loading

رواتب القضاة تهدد بانهيار السلطة القضائية الفلسطينية

محمد عبد الله

في سابقة تعكس عمق الأزمة المالية التي تضرب مؤسسات السلطة الفلسطينية، قررت محكمة فلسطينية تأجيل النظر في إحدى القضايا، بعدما أقرّ القاضي بتأثر قدرته الذهنية جراء أزمة الرواتب المتواصلة. 

القرار، الذي استند إلى نصوص قانونية، فتح الباب أمام تحذيرات قانونية من تداعيات خطيرة قد تمس جوهر عمل السلطة القضائية واستمرارها.

وأصدرت المحكمة، يوم الأثنين 4 أيار 2025، قرارًا يقضي برفض طلب وكيل الجهة المدعية بإجراء محاكمة المدعى عليه حضورياً، وتأجيل النظر في الدعوى إلى موعد لاحق، مبررة ذلك بتأثر الحالة الذهنية اللازمة للفصل في القضية نتيجة الظروف الاقتصادية الراهنة.

وجاء في نص القرار أن “العدالة لا تُبنى على قلب ملؤه الغصة، وفكر شوّشه الواقع الاقتصادي المتمثل بأزمة الرواتب المتواصلة”، مشيرًا إلى أن هذه الظروف بلغت حدًا “يحول دون صحة التفكير والتبصر لدى الهيئة الحاكمة”، ويفقدها صفاء الذهن اللازم لإصدار حكم عادل.

واستندت المحكمة في قرارها إلى المادة (1812) من مجلة الأحكام العدلية، التي تنص على أنه “ينبغي للقاضي أن لا يتصدى للحكم إذا تشوش ذهنه بعارضة مانعة لصحة التفكير كالغضب والغم والجوع وغلبة النوم”.

وبناءً عليه، قررت المحكمة تأجيل النظر في الدعوى إلى جلسة تعقد يوم الثلاثاء الموافق 23 حزيران/يونيو 2026، مع إعادة تبليغ الأطراف.

من جانبه، حذر مدير المركز الفلسطيني لاستقلال المحاماة والقضاء (مساواة)، المحامي إبراهيم البرغوثي، من خطورة ما يكشفه هذا القرار، مؤكدًا أن ما جرى لا يُعد حالة فردية، بل مؤشرًا على أزمة أعمق تضرب منظومة العدالة.

وأوضح البرغوثي في حوار خاص مع “بالغراف” أن القانون المدني الفلسطيني، وكذلك مجلة الأحكام العدلية، يحددان شروط تولي الوظيفة القضائية، وكذلك الشروط التي تُمكّن القاضي من أداء مهامه. 

وأشار إلى أن أي خلل يصيب القاضي، بما في ذلك الظروف الواردة في القرار، من شأنه أن يمنعه من الفصل في النزاعات المعروضة أمامه بحياد ونزاهة وكفاءة، لأن تشوش الذهن يفقده القدرة على اتخاذ القرار السليم.

وأضاف أن هناك قاعدة راسخة في الأنظمة القانونية حول العالم مفادها أن “القاضي لا يفتي وهو جائع”، في إشارة إلى أن القاضي لا يستطيع الفصل في القضايا إذا كان منشغلًا بتأمين احتياجاته الأساسية. 

ولفت إلى أن القاضي في الأصل ممنوع من العمل في أي مجال آخر أو تلقي أي مقابل من أي جهة، ما يجعل استقراره المالي شرطًا جوهريًا لضمان نزاهته واستقلاله.

وأكد البرغوثي أن هذه القضية تعكس عمق الأزمة المالية وتأثيرها المباشر على الأمن الوظيفي للقضاة والعاملين في قطاع العدالة، مشددًا على أن وظيفة القاضي تختلف عن باقي الوظائف، إلى جانب مهنة الطب، نظرًا لارتباطها المباشر بحياة الناس وحقوقهم، حيث تقع على عاتق القضاة مسؤولية تطبيق القانون وتحقيق العدالة.

وأشار إلى أن توفير الأمن الوظيفي والشخصي والمالي للقضاة وموظفي المحاكم ليس مسألة رفاهية، بل ضرورة أساسية لضمان سير العدالة، لافتًا إلى أن عمل هؤلاء يشكل حجر الأساس لكافة الإجراءات القضائية، ما يستوجب تأمين حياة كريمة لهم.

وفيما يتعلق بالحلول، طرح البرغوثي مقترحًا وصفه بالجزئي والعاجل، يتمثل في ضمان استقلال الموازنة الخاصة بالسلطة القضائية، بحيث تُخصص إيراداتها الذاتية، مثل الرسوم القضائية، لتغطية التزاماتها، وعلى رأسها رواتب القضاة والموظفين.

وانتقد آلية إدارة هذه الإيرادات حاليًا، مشيرًا إلى أن الحكومة تقوم بضمها إلى الموازنة العامة، بدلًا من تخصيصها لدعم قطاع القضاء، ما يفاقم الأزمة.

وشدد على أن القضية لم تعد مجرد أزمة مالية عابرة، بل تحولت إلى “مشكلة بقاء” تهدد قدرة السلطة القضائية على الاستمرار في أداء مهامها، محذرًا من أن انهيار هذه السلطة يعني انهيار منظومة الدولة بأكملها.

وختم بالقول إن غياب القضاء أو إضعافه يقود حتمًا إلى غياب الاستقرار، مؤكدًا أنه “لا دولة بلا عدل”.

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة


جميع حقوق النشر محفوظة - بالغراف © 2025

الرئيسيةقصةجريدةتلفزيوناذاعةحكي مدني