سليم اللوزي
في أواخر ستينيات القرن الماضي، وتحديداً في أعقاب اضطرابات “مايو 1968” في فرنسا، خرج جيل من المفكرين والفلاسفة الذين أعلنوا تمردهم على الأنظمة التقليدية والسلطة المركزية.
من رحم هذه المرحلة، برزت أسماء مثل جيل دولوز وفيليكس غواتاري، اللذين سعيا إلى تفكيك الهياكل الجامدة وبناء ما أسموه بـ “الفلسفة التعددية”. ولكن، وبعد عقود من الزمن، شهدنا مفارقة تاريخية وتناقضاً فكرياً مذهلاً: كيف تحولت أفكار الفلاسفة الفرنسيين التي وُجدت في الأصل للتمرد على الرأسمالية والدفاع عن المهمشين، إلى “كتالوج” تستخدمه المؤسسات العسكرية للسيطرة واحتلال المدن؟ إننا أمام ظاهرة يمكن تسميتها بـ “التجميل النظري”؛ أي استخدام اللغة الفلسفية لتبرير العنف وتجميل ممارسات الاحتلال.
في كتابهما الشهير ألف هضبة (A Thousand Plateaus)، ميز دولوز وغواتاري بين المساحات “المخططة” (Striated) والمساحات “الملساء” (Smooth). المساحات المخططة هي تلك التي تفرضها الدولة وتتحكم في حدودها مثل الطرقات والحواجز، بينما المساحات الملساء هي مساحات حرة ومفتوحة تتجاوز الحدود. لقد التقط الاستراتيجيون العسكريون الإسرائيليون، وعلى رأسهم العميد المتقاعد شيمون نافي (من معهد أبحاث النظرية العملياتية OTRI)، هذا المفهوم وأعادوا توظيفه ميدانياً.
إن هذا التوظيف يعني على الأرض التخلي عن الشوارع والاعتماد على اختراق جدران المنازل والتحرك من بيت إلى آخر، كما حدث في نابلس عام 2002. الأثر الإنساني هنا يتجاوز التكتيك العسكري؛ فالجدار الذي يمثل الأمان والخصوصية للعائلة، أصبح هو نفسه الباب الذي يدخل منه العدو. لقد تم تفكيك المفهوم الأكاديمي للتحرر، واستخدامه لتحويل البيئة المدنية إلى شبكة مفتوحة للسيطرة.
لا يقتصر التوظيف العسكري للنظرية عند التنقل بين الجدران، بل يمتد إلى كيفية قراءة “الفضاء” بحد ذاته. ففي كتابات دولوز وغواتاري، يُنظر إلى الفضاء على أنه شبكة من العلاقات المتعددة والمتحركة، وليس مجرد مساحة جغرافية صلبة أو ثابتة. وقد استفادت العقيدة العسكرية من هذا المنظور لتفكيك المجتمعات في المدن والمخيمات والأحياء القديمة.
بدلاً من التعامل مع المدينة ككتلة واحدة (كما تفعل الجيوش الكلاسيكية)، يتعامل المخططون العسكريون معها كشبكة جذمورية يجب قطع الاتصال بين نقاطها (Nodes). إن هذا التحول في التفكير يحول الشارع من مساحة للتواصل الاجتماعي والإنساني إلى مساحة للسيطرة الأمنية، ويجعل من الجغرافيا أداة للتفكيك والتحكم.
في فلسفة دولوز، تعبر “آلة الحرب” (War Machine) عن قوة المقاومة الشعبية أو المجموعات اللامركزية التي تتحرك وتتجاوز جمود الدولة وقواعدها الصارمة. إنها آلة تعبر عن حيوية الإنسان الحر الذي يقاوم الهيمنة.
لكن في غرف التخطيط العسكري الإسرائيلي، حدث تشويه متعمد لهذا المصطلح؛ حيث تحولت “آلة الحرب” من أداة للمقاومة الشعبية إلى عقيدة هجومية للجيش. أصبح المطلوب هو التخلي عن الرتابة العسكرية التقليدية، والتحول إلى قوة مرنة وسريعة وغير متوقعة لاختراق المجتمعات المدنية. ويعترف شيمون نافي نفسه بأنهم لا يأخذون من النظرية سوى “الجانب التدميري”، متجردين من أي أبعاد أخلاقية أو اشتراكية كانت تحملها الفلسفة.
إن ما يقوم به معهد الأبحاث النظرية العملياتية (OTRI) يشبه عملية “هندسة عكسية” للأفكار الفلسفية. حيث يتم أولاً نزع المحتوى التحرري ومفهوم “التعددية” التقدمي الذي كان يهدف إلى تحرير الإنسان من هيمنة الدولة والأنظمة القمعية.
ثانياً، يُعاد توظيف المفهوم كأداة هندسية بحتة تهدف إلى إدارة الفوضى والتحكم في حركة الأفراد داخل بيئات معقدة. في المقابل، نجد أن حركات التحرر والمجموعات القاعدية تستخدم نفس هذا الهيكل (الشبكي اللامركزي) لمقاومة الهيمنة وبناء بدائل ذاتية تعتمد على التضامن والمبادرات الشعبية.
إن استخدام نصوص ما بعد الحداثة لتبرير الاحتلال يطرح تساؤلات كبرى حول مسؤولية المثقف. فبينما كان دولوز يكتب في السبعينيات مدافعاً عن حقوق الفلسطينيين، واصفاً إياهم بأنهم “مهجرون أُخرجوا من أرضهم لتفريغ الإقليم”، نرى اليوم كيف تُستغل نصوصه لخدمة المشروع الكولونيالي.
يؤكد فصل دراسي حول نظرية ما بعد الحداثة أن الفلسفة بطبيعتها “أداة لمضاعفة الفهم ومعارضة القوى المهيمنة”. لذلك، فإن استخدام هذه الفلسفة من قِبل معاهد الأبحاث العسكرية هو قراءة انتقائية وموجهة تفرغ النص من مضمونه الإنساني وتحوله إلى مجرد أداة هندسية.
إن فهم تعاطي المؤسسة العسكرية مع الفلسفة ليس مجرد ترف فكري أو قراءة أكاديمية معزولة، بل هو إدراك لطبيعة هذا الكيان الذي يعيش في حالة حرب ممتدة. إنهم يتعاملون مع الفلسفة، ومع المنجز الإنساني برمته، كأداة عملية لتطوير أدائهم العسكري وتحسين فهمهم للعلوم الأمنية. هذا السلوك ليس استثناءً، بل هو امتداد طبيعي للسلوك الإبادوي والاستعماري الذي يستهدف الشعوب العربية، ويسعى لتطويع العلوم والتكنولوجيا والفلسفة لخدمة أهداف توسعية، وتحقيق أطماع “إسرائيل الكبرى” لتكون وكيلاً حصرياً للمصالح الإمبريالية.
إن هذا الكيان ينظر إلى ساحات المعارك والمجتمعات المحيطة به كساحة مفتوحة لتطبيق أحدث منجزات الفن العسكري القائم على العنف. وتتجذر هذه الرؤية في الصورة الذهنية الصهيونية التي تستحضر نموذج “الممالك الصليبية” ومشروعها الاستيطاني القائم على العزلة والصدام. وقد ظهر هذا الوعي جلياً ومستبطناً منذ الموجات الأولى للهجرة الصهيونية، وانعكس بوضوح في أسماء المنظمات المبكرة مثل منظمة “الحارس” (Hashomer) ومنظمة “بار جيورا” (Bar-Giora)، التي اتخذت من شعار “بالدم والنار سقطت يهودا، وبالدم والنار ستنهض” عقيدةً راسخة لها.
إن الوعي بهذه التركيبة هو الخطوة الأولى والأساسية على طريق تفكيك المشروع الصهيوني وهزيمته. فالفلسفة هي سلاح ذو حدين: إنها في جوهرها فكر نظري مبني على الاستقراء، وفكر نقدي كاشف للتناقضات بين النظرية والتطبيق. ومن خلال هذا الوعي النقدي، يمكننا كشف زيف “التجميل النظري” الذي يحاول إخفاء العنف الاستعماري خلف واجهة الحداثة، وتحويل الفلسفة من أداة للقمع إلى أداة للمقاومة والتحرر.




