هيئة التحرير
بين يدي فتحية شوكت، لا تبدو قطعة خشب الزيتون مجرد مادة صلبة اقتُطعت من شجرة. في عروقها حكاية، وفي كل طية او حبكة من الخشب محاولة لمنح الخشب، معنى وغرض.
جاءت فتحية من محافظة سلفيت شمال الضفة الغربية المحتلة، إلى معرض “أيادٍ خالدة: حوار بين التراث والتصميم” المنظم من قبل اليونسكو بدعم مالي من الاتحاد الأوروبي”، تحمل معها خبرة في خشب الزيتون وصناعة الأدوات المنزلية من اخشابه؛ خبرة يمكن أن تتحول بين يديها مرة إلى قطعة أثاث، ومرة إلى سلة خشبية، وأخرى إلى إناء يحتفظ بخشونة الشجرة وملامحها، لكنه يجد لنفسه مكاناً في بيت معاصر.
بالنسبة إلى شوكت، لم تكن المشاركة مجرد فرصة لعرض ما تصنعه. تقول إن القائمين على المشروع رافقوا الحرفيين بالإرشاد والدعم المادي، وأن المتابعة لم تتوقف بمجرد انتهاء العمل، بل استمرت بعد الإنجاز في محاولة لضمان نجاح المشاريع واستمرارها.
وهنا القيمة الحقيقية للمعرض، حيث اجتمعت في مركز بلدنا الثقافي، ست حرف فلسطينية تقليدية تحت سقف واحد: نفخ الزجاج، والفخار، ونحت خشب الزيتون، وتطعيم الصدف، والنسيج على النول بنوعيه المجدلاوي والبلدي، وحياكة الخيزران والقصب”، وهي حِرف اختارها المشروع باعتبارها تواجه مخاطر تهدد استمرارها وانتقال معارفها إلى الأجيال المقبلة.
لكن الخطر هنا لا يعني اختفاء المنتج وحده، فإذا توقف آخر حرفي عن نفخ الزجاج، لا تختفي آنية زجاجية فحسب؛ بل تختفي معه معرفة النار ودرجات الحرارة وحركة النفس وتوقيت اليد، وإذا توقف النول، لا نفقد قطعة قماش فقط؛ بل نفقد الطريقة التي عرف بها أناس، على امتداد أجيال، كيف يحولون الخيط إلى شكل وهوية وذاكرة، كما يرى رئيس قسم التعاون في مكتب ممثل الاتحاد الأوروبي في الضفة الغربية وقطاع غزة ماريو جوزيبي فارنتي.
ويقول ممثل منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو” في فلسطين ومدير مكتبها في رام الله، كريم هنديلي: هذه إحدى المشكلات التي انطلق منها المشروع؛ فالمنتجات التقليدية فقدت في حالات كثيرة جزءًا من قيمتها الاقتصادية مع تغير أذواق الناس وأنماط الاستهلاك، فيما لا يكفي الاستمرار في إنتاج القطعة نفسها بالطريقة نفسها لضمان بقاء المهنة، لذلك اتجه المشروع إلى معادلة مختلفة: الاحتفاظ بالمهارة وتغيير المنتج، أن يبقى نفخ الزجاج نفخًا للزجاج، لكن ليس ضروريًا أن تكون نتيجته القطعة نفسها التي صُنعت قبل خمسين عامًا.
ويشير هنديلي إلى أن تقنيات النسيج والصوف والقصب حية، لكنها تدخل في منتجات جديدة تستطيع المنافسة والوصول إلى مشترين جدد، ولهذا لم يقتصر العمل على التصميم، بل شمل أيضًا التدريب على التسويق واستخدام التكنولوجيا والوصول إلى الأسواق الافتراضية والاقتصاد الرقمي.
فأغصان الزيتون المعروفة محليًا باسم “القرطلي”، والتي استخدمها الفلسطيني قديمًا لصناعة سلال يحمل بها العنب والتين والزيتون والبيض، عادت في المشروع بشكل آخر، فلم تعد سلة للحقل فقط، بل تحولت إلى وحدات إضاءة معلقة وأرضية، وطاولات وفازات، بعد دمج الأغصان بخشب الزيتون، المادة نفسها، والذاكرة نفسها، لكن الوظيفة تغيرت.
وهو المنطق ذاته الذي تتحدث عنه فتحية شوكت في تجربتها مع خشب الزيتون: الحرفي لا يُطلب منه التخلي عن مهنته، وإنما أن يرى إمكانات جديدة داخل المادة التي عرفها طوال حياته.
المشروع لم يضع الحرفي في غرفة، والمصمم في غرفة أخرى، وإنما حاول الجمع بين عالميهما؛ الأول يعرف المادة بيده، والثاني يبحث عن شكل ووظيفة جديدين لها.
صممت دانا إدريس، بالعمل مع نوال عامر، أربع قطع أزياء تقوم على فكرة العروس الفلسطينية، لكنهما أدخلتا الزجاج المنفوخ في تصميم الملابس، واستلهمت التصاميم من شكل الشرنقة والفراشة، في محاولة لمنح الحرفة القديمة خطاباً بصرياً لم تعتد عليه.
ضم المشروع 24 حرفيًا و43 مصممًا وسبع جمعيات ومؤسسة أكاديمية واحدة، من خلال 27 مشروعًا في 13 مدينة وقرية فلسطيني، و ما يراه الزائر في البيرة هو النتيجة المرئية لمسار أطول بدأ بالبحث في واقع الحرف وسلاسل القيمة والتحديات التي تواجهها، ثم توثيقها ودعم الحرفيين والجمعيات ماليًا وتقنيًا، وصولًا إلى تطوير المنتجات وعرضها.
كما دخلت جامعة بيرزيت في التجربة من بوابة التصميم، وشارك طلبة وطالبات في تطوير قطع تراثية لتصبح قابلة للاستخدام اليومي، فيما يجري الحديث عن توسيع التدريب المهني بالتعاون مع جهات رسمية وتعليمية.




