هدى مرمر
في الجزء الثاني من حديثنا مع الكاتب اللبنانيّ سليم اللوزي، نغوص أعمق في الواقع اللبنانيّ، بحثًا عمّن يسرد حكاية حرب الإبادة المستمرّة. لجيل الحرب الأهليّة أعلامها التي كتبت وتحدّثت عنها مطوّلًا، دون أن تخيط جراحها. والأدب الغربي تناول الإبادات كديستوبيا إستشرافيّة. الآن وقد غدت حقيقة، عمّ سيكتبون؟ وكيف سيكتبون ما هم فيه شركاء؟ حيث يرى اللوزي أنّ “الحكاية لا تزال مستعمرة في مؤسسات القوة، لكنها محرّرة في وجدان الشعوب.”
– هل “تعوّدنا”؟ هل ألفنا مشاهد القتل والفقد والتعذيب؟
سأسلك وأسأل القارئ: هل تحوّلت أرواحنا إلى “ندوب” صلبة لا تشعر، أم أننا نعيش حالة من “الإنكار القسري” لنتمكن من الاستمرار؟
الحقيقة هي مزيج مرعب من التفسيرات النفسية والوجودية.
نفسياً، هناك ما يسمى “التعود”، وهو آلية دفاعية للدماغ. عندما يتعرض الإنسان لجرعات هائلة ومتكررة من القبح والموت، يبدأ العقل بوضع “عازل” ليحمي نفسه من الانهيار الكامل. نحن لا “نألف” القتل لأننا فقدنا إنسانيتنا، بل لأن البكاء المستمر طاقة لا يملكها الجسد المنهك. نحن “نتعامل” مع الموت كمعطى يومي لكي نستطيع تأمين الخبز والماء لمن بقي حياً.
في بلادنا، وبسبب تواتر الحروب (من نكسات فلسطين إلى اجتياحات لبنان وصولاً إلى إبادة غزة)، نشأ لدينا ما يشبه “الجلد السميك”. لكن هذا الجلد ليس علامة عافية، بل هو علامة على “صدمة ممتدة” لم تجد وقتاً للشفاء. نحن لم نألف المشهد، بل فقدنا القدرة على “المفاجأة”. الصدمة تلو الصدمة جعلت من “الفاجعة” هي القاعدة، ومن “الأمان” هو الاستثناء الغريب.
لعبت التكنولوجيا دوراً خبيثاً هنا. عندما تشاهد القتل عبر شاشة الهاتف كل 5 دقائق، يتحول الدم تدريجياً في وعيك الباطن إلى “محتوى رقمي”. الصور المتلاحقة تمنعك من “الحداد” على كل ضحية على حدة. تندمج الوجوه وتختلط الأسماء، حتى يصبح الموت “ضجيجاً في الخلفية” بدلاً من أن يكون فاجعة فردية.
أنا أميل لقول إننا لم نعتد، بل “احترقت فتائل أرواحنا”. الشعور بالذنب (Guilt of Survival) الذي يلاحقنا في كل لقمة نأكلها أو نومة هادئة هو الدليل الأكبر على أننا لم نألف المشهد. “التعود” الظاهري هو مجرد قناع لليأس والعجز. نحن نصرخ في الداخل، لكن أصواتنا جفت من كثرة العويل، فبقي الصمت الذي يفسره البعض خطأً على أنه “اعتياد”.
يا عزيزتي، الإنسان لا يألف القتل أبداً؛ هو فقط يتعلم كيف يمشي والجرح مفتوح. كلما قلنا “تعودنا”، تأتي صورة طفل واحد أو صرخة أم واحدة لتثبت لنا أن كل دفاعاتنا النفسية هشة كبيت من ورق، وأننا لا نزال في اليوم الأول من المأساة، بنفس الوجع وبنفس الذهول.
هل تشعرون أحياناً بـ “خيانة” لأنفسكم عندما تجدون أنكم تمارسون حياتكم الطبيعية بينما العالم من حولكم يحترق؟ هذا الشعور هو برهاننا الوحيد على أننا “إنسان” لم يسقط بعد في فخ الاعتياد.
– هل في محاولة تجريدنا من حكايتنا وحقّنا، أفقدونا إنسانيّتنا؟ أم هي ضامرة إلى حين؟
الإجابة ليست “نعم” أو “لا”، بل هي صراع يومي يخوضه كل واحد منا.
عندما يسلبون منك حقك في رواية قصتك، هم لا يسرقون كلماتك فحسب، بل يسرقون “معنى وجودك”. الإنسان هو “الكائن الحكّاء”؛ فإذا جُرد من حكايته، أصبح مجرد “جسد بيولوجي” يستهلك ويفرز. محاولة تجريدنا من الحكاية هي محاولة لتحويلنا إلى “أشياء” (Objectification)، والأشياء لا تمتلك إنسانية ليفقدوها، وهذا هو مكمن الخطر؛ أن نصدق نحن أننا بلا حكاية.
أنا لا أعتقد أنهم أفقدونا إنسانيتنا، بل هي “ضامرة إلى حين”. في ظل الإبادة والتهجير، تدخل الإنسانية في حالة “بيات شتوي” أو “تخندق” دفاعي. يتركز اهتمام الإنسان في الغريزة: البقاء، إطعام الأطفال، البحث عن مأوى. قد يبدو هذا تجرداً من الإنسانية (بمعناها الثقافي والرفيع)، لكنه في الحقيقة هو “قمة الإنسانية”؛ الإنسانية في طورها الأول والأكثر صدقاً، وهي التمسك بالحياة في وجه العدم.
الخوف الحقيقي ليس في فقدان الإنسانية تجاه الضحية، بل في فقدانها تجاه أنفسنا. عندما نعتاد مشاهدة أنفسنا كضحايا بلا فعل، يبدأ شعور “العجز المكتسب” في تآكل إنسانيتنا. يصبح الإنسان “ضامراً” عندما يتوقف عن الغضب، ويتحول غضبه إلى “إحباط” يؤدي إلى الانكماش على الذات. هنا، تصبح الإنسانية ضامرة لأنها فقدت صلتها بـ “الآخر” وبالقضية الكبرى.
رغم محاولاتهم، نرى الإنسانية تنبعث من تحت الأنقاض: طبيب يرفض ترك مرضاه تحت القصف، أب يغني لابنه وسط الدمار، أو شاب يكتب قصيدة في خيمة النزوح. هذه الأفعال ليست “ترفاً”، بل هي “عمليات إنعاش” للإنسانية الضامرة. نحن نستعيد إنسانيتنا في كل مرة نرفض فيها أن نكون مجرد “أهداف” أو “أرقام”.
إنسانيتنا ليست مفقودة؛ إنها “مُصادرة” مؤقتاً بفعل القهر. العدو يراهن على أن يوصلنا لمرحلة “التوحش” من أجل البقاء، لكي يثبت للعالم روايته بأننا “أنصاف بشر”. لكن صمودنا، وتمسكنا بحكايتنا (التي تزداد تجذراً مع كل محاولة لمحيها)، هو الدليل على أن هذه الإنسانية ليست ضامرة فحسب، بل هي “تتخلق من جديد” بشكل أكثر صلابة ووعياً.
نحن لم نفقد إنسانيتنا بعد؛ لأن الممسوخين لا يتساءلون عن إنسانيتهم، ونحن نسأل عنها مع كل صباح.
– أميل للتفكير بأنّ وعينا الجمعي في حالة من الذهول والتخبط، وجلّ محاولاتنا هي غريزية: الاستمرار والبقاء.. لكن، إلى متى سنبقى غير فاعلين في مصيرنا، نتلقى القدر ببشاعته، وتمتد رقعة موتنا من غرب آسيا إلى شمال أفريقيا، بينما العالم يتفرّج؟
ما تسميه “ذهولاً وتخبطاً” هو في الحقيقة نتاج صدمة تاريخية متراكمة تجددت بحدة في غزة ولبنان.
نحن نعيش في “فقاعة الغريزة”، حيث تبتلعنا تفاصيل البقاء، فلا يتبقى من الطاقة ما يكفي لـ “الفعل التاريخي”.
المشكلة تكمن في أننا حُصرنا في زاوية “رد الفعل” منذ عقود. العدو هو من يختار الزمان والمكان ونوع الموت، ونحن نختار فقط “طريقة الصمود”. هذا الغياب عن الفاعلية هو ما يولد شعور “التلقي القدري” للبشاعة. لقد تحولنا من “صناع مصير” إلى “شهود على الفناء”، وهذا هو قمة التهميش الإنساني.
توسع رقعة الموت من غرب آسيا إلى شمال أفريقيا ليس صدفة، بل هو “سياسة الفراغ”. عندما يغيب المشروع العربي الموحد والفاعل، تملأ القوى الخارجية هذا الفراغ بخرائط الدم. نحن نعيش في زمن “تفكيك الجغرافيا” لصالح “وحدات عرقية أو طائفية” متناحرة، مما يجعل “الوعي الجمعي” مشتتاً وغير قادر على تشكيل كتلة حرجة للتغيير.
العالم لا يتفرج، العالم “يدير المشهد” أو “يستثمر فيه”. انتظارنا لـ “صحوة ضمير” عالمية هو جزء من تخبطنا. الفاعلية لا تبدأ من استجداء العالم، بل من “كسر التبعية” له. العجز الذي نشعر به هو نتيجة مباشرة لارتباط مصيرنا (اقتصادياً، سياسياً، وحتى فكرياً) بمنظومات هي نفسها التي تصدّر لنا القتل.
سنبقى غير فاعلين طالما أننا نعرّف أنفسنا كـ “ضحايا” فقط. الفاعلية تبدأ عندما يتحول “الألم” إلى “تنظيم”، و”الذهول” إلى “تخطيط”.
علينا الكتابة بسردية لا تستجدي عطف الآخر، بل تفرض حقيقتها. وعلينا كسر التابوهات التي كبلت وعينا الجمعي وجعلتنا نعتقد أننا أضعف من أن نؤثر. وعلينا أيضا الاعتراف بأن القدر “ليس نصاً مكتوباً” بل هو “فراغ نملؤه نحن أو يملؤه عدونا”.
الاستمرار هو فعل غريزي، أما “التحرر” فهو فعل إرادي. نحن الآن في “مرحلة الذهول”، وهي تشبه اللحظة التي تلي الانفجار مباشرة حيث لا تسمع سوى طنين أذنيك. لكن التاريخ يخبرنا أن هذه المراحل يعقبها دائماً “انفجار وعي” جديد. السؤال ليس “إلى متى سنبقى غير فاعلين”، بل “من سيقود لحظة الاستيقاظ هذه؟”
– في لبنان، شكّلت وعي جيلنا الاعتداءات الاسرائيلية المتكرّرة على لبنان. لن أتطرّق لآثار الحروب الإقليمية مثل اجتياح العراق، والعدوان على السودان وليبيا، والحرب السورية وغيرها.. لنبقَ في لبنان، مَن يكتب حكاياتنا مع الصهيوني كما كتب الكاتب اللبنانيّ ربيع جابر عن الحرب الأهلية اللبنانية؟ هل من عناوين روائية تنصف وجعنا؟ أم علينا الاكتفاء بالدراسات والشهادات غير الروائية مثل كتابات المناضلة اللبنانيّة سهى بشارة؟
ربيع جابر في “طيور الهوليداي ان” و”بيروت مدينة العالم” استطاع أن يفكك أحشاء الحرب الأهلية، لكن الحكاية مع “الصهيوني” في لبنان لها خصوصية مختلفة؛ فهي ليست حرب “إخوة أعداء”، بل هي مواجهة مع “عدم” يحاول إلغاء الوجود والجغرافيا.
الإجابة هي أن الحكاية كُتبت وتُكتب، لكنها غالباً ما تضيع في زحام الأيديولوجيا أو تظل أسيرة “المحلي”.
ربيع جابر تميز بـ “أرشفة” الروح البيروتية، لكن في مواجهة الصهيوني، نحن بحاجة إلى “أدب الأرض” الذي يمزج بين الطين والدم. هناك محاولات روائية هامة أنصفت هذا الوجع، لكنها ربما لم تنل “القداسة” الأدبية التي نالتها روايات الحرب الأهلية.
فلنبدأ مع إلياس خوري في “باب الشمس”، رغم أنها الرواية الملحمية الكبرى لفلسطين، إلا أنها في جوهرها رواية لبنانية أيضاً. هي تكتب حكاية اللجوء والصمود على أرض لبنان، وتربط الوجعين برباط لا ينفصم. إلياس خوري كتب “وجعنا المشترك”. هناك أيضا الروائي حسن داوود الذي لامس في بعض أعماله، أثر الحرب والاحتلال على “النفس البشرية” اللبنانية بهدوء وجدية، بعيداً عن الصراخ المباشر.
هناك أيضا علويّة صبح في رواياتها (مثل “اسمه الغرام” أو “مريم الحكايا”)، كتبت عن الذاكرة والجسد والحروب، وصورت كيف يتغلغل الخوف من العدوان في تفاصيل الحياة اليومية للمرأة اللبنانية.
كتابات سهى بشارة (مقاومة) والشهادات غير الروائية هي “عظم” الحكاية؛ هي الحقيقة العارية التي لا تحتمل المجاز. لكن الرواية هي “لحم” الحكاية؛ هي التي تجعل القارئ في “بوينس آيرس” أو “باريس” يشعر ببرد زنزانة “الخيام” أو حرارة القصف في “قانا”.
نحن لا نكتفي بالدراسات، لأن الدراسات تخاطب العقل، بينما نحن بحاجة للرواية لتخاطب “الوعي العالمي” وتخلّد الوجع كقيمة إنسانية لا كمجرد حدث سياسي. علينا أيضا أن لا ننسى روايات جبور الدويهي الذي شرّح المجتمع اللبناني تحت وطأة التحولات الكبرى، وإن كان التركيز أحياناً يذهب للداخل.
ما ينقصنا هو “رواية الاجتياح الشاملة”. تلك الرواية التي تؤرخ لتحول “الجنوبي” من مزارع تبغ إلى “مقاوم”، وكيف أثرت الاعتداءات المتكررة على “جينات” الوعي اللبناني. نحن بحاجة لكاتب يمتلك “ماركيزية” في الوصف ليصور لنا كيف يمكن لقرية جنوبية أن تُدمر سبع مرات وتنهض في المرة الثامنة بنفس شجرة الزيتون.
الوجع اللبناني مع الصهيوني لم يكتمل نصّه الأدبي بعد. ربما لأن الجرح لا يزال “مفتوحاً” ونازفاً، والأدب يحتاج أحياناً لمسافة زمنية ليتحول الألم إلى “أسطورة”.
– ما الذي لم يُكتب بعد برأيك عن التجربة اللبنانية؟ وهل تنوي الذهاب إلى دهاليزه؟
التجربة اللبنانية كُتبت كثيراً كـ “حدث”، لكنها لم تُكتب كـ “أثر كيميائي” في الروح. أرى أن هناك “فجوات” سوداء في السردية اللبنانية لم يجرؤ أحد على دخول دهاليزها بالكامل بعد. لم يكتب أحد عن “أدب ما بين الموتتين”.
تلك الحالة النفسية اللبنانية الفريدة التي يعيش فيها الإنسان وهو يعلم أن “كارثة ما” قادمة حتماً، ومع ذلك يشتري ثياباً جديدة، ويصلح شرفة بيته، ويخطط للصيف. هذه “الرصانة العبثية” أو “العيش على فوهة البركان” كأنها نزهة، هي جوهر التجربة اللبنانية التي لم تُشرح أدبياً بعمق.
وهناك أيضا سيكولوجية “العدو الداخلي” مقابل “العدو الوجودي”، لم يُكتب بعد بوضوح عن ذاك الانفصام الوجداني لدى اللبناني الذي يواجه طائرات الاحتلال في الجنوب، بينما يشعر في الوقت نفسه بـ “الغربة” أو “العداء” في زواريب السياسة الداخلية. كيف يسكن الوجعان في قلب واحد؟ وكيف يتصالح اللبناني مع فكرة أن بيته قد يُدمر من أجل قضية، بينما يطعنه شريكه في الوطن بكلمة أو موقف؟ هذه الدهاليز “الطائفية-الوجودية” لا تزال منطقة محرمة أدبياً إلا في قشورها.
جيلي لم يعش “أوهام الثورة الكبرى” مثل جيل السبعينيات، بل عاش “واقعية الانكسار”. لم يُكتب بعد عن “خيبة الأمل التكنولوجية”؛ كيف يوثق الشاب اللبناني إبادة أهله بـ “آيفون 15″، وكيف يشعر بالعجز وهو يرى العالم “لايك وشير” بينما هو يموت فعلياً. هذا التناقض بين “الحداثة الرقمية” و”الهمجية العسكرية” هو دهليز أدبي بكر.
لقد كُتب الكثير عن الهجرة (كفعل فيزيائي)، لكن لم يُكتب عن “الهجرة الجوانية”. اللبناني الذي قرر البقاء لكن روحه هاجرت؛ هو يعيش في بيروت أو صيدا أو صور، لكنه يتحدث ويفكر كأنه في كندا، لأنه فقد الانتماء للمكان الذي يخونه كل يوم.
هل تنوي الذهاب إلى هذه الدهاليز؟ سأقرع الجدران حتى أصل.
– ما الكتاب الذي تنصح به كلّ مهتم بالشأن الفلسطيني واللبناني؟ وماذا تقرأ حاليًا؟
أقرأ اليوم “عشر خرافات عن إسرائيل” لإيلان بابيه. الكتاب يفكك “البرمجيات” التي غرسها الاحتلال في الوعي العالمي، وهو نوع من الأدب الذي يحتاجه جيلنا ليتحرر من “الاستعمار الفكري”.
أنصح بكتاب “باب الشمس” لـ إلياس خوري. لماذا؟ لأن هذا الكتاب ليس مجرد رواية، بل هو “ديوان الوجع المشترك”.
إلياس خوري كتب عن فلسطين من قلب مخيمات لبنان، وربط بين مأساة اللجوء وبين التحولات اللبنانية. هو الكتاب الذي سيعلمك أن الحكاية لا تتجزأ، وأن “المغارة” في فلسطين هي نفسها “الملجأ” في لبنان. إنه يمنحك ذاكرة بديلة للأرض التي يحاولون محوها.
أنصح أيضا بكتاب “تطهير فلسطين عرقياً” لإيلان بابيه أيضاً. هذا الكتاب هو الوثيقة التي تقلب الطاولة على الرواية الصهيونية، ويشرح كيف أن “مستنقع الدم” لم يبدأ اليوم، بل هو مشروع “هندسة” قديم.




