loading

أنت لست وحدك لماذا يَخِفّ الخوف عندما نكتشف أنّ الآخرين يشاركوننا التجربة؟

حسام كناعنة

“كثير مريح إنه أعرف إني مش لحالي في هاي التجربة، 

وفي غيري اللي مشيوا نفس الطريق، ويشاركوني بنفس الأعراض. لفترة كنت خايفة من إني عم أنجن”.

هذا الموضوع مهم جدًا في التجربة العلاجية، عندما يكتشف المتعالجون، خصوصًا في بداية الرحلة العلاجية، أنّ هناك من يشاركهم نفس التجربة ونفس الأعراض، وأنّ المعالج قد سمع ذلك من غيرهم؛ لأنّ الشعور بالوحدة في المعاناة هو أحد أكثر الجوانب إيلامًا في أي اضطراب نفسي. 

مثلًا، عندما تقول سيدة، بعد تردّد واضح، وبصوت خافت ومرتجف: “عندي أفكار عن إيذاء طفلي، وأنا خايفة إني أعملها، راح أنجن”، ثمّ تجد أن أريكة المعالج لم تهتز، ولم تتغيّر تعابير وجهه ولم ينظر إليها باستغراب ولا باستهجان، وإنما بتعاطف وبتفهّم، بمعنى أنّه سمع ذلك من قبل، ويوضّح لها أنّ هذه الأفكار شائعة جدًا في اكتئاب ما بعد الولادة وفي اضطراب الوسواس القهري، ووجود هذه الأفكار لا يعني أنّها ستخرج إلى حيّز التنفيذ، (طبعًا، الحديث هنا ليس عن اكتئاب ما بعد الولادة الشديد المصحوب بضعف القدرة على الرعاية، حيث توجد خطورة على الطفل، ولا عن اكتئاب ما بعد الولادة الذهاني، وهو شديد الخطورة لكنّه لا يتجاوز 0.01-0.02% من الولادات)، فإنّه يوصل لها رسالة مفادها أنّكِ لستِ وحشًا، وهذا عَرَض معروف ويمكن علاجها، عندها ستشعر هذه السيدة كأنّ جبلًا قد سقط عن كاهلها.

مثال آخر، عندما يقول لنا متعالج أنّه يشعر كأنّه غريب عن ذاته (بشوف حالي من برّا)، ويصف تجربة ذلك الشعور الغريب “كأنه جسمي مش جسمي”، ثمّ نسأله عن التفاصيل التي نعرفها جيّدًا، لأنّنا كثيرًا ما سمعناها من غيره، ونقول له، هذا يُسمّى “تبدّد الشخصية”، وأنت لا تفقد عقلك، لكن ما حدث معك استجابة طبيعية لضغط غير طبيعي.

مثال ثالث لشاب يقول: “أخاف من مغادرة المنزل لأنّ قلبي يبدو كأنّه سينفجر”، فنطمئنه أنّها نوبات الهلع معروفة جيّدًا، وهي معروفة جيدًا ومن أكثر الحالات التي نُشاهدها في العيادة، بالذات مع الشباب، وهي تخيف الملايين من الناس حول العالم. مع أنّ الأعراض الجسدية لنوبات الهلع تبدو حقيقية، وهي مخيفة ومزعجة جدًا، لكنّها ليست خطيرة بتاتًا، نوصل له رسالة بأنّه ليس ضعيف الإيمان وبأنّ ما يحدث معه هو اضطراب معروف جيّدًا وقابل للعلاج.

مهم جدًا أن نعرف، كما سنرى لاحقًا، لماذا يشعر المتعالجون بالراحة الكبيرة عندما يعرفون أنّهم “ليسوا وحدهم”، وكيف نستخدم هذه المعرفة لمساعدتهم؛ من الجدير ذكره هنا أنّ المعالج النفسي الشهير إرفين يالوم، في عرضه لمبدأ “الشمولية“، يشير إلى أنّ إدراك أنّ الآخرين يشاركوننا مشاكلنا هو أحد عوامل الشفاء الأساسية في العلاج الجماعي، وأنّ هذا العامل يعمل أيضًا في الجلسات الفردية؛ حيث إنّ العديد من المتعالجين يعانون من “شعور متضخّم بالفرادة” بسبب العزلة، فرؤية الآخرين يشاركونهم التجربة تُحدث أثرًا علاجيًا، وتمنح المتعالج إحساسًا بأنّ تجربته إنسانية ومفهومة.

لماذا يخِفُّ الخوف عند معرفة أنّ الآخرين يشاركوننا التجربة؟

أولًا، لأنّ هذه المعرفة تعمل على كسر حلقة “الجنون”، فكثير من المتعالجين، خاصة الذين يعانون من أفكار وسواسية (مثل: “ماذا لو قتلت أحداً؟”)، أو من نوبات هلع (تسارع دقات القلب، الخوف من الموت ومن الجنون)، أو من أعراض انفصالية أو انشقاقية (الشعور بعدم الواقعية أو أنّ الجسد ليس ملكهم)، أو من اكتئاب شديد مع أفكار سلبية عن الذات، أو من وساوس جسدية (الخوف من مرض خطير دون سبب عضوي).

 هؤلاء غالبًا ما يعتقدون أنّهم “مجانين” أو على وشك الجنون، وأنّ ما يحدث لهم فريد وغريب. وعندما نُخبرهم أنّ مئات المراجعين من قبْلهم عانوا من نفس الأفكار والأعراض بالضبط، فإنّ هذا يُحدِث عدة أشياء إيجابية، أهمّها تطبيع التجربة، حيث يُصبح العَرَض “مشكلة معروفة” وليس “علامة على الجنون”، وأيضًا تخفيف العار، فيختفي الشعور بأنه “معيب” أو “ضعيف” أو “غريب”، بالإضافة إلى بثّ الأمل، فإذا كان الآخرون قد تعافوا أو تحسّنوا، فربما يمكنّني أنا أيضًا.

ثانيًا، عندما نقول للمنتفع: “كثير بسمع هذا الحكي، وهذا الشيء شائع في مثل حالتك”، فإنّنا نقدّم تصديقًا عاطفيًا وإقرارًا للمشاعر؛ هذا يعني أنّ “ما تشعر به حقيقي، وليس من نسج خيالك”، و”أنت لست مبالغًا، ولا تختلق الأعذار”، وأيضًا أنّ “ردة فعلك منطقية في سياق حالتك”. التحقّق من المشاعر وحده يُمكن أن يخفّض شدّة القلق بشكل كبير، لأنّ جزءًا كبيرًا من المعاناة يأتي من الصراع مع النفس: “ليش أنا هيك؟”، أو: “ليش مش عم أقدر أوقّف؟”.

هذه المعرفة بأنّ الآخرين يشاركوننا نفس الأعراض تخفّف من المعاناة لأنّها، وهذا ثالثًا، تساعد في بناء الثقة مع المعالج وفي العلاج. فعندما نظهر كمعالجين أنّنا نعرف هذه الأعراض وأنّه لدينا خبرة سابقة معها، ولسنا “مصدومين” من سماعها، فإنّ هذا يبني ثقة علاجية، حيث يشعر المتعالج أنّه في أيدٍ أمينة، ويتوقّف عن الشعور بأنّه “حالة غريبة” أو “مستعصية”، ويكون أكثر استعدادًا للالتزام بالخطة العلاجية، لأنها “جُرّبت على آخرين ونجحت”.

دور المعالج في تقديم “الخبرة السابقة”

المعالج الجيد لا يكتفي بالقول: “أنا أفهمك”، بل يشرح بشكل ملموس كيف أنّ هذا العَرَض له اسم في الأدبيّات المهنية وفي المراجع العلمية، وقد درسناه، ويوضح كيف أنّ المتعالجين السابقين الذين عانوا من نفس الشيء قد استفادوا من التدخّلات المختلفة، ويؤكّد: “أنت لست أوّل من يخاف من الجنون بسبب هذه الأفكار، ولن تكون آخرهم”.

كيف تَستخدم هذه الفكرة في حياتك (إذا كنت تعاني من أعراض مشابهة)؟

إذا كنت تشعر أنّ أعراضك “غريبة” أو “مخيفة” وتحاول إخفاءها لأنّك تخاف من رد فعل الآخرين، جرّب أن تقول لنفسك، مثلًا: “هذا الشعور له اسم، وملايين البشر عانوا منه“، أو الأطباء والمعالجون يعرفونه، وليس جديدًا عليهم، أو أن تقول: “مُجرّد معرفتي بأنّي لست وحدي يقلّل من عذابي“.

يمكنك أيضاً الانضمام إلى مجموعات دعم (حقيقية أو عبر الإنترنت) لأشخاص يعانون من نفس الاضطراب (مثل اضطراب الوسواس القهري، الرهاب الاجتماعي، الاكتئاب وغيرهم)، فمجرّد الاستماع إلى قصص الآخرين يخفّف الشعور بالوحدة وبالغربة.

خلاصة

الشعور بأنّ “لا أحد يفهمني” و” أنا الوحيد الذي يمرّ بهذا” هو جزء كبير من معاناة الأشخاص الذين يعانون الاضطرابات النفسية. لهذا، عندما يخبر المعالج المتعالج أنّ هذه المنطقة قد سار فيها آخرون من قبل، فإنّه يمنحه تطبيعًا (أنت لست مجنونًا)، وتصديقًا (مشاعرك حقيقية ومفهومة)، وأملًا (إذا تعافى الآخرون، فأنا أيضًا أستطيع)، وثقة (هذا المعالج يعرف ما يفعل).

لهذه الأسباب مجتمعة قالت المتعالجة التي اقتبستُها أعلاه: ” كثير مريح إنه أعرف إني مش لحالي في هاي التجربة“؛ هذه الراحة هي الخطوة الأولى نحو الشفاء.

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة


جميع حقوق النشر محفوظة - بالغراف © 2025

الرئيسيةقصةجريدةتلفزيوناذاعةحكي مدني