loading

“الذكاء المُصنّع” نقاش المفهوم واستخداماته من منظور نفسي – اجتماعي

بسام عورتاني

من أهم القضايا التي تُشغل العالم اليوم موضوع الذكاء الاصطناعي، الذي دخل حيز التسويق في طرح نسخة من ChatGBT  في عام 2022،حيث تم الترويج له على أنه أداة قادرة على محاكاة العالم، أداة ذكية تستطيع أن تقدم المساعدة وتستطيع أن تقوم بمهام إنسانية مثل التفسير المنطقي، التحليل، التنظيم، الهيكلة، التكميم، التعمق.. كل هذه العمليات الذهنية التي يستخدها العقل البشري. حيث تم استلهام النموذج هذا من خلال الدراسات العلمية في مجال علم النفس بتخصصاته وعلم الأعصاب، وعلم الاجتماع، والانثروبولوجيا.  

بدا من خلال السياق التاريخي للتطور، أن المخابر العلمية تعمل بشكل مستمر في محاكاة الإنسان والطبيعة وباقي المخلوقات، تستلهم منها نماذج فكرية وأطر نظرية عبر التدقيق والتعمق في وظائفها. ولا شك أن معظم المُنتجات العلمية مرتبطة إرتباطًا وثيقًا بحياة الإنسان الاجتماعية والنماذج الثقافية والإنتاجية التي تطورت عبر السنين.

 حيث استلهم الانسان العديد من منتجاته من خلال محاكاة الطبيعة والكائنات والحيوانات والطيور. وهذا ما نشهده في تطور وسائل النقل البرية والبحرية والجوية على سبيل المثال. وفي هذا الإطار يأتي السؤال حول: كيف يمكن محاكاة ذكاء الإنسان وإخضاعه لنموذج رقمي مرمز يتحول إلى تقنية صالحة للاستخدام العام؟ 

ومن أجل ذلك تم الاستعانة بنموذج العقل البشري في عملية التعلم والتفسير والتحليل والبناء المعرفي والترابط المنطقي، وعلاقة ذلك بالنظام العصبي. ولكن السؤال كيف لهذه المنظومة التقنية (الخوارزميات) أن تشتغل؟ بعد أن تم بناء المخطط المنطقي لعمليات التحليل والتفكير والتفسير، أصبح هناك تحديًا حقيقيًا في عملية تجريب هذا الذكاء الآلي المنسوخ. 

المحاكاة نموذج فكري إنساني فطري

ومن أجل فهم كيف يعمل هذا الذكاء المصنع، يجب أن نُطل على تاريخ التطور التكنولوجي منذ إنتاج أول جهاز سمي بالحاسوب (الكمبيوتر) والذي غيّر مسار المجتمعات بشكل جذري ومباشر،  والذي يعتبر بمثابة العقل المنسوخ فيما بعد، وتلا ذلك بناء شبكة الانترنت/الشبكة العنكبوتية لنقل البيانات، والتي تعتبر بمثابة الجهاز العصبي وتشبيكاته.

 ومن ثم بيع تلك المنتجات للسوق العالمي (بداية تشكل العالم الافتراضي/ المجتمع الافتراضي)  آنذاك أصبح نقاش مفهوم العولمة والمجتمع الحداثي، واقتصاد المعرفة مفاهيم مطروحة بقوة، نتيجة هذا الاختراع البشري الجديد، والذي حول وجهة البشرية إلى مرحلة جديدة من حيث سرعة الاتصال والتواصل، تخزين البيانات إلكترونياً وبناء ملفات شخصية وعامة حول كل شيء في العالم.

 وهذا أنتج الذاكرة الكلية للعالم وهي مراكز البيانات الكبرى التي تم إنشائها لتخزين كافة البيانات المحصودة. 

تم ربط المكتبات والإنتاج العلمي بها، وأصبحت كافة بيانات الشركات والمواقع الإخبارية وغيرها تُخزن على مساحات التخزين المخصصة. ومن ثم تم تصنيع الغيمة المعلوماتية لكي تستطيع أن تحمل أعدادًا هائلة من المعلومات.

 وبعد مرحلة الإنترنت (وهي مرحلة اللبنة الأساسية في بناء العالم الافتراضي/الموازي) وبتصميم مواقع البحث العامة، والمواقع الالكترونية، إنتقل التطور إلى بناء فضاءات إفتراضية إجتماعية، أي مواقع تواصل إجتماعي تسمح للأفراد والمؤسسات بنشر معلوماتها وبماذا تفكر وما يزعجها وما حدث معها وكل تفاعلاتها اليومية لتكون فاعلة في المجتمع الافتراضي الجديد. 

 وحدثت ثورة في تسارع وتيرة إنتاج منصات تفاعل اجتماعي على مستوى العالم، فأصبحت الدول تسعى لدعم منصات لتنافس في سوق المنصات العالمية لتستقطب أعداد كبيرة من المستخدمين والذين هم بمثابة بيانات حية قابلة للترميز، وإنقسمت المنصات إلى منصات إجتماعية، منصات متخصصة، منصات إعلامية وإعلانية، منصات سياسية، إقتصادية، منصات الألعاب الافتراضية (3d، 5d، 7d). 

بعد مضي أكثر من 15 عام على اشتغال مثل هذه المنصات ومشتقاتها المهنية والترفيهية وغيرها، بتقنياتها المرئية والمسموعة والمكتوبة، التي واكبت أدوات التعبير الطبيعية لدى الإنسان. (الإنسان بالوضع الطبيعي يبني معرفة عن العالم من خلال الصورة، الصوت، التجربة، ويعبر عن ذاته بالكلام/الصوت، الكتابة والرسم، وبالصورة /فيديو). وهذه العملية تم نسخها من خلال إنتاج منصات تركز عليها جميعها أو على واحدة منها ومن ثم إضافة أداة تعبير أخرى وهكذا. 

بعد كل هذه المعلومات والبيانات التي تم تخزينها من خلال كافة الحركات على تلك المواقع، وبعد أرشفة كافة البيانات العلمية والتقنية والعامية، أصبح لدى الشركات المتنفذه في العالم رصيدًا معرفيًا غير محدود من البيانات والتي تمكنهم من فهم العالم وفهم تصوراته عن كل شيء. فعندما نشارك العالم على منصات التواصل همومنا، وأجزاننا وأفراحنا، ومواقفنا هذه البيانات تشكل مادة خام لفهم طريقة التفكير، ومنطق التفكير العامي والعلمي بالوقت نفسه.

 فمثلاً: تم إضافة أيقونات/رموز تعبر عن الحالة النفسية والمزاجية للفرد والتي تم تعزيزها في العديد من المواقع وكانت بدايتها منصة الفيسبوك، هذه الرموز بمثابة بيانات للمزاج الفردي ومن ثم نستطيع فهم المزاج العام منها. 

ومن هنا بدأ تطوير خوارزمية تستطيع قراءة هذه البيانات وتحليلها، بحيث تفهم الترابط المنطقي بينها، فأصبح من يملك تلك البيانات قادر على تحديد طريقة تفكير الانسان الهندي بالنظام الغذائي على سبيل المثال مقارنة بالإنسان الأمريكي، وبالإنسان الأفريقي. 

بل وأكثر من ذلك أصبح لديهم قدرة على فهم الفروقات الفردية داخل الدول نفسها، وفهم الاهتمامات أيضًا. لكل هذا جعلهم قادرين على فهم المنطق المعرفي الذي يدور به العقل الإنساني الراهن طيلة عشرات السنوات. وجعلهم أيضًا قادرين على فهم المخيال الاجتماعي والمركب النفسي لتلك المجتمعات. 

وعلى ما سبق نستطيع أن نعيد النظر من ناحية نفسية – إجتماعية بأن ما أطلق عليه اسم “الذكاء الاصطناعي” هو ترجمة حرفية لكلمة Artificial Intelligence   ولكن السؤال هنا هل يمكن أن يكون الذكاء إصطناعي أي غير حقيقي بالمعنى اللغوي؟ فعندما نقول اصطنع الشيء أي تخيله، وهذا لا يعكس المعنى الحقيقي للمنظومة التقنية التي تم بناؤها عبر عشرات السنوات. لأن أساس فكرة الذكاء “الاصطناعي” منطلقة من فكرة المحاكاة مع ذكاء الإنسان، بعد محاكاة جسده،  أي نسخ الذكاء الإنساني وإخراجه على شكل تقنية يمكن التحكم بها ومن ثم تعميمها على العالم.

 ولكن منذ المحاولات الأولى لنقاش فكرة محاكاة ذكاء الإنسان والتي بدأت منذ عام 1956 في مؤتمر دارتموث The Dartmouth Conference Definition، حيث اجتمع مجموعة من الباحثين في كلية دارتموث لعقد مؤتمر دارتموث البارز، مما أسهم في ولادة الذكاء الاصطناعي كميدان. حددوا الذكاء الاصطناعي على أنه “محاكاة أي جانب من جوانب الذكاء البشري أو التعلم. وقد وضع هذا التعريف الأساس لبحوث الذكاء الاصطناعي المبكرة، مع التركيز على هدف تقليد قدرات الإدراك البشري، إلى جانب كيف يمكن لهذا الذكاء أن يقوم بحل المشاكل الانسانية. 

أسماء وصورة الباحثين الأوائل في ورشة عمل الذكاء الاصطناعي في دارتموث عام 1956

في تلك الحقبة لم تكن التقنية قادرة على معالجة البيانات بشكل متقدم، ولم يكن هناك حجم بيانات كبيرة أساسًا، بالتالي جاز أن يطلق عليه ذكاء اصطناعي آنذاك، لأنه محاول تقليدية، ولكن بعد التطورات الجذرية التي أشرنا لها من تطور الحاسوب والشبكة العنكبوتية، والمواقع والمنصات الاجتماعية، نستطيع أن نفترض بأن التقنية هذه أصبح قريبة جدًا جدًا من الذكاء الإنساني، وهنا يصبح هذا الذكاء منسوخ وليس اصطناعيًا. 

وهنا يجدر بنا نقاش معنى الذكاء بالمعنى النفسي الاجتماعي، فهو يكتسب صبغة إيجابية بل نقطة قوة لدى من يملكها على حد التعبير العامي وما هو سائد. كأن نصف فلان بأنه ذكي. ولكن الذكاء هو طريقة تفكير تتطلب مهارة التحليل المنطقي والاستجابة الدقيقة سواءً على مستوى معالجة البيانات أو على مستوى التفاعل الانساني. 

فليس كل العقول التي تشتغل بالعلم النظري تتشابه مع العقول التي تشتغل بالمهن أو بالحرف من ناحية طريقة التفكير المنطقية والترابط، وليس كل الأفراد متساوون بقدراتهم العلائقية (بناء العلاقات الاجتماعية). وهذه الفروقات لم تكن مدركه إلا للباحثين والدارسين، وهذا ما يجعل نقاشنا هنا مرتبط بسؤال مركزي كيف تم بناء مجتمع إفتراضي يجمع الفروقات الذهنية ولا سيما أن الذكاء نسبي؟ 

وتجدر الملاحظة هنا إلى إقتراح الرياضي وعالم الحاسوب آلان تورينج (Turing Test Definition) اختبارًا عمليًا لتحديد ذكاء الآلة في عام 1950. وهو يعتبر أن الآلة ذكية عندما تكون إستجابتها لا تتميز عن إستجابة الانسان خلال المحادثات اللغة العامية. وهذا يتيح لنا فهم وتفسير ما معنى ذكاء إذا ما اقترن بالتقنية. ولعل هذا التعريف يؤكد أن الذكاء كتقنية ليس اصطناعيًا وإنما هو نسخة من الذكاء الإنساني الحقيقي، ولكنه محكوم بآلة وبشبكة تقنية معقده وخاضع للسيطرة بكبسة زر. 

على ما سبق أفترض أن التسمية الملائمة اليوم هي “الذكاء المنسوخ” بعد أن تم استكمال تصنيع البنية التحتية للذكاء الانساني (العقل، شبكة الأعصاب، الذاكرة)، وتم بناء منظومة تقنية قادرة على فهم الخيال الانساني بحدود ما أنتج ومارس ونشر على كافة المنصات الالكترونية.

 هذه البرامج هي عبارة عن أدوات قادرة على التخيل ضمن سقف حجم البيانات المُدرجة داخلها. ولكنها منزوعة القيم والحواس كمصادر للمعرفة المباشرة عبر التجربة الحسية.

 وهذا ما يتم العمل عليه حاليًا. ولعلنا نطرح سؤالًا إشكاليًا حول آلية تعلم الذكاء المنسوخ من خلال استخدام الأفراد اليوم، فتعلمه مرتبط ارتباطًا وثيقًا بكيفية طرح الأسئلة. وهذا ما يشكل تحديًا حقيقيًا أمام المستخدمين اليوم في الدول العربية ومنها فلسطين. 

استكمال نسخ الإنسان في العالم الموازي/ الافتراضي وسؤال القيمة

بما أنه تم استلهام الذكاء (الاطار الفكري والعقلي للانسان منذ نشأة فكرة التقنية إلى اليوم)  وفهم آلية اشتغاله، ومن ثم تم نسخه كبرمجيات إلكترونية تحاكي عمليات التفكير المنطقي لدى الإنسان. إذن نحن هنا بصدد محاولة لفصل الذكاء الإنساني عن الإنسان وتشييئه وإخضاعه لعمليات التعديل التقني ومن ثم إعادة تشكيله ليكون منتجًا جديدًا للأسواق العالمية. حيث إن النظام العالمي قام بتصنيع الجسد، فأنتج الأطراف، والقلب الاصطناعي، ومحاولات لصناعة الدماغ، وكافة الاعضاء، ومن ثم زراعتها. كل هذه العمليات تندرج في إطار التطور العلمي والتقني من جهة ومن جهة أخرى مرتطبة ارتباطًا وثيقًا بمفهوم الهيمنة على العالم من خلال تشييء الإنسان بكله.

يأتي ما يسمى “الذكاء المنسوخ” على شكل تطبيقات الكترونية تتيح لكافة سكان الأرض التعرف على ذكاء الإنسانية المكثف والمضغوط والعميق والاستفادة منه في حل الكثير من مشاكل الحياة وخصوصًا المهنية. الإنسان اليوم يجب أن يدرك بأنه يتعامل مع منظومة منطقية من التفكير العميق والسطحي بالوقت نفسه، متعدد الهويات والثقافات والحياة الاجتماعية، أي أننا نستطيع أن نتلمس منطق تفكير الأسترالي الأصلي والفرنسي الأصلي والروسي والآفريقي والآسيوي في مكان واحد. إنها خلطة من جميع الأطر الفكرية والمنطقية التي أنتجها الإنسان في كافة المجتمعات الإنسانية. 

يشتغل موقع الذكاء المنسوخ عن طريق الاستجابة الأولى على سؤالك لكي يتم تصنيفك ضمن الأطر المنطقية المُدرب عليها والتي لديه معلومات تفصيلية عنها، فيقوم بالاستجابة الأولى التي يحاول أن يجعلك تسأل مرة أخرى وتطلب مرة أخرى، وهنا يتأكد من طريقة تفكير الفرد ويتنبأ بخياله فيقوم بإعطاءه مزيدًا من الاقتراحات التي تدعم ذلك الخيال المتوقع. وهنا تكمن المشكلة الحقيقة والتي تطرح سؤال هل يجب أن أكون صادقًا مع موقع الذكاء المصنع؟ إذا كنت صادقًا أم لا يهمه، بل يهمه في بناء علاقة منطقية مع المستخدم تمكنه من الاستجابة المنطقية المرتبطة بقناعاته واحتياجاته. 

وفي هذه الحالة الموقع يتعلم من خلال تخزين منطق الفرد المكتوب (اللغة التي كتب بها) والمسموع والمرئي دون التحقق من مدى صدقية ذلك أي دون عملية فرز قيمية. ولكن بعد زمن من التعلم يصبح قادر على فهم مدى صدقية أو عدم صدقية ذلك الفرد. ولكنه لا يحكم ولا يقوم بعملية معيارية في ذلك ولن يكون أداة نُصح وتصحيح للأخطاء إلا إذا طلبت منه.  

وهذا يحيلنا بالضرورة إلى إيجابية واضحة وهي أن المجتمعات التابعة يمكن لها أن تستخدمه من أجل تدريب الفرد التابع على كيفية طرح الأسئلة، ولكنها أسأله للحوار مع تقنية الذكاء المنسوخ وليس للحوار الذاتي والاجتماعي. علمًا وأن أزمة العقل العربي اليوم وفلسطين جزء لا يتجزأ منه هو أزمة طرح الأسئلة العميقة في الفضاء العام، فالعقل العربي راكم خبرات ذهنية في البحث عن إجابات وقوالب ذهنية فقط وهذا من أسباب التأخر العلمي. 

يطرح هذا الذكاء المنسوخ المصنّع إشكاليات على المستوى الاجتماعي والنفسي لدى كافة المجتمعات، وخصوصًا في مدى قدرة هذه المجتمعات على التعامل مع هذه المواقع/التقنية، وما قدرتها للاستفادة منها في تطوير ذواتهم وعقولهم ومجتمعاتهم. فاستخدام مستشار لديه إمكانيات في التفكير المنطقي البحث المبني على الأدلة والمعلومات الكثيفة والتي ليست جميعها تنطبق على واقع المُستخدم، يطرح إشكالية حول مدى قدرة الإنسان الحقيقي على انتقاء ما يخدمه في واقعه المُعاش، وهل يستطيع الإنسان التمييز بين ما يخدم واقعه ومعاشه وبين ما لا يخدمها؟ وما يخدم معتقداته أو لا يخدمها؟ 

هنا تجدر الملاحظة بأن المجتمعات التابعة التي تعاني من نقص حاد في قيم المواطنة، وثقافة المؤسسة، وتراجع العقل المنطقي، بأنها مجتمعات يتم النظر لها على أنها مجتمعات تساهم إسهامًا كبيرًا في الاستهلاك على حساب الانتاج. أي أن هذه المجتمعات ستتعامل مع مواقع الذكاء المصنع كأدوات استهلاك وليس أدوات إنتاج. وهذا بسب ثقافتها الاتكالية وقصورها العقلي على إنتاج معرفة علمية عن الواقع. وتبعيتها المفرطة للأطر النظرية والعلمية المُنتجة من مركز العالم (من يحكم العالم/الدول المُنتجة).  وأزمتها الحقيقية بالهوية والانتماء والحرية والعدالة. 

فهذه الأنظمة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التابعة فشلت في تأسيس مواطن عربي قادر على الانتماء الحر للدولة، على حساب تعزيز عقليته القبلية والدينية والحزبية. فكيف لها أن تكون قادرة على توظيف الذكاء المنسوخ في بناء إنسان مواطن جديد؟ 

إضاءة على نتائج إستطلاعات رأي

بين إستطلاع رأي عالمي  (جامعة ميلبورن – أستراليا) 2025، مستوى ثقة الجمهور في “الذكاء المنسوخ” للاستخدام المهني، وجود العديد من الدول العربية بمستوى ثقة متقدم يصل إلى 80%. وهذه النسبة يجب أن تقرأ في سياق نسبة المعرفة بالذكاء المنسوخ لدى تلك الدول، وهذه النتيجة وإن كانت دقيقة أستطيع تفسيرها مبدأيًا بسببين يشكلان البنية النفسية – الاجتماعية للمجتمعات العربية وخصوصًا دول الخليج وبلاد الشام، الأول؛ مستوى الرفاهية  الفردية النفسية – الاجتماعية متدنية، أي أن الفرد العربي في تلك المناطق يعيش أزمة عميقة على مستوى الانتماء والهوية والاستقلالية. 

 والسبب الثاني؛ ثقافة الإتكال والنقل على حساب التفكير والعقل الإنتاجي. ما يشيع آلية النسخ واللصق لتكون سمة من سمات المجتمعات العربية. 

وفي السياق الفلسطيني قدمت شركة شركة إنسايت للبحوث واستطلاعات الرأي والتدريب (Insights)، نتائج إستطلاع رأي إستهدفت به 300 مبحوث وجاهيًا، فقد أظهرت نتائج الاستطلاع أن 47.2% من المشاركين بالاستطلاع، لديهم معرفة متوسطة بالذكاء الاصطناعي، و19% لديهم معرفة كبيرة، في حين أشار 25.3% إلى معرفة محدودة، و8.4% إلى أنهم لا يعرفون عنه شيئًا. 

من جهة أخرى أظهر الاستطلاع نسبة ثقة المبحوثين بالمحتوى الناتج عن تقنيات الذكاء الاصطناعي، والتي وصلت إلى 70.2% مقابل 21.6% لا يثقون بها كثيرًا و8.2% لا يثقون مطلقًا. ولم يشر الاستطلاع هنا عن أن نسبة الثقة مرتبطة بنسبة المعرفة والتي وصلت إلى 66% تقريباً. والتباين بين النسبتين (ثقة 70% و معرفة 66%) يطرح سؤالًا إشكاليًا حول ضبابية هذه النتيجة، والتي تعكس أيضًا عدم وضوح الرؤيا لدى الجمهور الفلسطيني أساسًا. 

ولعل ما يثير الاهتمام هو استخدامات الفلسطينين لتلك التقنية، حيث بين الاستطلاع أن 65.8% يستخدمون الذكاء الاصطناعي في البحث وجمع المعلومات، و62.5% في العمل أو الدراسة، و48% في الكتابة أو الترجمة، و33.7% في الترفيه، و33.2% في توليد الصور والتصميم المرئي.  

ولا شك أن معظم طلبة الجامعات يعتمدون بشكل مباشر على مراكز الخدمات في كتابة وإنتاج أوراقهم البحثية ومتطلبات الجامعة في العروض وغيرها من الأعمال، وتوفر تقنية الذكاء المنسوخ تسهل عليهم عملية نسخ ولصق بحوث ومخططات أبحاث ..ألخ. وهذا ما سيهدد مراكز الخدمات ليقتصر عملها على الطباعة في أحسن الأحوال والتنسيق، أو ستستخدم التقنية الحديثة نيابة عن الطلبة والباحثين. وهذا مثال على قدرة التقنية الحديثة (الذكاء المنسوخ) في استبدال آليات السرقات الأكاديمية والعلمية وحسم أمرها عوضًا عن الجامعات والإطار الأكاديمي المُنظم لأخلاقيات البحث العلمي. 

إلى جانب ذلك نجد إستخدام الذكاء المنسوخ بشكل كبير في توليد الفيديوهات المفبركه وتسريع الإشاعات، وهذا يظهر ويكشف القصور الذهني للمجتمع في التعامل معه، فهو كاشف للثقافة المجتمعية كما عملت على ذلك مواقع التواصل الاجتماعي سابقًا والتي فضحت طرق التفكير المتخلفة، وترويج التفاهات، وإظهار السخافات، وتحشيد العنصريات..إلخ.

 كما بينت النتائج أبرز المخاوف المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي، حيث عبّر 68.8% عن قلقهم من انتهاك الخصوصية، و42.1% من غياب الرقابة والتنظيم، و39.7% من احتمال نشر معلومات غير دقيقة، فيما أشار 18.7% إلى مخاوف تتعلق بفقدان فرص العمل. وفي هذا السياق، أيد 90% من المشاركين ضرورة وجود قوانين وسياسات واضحة تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي. 

هذه المخاوف أعلاه هي جزء من المخاوف العالمية وما نُشر سابقًا في الاعلام حول مخاطر تقنيات الذكاء المنسوخ، وعمومًا موضوع انتهاك الخصوصية طُرح بشكل كبير منذ بداية مواقع التواصل الاجتماعي من جهة وتطور ألعاب التفاعلية. وفي هذا السياق إن الفرد الفلسطيني يعيش حالة تأهب وحذر دائمة، بل أصبحت جزءًا من شخصيته. وهذا ما سينعكس لاحقًا على أدائه في إستخدام التقنيات تلك. 

كيف نتعامل مع الذكاء المنسوخ؟ 

وتلخيصًا لما سبق، فإن التحدي الرئيس أمام المجتمعات العربية خصوصًا هو كيف نبني صورتها في أذهاننا؟ وكيف نستخدمها من أجل رفع الوعي الجمعي، وتعلم طرق تفكير إنتاجية، وهذا كله لن يحدث دون أن نتعلم كيف نسأل أسئلة عميقة مربكة خارجة عن النمطية والسطحية، وهذا أيضًا لن يحدث دون مواجهة الموروث الثقافي الديني- التقليدي ومسائلته وفرزه وتجاوز العنصريات والأيديولوجيات ذات النزعة السيادية على العالم. 

وفي هذا الصدد أقترح أن يتم التعامل مع تقنية الذكاء المنسوخ بأنه نسخة عنك كفرد أو مؤسسة أو جماعة/مجتمع، فمن تكون بالمعنى الوظيفي وكيف تفكر ستعكس صورتك في هذه النسخة الافتراضية، وإن أردت أن تعكس مشاعرك ستجدها كما هي، وإن أردت عكس منطق تفكيرك وقيمك أيضًا ستنعكس كما هي، ومن ثم تجد هذه التقنية تتفاعل معك ضمن سقف توقعاتك، مستوى لغتك ولهجتك المنطوقة والمكتوبة، وضمن رغباتك ودوافعك النفسية والاجتماعية. 

وهذا يجعلنا نفكر كيف لنا أن نعيد النظر بأنفسنا، دوافعنا، رغباتنا، معتقداتنا إن أردنا إنتاج نسخ جديرة بالاهتمام عن أنفسنا في هذا العالم الموازي. ولكي نستطيع أن نستفيد من هذه التقنية في قدرتها على إعطائنا احتمالات غير محدوده لحل مشاكلنا. 

فعلًا إنه عالم موازي، وهذا المعتقد هام جدًا لكي ندرك كيف نتفاعل معه ونتعامل معه، لكي نفهم كيف سيؤثر في مكنونات الإنسان النفسية والاجتماعية، وكيف سيساعدنا على إعادة بناء توازننا النفس والاجتماعي ومدى قدرته على دفعنا بإتجاه الرفاهية والحياة السوية التي نطمح لها.

 وهنا لا بد من الإشارة إلى أن محو الأمية الالكترونية والتقنية يجب أن تكون أولوية لدى المؤسسات بكافة أنواعها، كما أن الفائدة الكبرى من هذه التقنيات قدرة الإنسان على إدراك كيف تشتغل لكي يستطيع أن يتحكم بها مستقبلًا، وهذا غالبًا لن يحدث لمثل المجتمعات العربية والشبيهة لأنها إلى حد الآن غير قادرة على تجاوز مشاعرها وعواطفها في علاقتها مع ماضيها. 

 فهي مجتمعات ما زالت تحنْ للماضي البعيد علمًا بأن الأفراد الحاليين لم يعيشوها ولكنهم حافظوا على خيالهم الموروث والمتعلق بها، مثل أن نقول يا ليت تعود أيام صلاح الدين، ونحن أغلبنا لم نعش في تلك الفترة وإنما بنينا صور عنها ذهنية نتيجة برمجة عقلية عاطفية من خلال الاعلام المصور والأفلام والقصص والمسلسلات.

 عندما تتخلى المجتمعات العربية عن المصادر المعرفية العاطفية السهلة والسطحية في بناء صورها عن نفسها يمكن لها أن تستبدل تلك الخيالات بأفكار أكثر إنتاجية وأكثر عقلانية وعلى ذلك تتأسس المعرفة العلمية عن الواقع وبلغة صارمة قادرة على فهم واشتقاق المفاهيم عن الواقع، وتصبح العلاقة مع أي تقنية مبنية على قدرة العقل الإنساني على التحكم بما يريد أن يعكسه للعقل المنسوخ.

 وختامًا أقول أن الوجود الإنساني المادي بحد ذاته مُهدد على مستوى قيمته الحقيقية، فلعل المستقبل سيكشف لنا عن أن الانسان بحد ذاته كائن إفتراضي أصلًا، لكي يستطيع ويبرر مواكبة العالم الموازي الجديد. 

ولا بد من التأكيد على دور الإعلام بكافة أدواته في توجيه الجمهور للاستخدام الأفضل والآمن لتلك التقنيات، وكيف يناقشها، وكيف يبني صور ذهنية نافعة لدى الجمهور، وهذه المسؤولية الكبيرة لن تستطيع وسائل الاعلام بعقليتها الهوائية (أينما اتجه الريح تتجه) من ضبط قدرتها الفعلية على التأثير الإيجابي لدى مجتمعاتها المحلية والعربية والدولية. كما لا بد من الإشارة إلى أن دور الاعلام ومسؤوليته الاجتماعية رفع الوعي من خلال التعمق والبحث في المركب النفسي – الاجتماعي للمجتمعات المستهدفة، لكي تحدث الأثر المطلوب. 

خاتمة

الآثار المتوقعة لاستخدام الذكاء المصنع سواءً على الأفراد أو الجماعات والمجتمعات ستظهر خلال السنوات القادمة، ومن خلال المتابعة البحثية في مجالات متعددة ومنها النفسية والاجتماعية ستظهر لدينا تأكيدات حول الآثار اليجابية والسلبية عمومًا. فيما يلي بعض التوقعات الممكنة في الدول العربية أو الشبيهة من حيث بنية الإنتاج والثقافة: 

1. البطالة المُقنّعة ستزيد في المجتمعات الريعية والخدماتية.

2. التفاوت الطبقي التقني، حيث سيتم إنشاء طبقة من التقنيين في كافة التخصصات يمثلون طبقة الذكاء المصنع، وهذا ما سيحدث خللًا بنيويًا في قطاعات الإنتاج. مما يجبر الدول على الاستغناء عن قطاعات إنتاج بأكملها لصالح قطاعات متخصصة ومحدودة. 

3. إعادة تشكيل مفهوم الهيمنة بحيث تصبح عملية الهيمنة أكثر سرعةً من أي وقت سابق، وتطال كافة الأفراد حتى قبل ولادتهم. 

4. إعادة تشكل للتحالفات داخل المجتمع الواحد وبين الدول والعالم. 

5. بعد أن فضحت وسائل التواصل الاجتماعي الواقع العربي بخيراته وسلبياته، وبعد أن تم نقل عقلية القبيلة إلى الفضاء الافتراضي، سيتم نقل الثقافة القبلية إلى الذكاء المُصنع وهذا ما سيظهر من خلال النشاط التقني القادم والذي ستقوم به بعض الشركات العربية في إنتاج مواقع لصناعة الذكاء بمسحه “عربية قبلية” تحت شعار الحفاظ على التراث وخصوصًا الدين الاجتماعي. 

6. الجامعات والتعليم الجامعي سيشكل تحديًا كبيرًا أمام هذه التقنيات، مما سيهدد وجود الجامعات ماديًا أصلًا. 

7. مشاكل الضغوط النفسية والقلق ستزداد مرافقة بزيادة حالات الإدمان على مواقع الذكاء المنسوخ. 

8. الأشكال الإعلامية والإعلانية ستتغير. 

9. بناء نماذج جديدة من علاقات وروابط إجتماعية مادية على مستوى الأسرة والعائلة والمدرسة ومكان العمل وأماكن الترفيه. بحيث تصبح آليات اإدماج مختلفة ومرتبطة بشروط تقنية.  

10. تطور منصات الألعاب التفاعلية ضمن تقنية الذكاء المنسوخ سيشكل تحديًا حقيقيًا في قضايا التربية والتعليم، والمشكلات النفسية والاجتماعية. 

11. إعادة النظر باختبار الذكاء الإنساني مستقبلًا، حيث ستطرأ عناصر ذهنية جديدة تُغير من جدوى الاختبارات التقليدية. 

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة


جميع حقوق النشر محفوظة - بالغراف © 2025

الرئيسيةقصةجريدةتلفزيوناذاعةحكي مدني