loading

هندسة الخراب: التدمير المأجور لقرى الجنوب

سليم اللوزي

ما يحدث اليوم في قرى قضاء بنت جبيل ومرجعيون، وفي أزقة “خربة سلم” و”القنطرة” و”الطيبة”، ليس نتاجاً عرضياً لتبادل النيران أو “أضراراً جانبية” لمعارك برية، بل هو تنفيذ دقيق لعملية “إبادة مكانية” (Domicide) ممنهجة. إن الانفجارات التي تمسح أحياءً كاملة عن الخارطة هي ترجمة ميدانية لقرار سياسي وعسكري يسعى لتحويل الجغرافيا اللبنانية إلى “فراغ أمني” غير قابل للحياة، ومحو الذاكرة الاجتماعية والسياسية لسكان الأرض.

تتجاوز أهداف هذا التدمير فكرة الانتقام اللحظي لتصب في استراتيجية عسكرية أخبث، وهي خلق “مجال حيوي مفرغ” (Buffer Zone Strategy). لا تسعى إسرائيل من خلال مسح القرى إلى الاحتلال العسكري المباشر فحسب، بل إلى جعل منطقة جنوب الليطاني بيئة غير صالحة للاستيطان البشري.

إن تعمد تدمير آبار المياه، ومحطات تحويل الكهرباء، وشبكات الطرق الحيوية، وتفجير المعالم التاريخية للقرى، يهدف إلى قطع “شريان الحياة” عن هذه الأرض. هذا النوع من “الهندسة الجغرافية” يسعى لخلق واقع لا يمكن فيه للسكان العودة حتى لو توقفت المدافع؛ إذ كيف يعود المزارع إلى أرضٍ بلا بئر، وكيف تسكن العائلة في ركام يفتقر لأدنى مقومات البقاء؟ إنها محاولة لفرض “نزوح دائم” عبر تحويل الموطن إلى صحراء من الإسمنت والغبار، مما يجعل العودة مجرد مشروع مستحيل تقنياً ومعيشياً.

يأتي هذا الجنون التدميري كغطاء مباشر على الإخفاق الميداني؛ فبعد فشل الرهان الإسرائيلي في انتزاع سلاح المقاومة أو كسر إرادة القتال ميدانياً، لجأ الاحتلال إلى استراتيجية البديل: “تدمير الذاكرة للتعويض عن الهزيمة المادية”. إن عجز الجيش الإسرائيلي عن تحقيق صورة “نصر حاسم” ضد المقاومة دفعه للبحث عن نصر استعراضي ضد الحجر، محاولاً إيهام جمهوره الداخلي بأنه خلق “واقعاً جديداً” عبر مسح القرى وتفخيخ التاريخ.

لم تعد إسرائيل تكتفي بالقصف الجوي البعيد، بل انتقلت إلى مرحلة “الهدم الهندسي” المخطط له بدم بارد. وقد كشفت تقارير صحيفة “هآرتس” العبرية عن واقع صادم يتجاوز كل أعراف الحروب؛ حيث كشفت أن الجيش الإسرائيلي يستعين بمقاولين مدنيين وشركات هدم خاصة لنسف المنازل اللبنانية. هذه العملية، التي تُعرف في أروقة العدو بـ “تطهير المنطقة”، تُدار بعقلية تجارية بحتة؛ حيث يتم دفع الأجور للمقاولين بناءً على عدد المباني التي يتم تسويتها بالأرض. هذا “البيزنس الإجرامي” يحول تدمير “شقى عمر” اللبنانيين إلى صفقات مالية، في مشهد يمثل ذروة الانحدار الأخلاقي والعسكري.

المثير للريبة والوجع معاً هو أن إسرائيل تتحرك في بعض مفاصل هذا الدمار تحت غطاء لبناني رسمي “غير مباشر”، حيث تتوغل في المناطق التي شهدت انسحاب الجيش اللبناني بقرار حكومي وتنسيق سياسي مشبوه، مما ترك القرى لقمة صائغة لفرق الهندسة الإسرائيلية. هذا المسار يعيدنا إلى “عقيدة الضاحية” التي صاغها “غادي أيزنكوت”، والتي تشرعن استخدام “القوة غير المتناسبة” ضد البيئة المدنية. واليوم، يعترف القادة الميدانيون في جيش الاحتلال بأنهم يطبقون “نموذج غزة” بحذافيره في الجنوب؛ والهدف ليس استهداف منصة صواريخ، بل استهداف “فكرة العودة”. إنهم يزرعون مئات الأطنان من المتفجرات لإحداث هزات أرضية تجعل إعادة الإعمار مهمة مستحيلة تقنياً ومالياً.

بعيداً عن اللغة المجازية، فإن خسارة المنزل في الجنوب هي خسارة للوجود الفعلي. عندما يشاهد مواطن سبعيني عبر شاشة هاتفه لحظة تفجير منزله بضغطة زر من جندي “يحتفل” بالانفجار، هو لا يشاهد سقوط جدران إسمنتية، بل يشاهد محواً كاملاً لسجل حياته. المنزل في هذه القرى هو “مخزن الهوية”؛ هو العتبة التي سجلت خطوات الأجيال، والزوايا التي ضمت صور الأجداد. إن “الحقد العقائدي” الذي يحرك هذه العمليات يظهر في “سادية التفجير”؛ حيث تُهدم المنازل التي لم تُطلق منها رصاصة واحدة، لمجرد أنها تقع في مدى رؤية المستوطنات، في محاولة لإجبار الناس على “الاستقالة القسرية” من جغرافيتهم وتاريخهم.

تتحمل قيادة الاحتلال المسؤولية القانونية الكاملة عن هذه الجرائم التي تصنف كجرائم حرب. استهداف المسعفين، وقتل الجنود اللبنانيين في مراكزهم بدم بارد، وتفجير المساجد والكنائس، ليست حوادث معزولة، بل هي “بصمة إجرامية” لسياسة الأرض المحروقة. يقول الكاتب الإسرائيلي جدعون ليفي إن هذا التدمير هو “فعل غريزي للانتقام” يعبر عن إحباط عسكري، لكن التوصيف الأدق هو أنه “إرهاب بنيوي” يسعى لتغيير ديموغرافي وجغرافي غصباً.

إن ما يتركه هذا الدمار الممنهج في نفوس الجنوبيين يتجاوز مفهوم “الحزن”؛ إنه يُحدث “صدمة اقتلاع الجذور”. فحين يرى الإنسان ركام منزله، يشعر بانتهاك لخصوصيته وتاريخه، وهو ما يولد غضباً بنيوياً لا يهدأ بمجرد انتهاء المعارك. هذا الغضب ليس انفعالاً مؤقتاً، بل هو تحول عميق في الشخصية الجمعية، حيث يتحول “البيت المهدم” إلى “محرك للصمود” ورفض قاطع للاستسلام للواقع الذي يريد العدو فرضه.

إن الرهان الإسرائيلي على أن “تحطيم الجدران سيؤدي لتحطيم الإرادة” هو خطأ سيكولوجي فادح؛ فالإنسان الذي لم يتبقَ له ما يخسره سوى غضبه، يصبح أكثر تمسكاً بالأرض كفعل انتقامي ضد محاولات إلغائه. لقد تحولت “الحسرة” في الجنوب إلى “إصرار بارد” وواقعي؛ إصرار يدرك أن كل حجر سقط قد ترك مكانه فراغاً لن يملأه إلا العودة. في نهاية المطاف، قد ينجح العدو في تسوية البيوت بالأرض، لكنه بفعلته هذه، زرع في وعي كل صاحب دار “عقيدة مضادة” لا ترى في الركام نهايةً، بل تراه دافعاً وجودياً للاستمرار والمواجهة حتى استعادة آخر شبر من تلك العتبات المذبوحة.

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة


جميع حقوق النشر محفوظة - بالغراف © 2025

الرئيسيةقصةجريدةتلفزيوناذاعةحكي مدني