاية الفلسطينية هي “الاختبار الأخلاقي الأخير” للأدب الإنساني.
إن الحكاية لا تزال “مستعمرة” في مؤسسات القوة، لكنها “محررة” في وجدان الشعوب.
ما حدث لعدنية شبلي كان “بروفا” لما يحدث لنا جميعاً: يحاولون تغييبنا، فيتحول غيابنا إلى حضور طاغٍ يملأ الدنيا ضجيجاً. هل تعتقد أن “الرقيب” الغربي بات يخشى الكلمة الفلسطينية أكثر مما يخشى الرصاصة؟ الحقيقة أن الكلمة هي التي تعطي الرصاصة معناها، وهم يدركون ذلك جيداً.




