loading

هل يمكن للموت أن يكون رحمةً وخلاصًا من سجن الجسد؟

حوار هدى مرمر

من هو المنحبس؟ في الطب، تعتبر متلازمة المُنحبس (أو متلازمة القفل، Locked-in syndrome) حالة عصبية نادرة من الشلل الكامل لعضلات الجسم الإرادية، ما عدا عضلات العينين. لذا، عادة ما يتفاعل المنحبس مع محيطه من خلال الرمش بالعين الذي يمكن عبر جهاز لوحيّ ترجمته كنص مكتوب أو صوتي. بالتالي، المنحبس في حالة وعي وإدراك تام. بطل رواية ليلى فرّان هو المنحبس الذي يعيد ترميم ذاكرته ووعيه ويجابه خيارًا مصيريًا: الحياة في حبس الجسد، أو الموت والانعتاق. أيّهما سيختار؟ الإجابة أبعد ما تكون عن واضحة كالشمس.

– هل اخترتِ هذا الموضوع الشائك لروايتك الأولى، أم الموضوع هو الذي اختارك؟

حين بدأت الكتابة كان الموضوع مجرد نص عن شخص يشعر بأنه عالق داخليًا. ومع الوقت بدأت الفكرة تكبر وحدها: ماذا لو لم تكن هذه مرحلة عابرة؟ ماذا لو كان هذا العجز داخليًا وجسديًا أيضًا؟ ماذا سيشعر؟ وماذا ستشعر عائلته؟ ومن هنا، تطورت حتى أصبحت رواية. لذلك أعتقد أننا اخترنا بعضنا بطريقة ما.

– في الرواية مساحة للتناقضات في الآراء والشخصيات والتصرفات أيضًا. هل تؤمنين بالحقيقة كحامل الشيء ونقيضه؟

أعتقد أن الإنسان بطبيعته يحمل تناقضات كثيرة، وهذا لا يعني أنه كاذب أو غير واضح. في الرواية، لم أرد شخصيات مثالية أو ثابتة، لأنني أرى أن الإنسان قد يحب ويتعب في الوقت نفسه، وقد يؤمن ويشك في اللحظة نفسها. بالنسبة لي، الحقيقة ليست دائمًا شيئًا واحدًا مستقيمًا.

– تركتِ صاحب العلاقة يحدّث القارئ في الفصول الأخيرة. لمَ غيّبتِ صوته أمام أصوات أفراد عائلته؟

أعتقد أن غياب صوته كان جزء من تجربته داخل الرواية. أردت أن يشعر القارئ بهذه المسافة والعجز اللذين يعيشهما، قبل إعطاء المساحة الأكبر له في الفصول اللاحقة.

– تطرحين في الرواية عدّة أسئلة تأمليّة، اخترتُ منها سؤالًا لأطرحه عليك: هل نحن من نتّخذ قراراتنا فعلًا؟

لا أعتقد أن الإنسان حر بالكامل في قراراته، ولا أعتقد أيضًا أنه مسيّر بالكامل. أظن أننا نتخذ قراراتنا ضمن أشياء كثيرة تشكلنا مثل الخوف، الحب، التربية، الشعور بالذنب، وحتى الظروف التي لم نخترها أصلًا. وهذا ما حاولت الرواية الاقتراب منه، أن أحيانًا الإنسان يظن أنه يختار، بينما يكون مدفوعًا من الداخل بأشياء أكبر منه.

– لماذا قرّرتِ عدم تسمية الشخصيات وعدم تحديد المكان؟

لأنني لم أرد أن أمنحهم هوية محددة أو أن أحصرهم في مكان معين، بل أن يكونوا قابلين لأن يشبهوا أي عائلة. شعرت أن الأدوار والمشاعر أكثر عالمية من الأسماء والتفاصيل واكثر قربا من الفكرة.

– تتوقّفين في الكتاب عند أهمية عمر ال٢٥ في بزوغ هوية الإنسان. كم نحتاج من عمر لنتقبّل هزيمتنا أمام المرض والموت؟

لا أظن أن الإنسان يتقبّل المرض أو الموت بشكل كامل مهما تقدّم في العمر. ربما نتعلّم فقط كيف نتعايش مع فكرة أننا لسنا قادرين على السيطرة على كل شيء. أما عمر الـ25 في الرواية، فكان بالنسبة لي مرحلة يبدأ فيها الإنسان بالشعور بأنه أصبح واضحًا أمام نفسه، وأن اختياراته بدأت تشكّل حياته فعلًا.

– لو كنت مكان بطلك، هل كنت لترمشي طالبةً البقاء على قيد الحياة؟

لا أعتقد أنني أعرف فعلًا ماذا كنت سأفعل. أشعر أن هذا النوع من القرارات لا يمكن للإنسان أن يجيب عنه مسبقًا بعيدًا عن اللحظة نفسها.  لذلك أعتقد أن هذا قرار يُعاش أكثر مما يُفكَّر فيه.

هل ما يزال باكرًا أن نتحدّث في مجتمعنا عن الموت الرحيم، خاصة وأنّ الموت يحيطنا من كل صوب؟

أظن أن الموت حاضر دائمًا حولنا، سواء تحدثنا عنه أم لا. لكن ما يخيف الإنسان أكثر ربما ليس الموت نفسه، بل المجهول الذي يأتي بعده، وفكرة فقدان السيطرة. لذلك لا أعتقد أن الحديث عن الموت الرحيم مرتبط فقط بكون الوقت مبكرًا أو متأخرًا، بل بقدرتنا على مواجهة أسئلتنا الصعبة حول معنى الحياة والموت.

– ماذا عن موضوع الأمومة؟ هل بات المجتمع أقرب إلى رؤية المرأة والإنسانة في الأم بعيدًا عن تقييدها بأسطرتها؟

أعتقد أن صورة الأم بدأت تصبح أكثر إنسانية من قبل. الأم ليست دائمًا شخصية مثالية أو قادرة على الاحتمال بلا حدود، بل إنسانة فيها التعب والتناقض والخوف وحتى الأنانية أحيانًا. وبرأيي، عندما نرى الأم كإنسانة أولًا، لا يقلّل ذلك منها، بل يجعلها أقرب وأكثر حقيقية.

– لم قرّرت ألّا تضيئي على الإبنة كأمّ؟

لأنني أردتها أن تكون هنا بصوت الأخت، لا بصوت الأم. كان يهمّني أن أقترب من أثر الفقد، أو ما يشبه الفقد، على الأخت داخل العائلة. أحيانًا يُنظر إلى الأم والأب أولًا في مثل هذه الحالات، وهذا مفهوم، لكن للأخت أيضًا خسارتها الخاصة، وصمتها الخاص، ومكانها الذي يتغيّر داخل البيت. لذلك فضّلت أن تبقى في هذه المساحة، لا أن تنتقل الرواية معها إلى دور آخر.

– لا بدّ أن نعرّج على علاقة البطل بأخته، وهي علاقة قائمة على حسّ عال بمسؤولية حماية الأخت، حتى من نفسها.  أليست علاقة يوتوبيّة بعض الشيء؟

ربما لأنني استندت بشكل غير مباشر إلى علاقتي بأخي الأكبر، فهوالأقرب إلى عمري داخل العائلة، ويلعب دائمًا دور الداعم، وأحيانًا الحامي أيضًا. وبيننا تلك المساحة من الصراحة والقرب التي تشبه إلى حد بعيد العلاقة في الرواية. وربما، بشكل أو بآخر، انعكس هذا الرابط في روايتي الأولى.

– عطفًا على ما سبق، البطل يشبه والده وكأنه أب ثانٍ لأخته. لم شعر الأب بضرورة اتّخاذ القرار؟ هل لأنّه مطالب اجتماعيًا بهذا الدور؟

 أظن أن جزءًا من ذلك يعود فعلًا إلى الدور الذي يُنتظر من الأب اجتماعيًا. أحيانًا يشعر الأب أنه مطالب بأن يكون صاحب القرار حتى عندما يكون عاجزًا أو خائفًا أو غير متأكد. وفي الرواية، كان هناك أيضًا شعور بأن القرار نفسه أكبر من الجميع، لكن كل شخص كان يحاول التمسك بالدور الذي يعرفه داخل العائلة.

– لا العلم ولا الإله ينقذون البطل. مَن منقذ الضعيف إذًا؟

ربما لا يوجد منقذ كامل أصلًا. لا العلم يملك كل الإجابات، ولا الإنسان قادر دائمًا على فهم ما يحدث له.

لكن أظن أن أضعف لحظات الإنسان تصبح أقل قسوة عندما لا يواجهها وحده.

– حين بدأتِ كتابة الرواية، هل كانت النهاية حاضرة في بالك، أم أنّها تبلورت مع الوقت؟

كتابة النهاية كانت من أصعب أجزاء الرواية بالنسبة لي، ربما لأنني كنت أعيش مع هذه الشخصيات لفترة طويلة، كما ان النهاية لم تكن واضحة في ذهني منذ البداية. أعتقد أنها تبلورت مع الكتابة نفسها. 

– ما أبرز مشقّات الكتابة الأولى؟ وهل لك أعمال غير مكتملة و/أو غير منشورة؟

أعتقد أن أصعب ما في التجربة الأولى كان النشر نفسه، فكرة أن تخرج أفكارك وخيالك إلى الناس، وأن تنتظر كيف سيتلقاها القرّاء. هذا الجزء جميل ومخيف في الوقت نفسه. وهنا لا بد أن أشكر الدار العربية للعلوم ناشرون على منحها لي هذه المساحة والثقة. نعم، قبل الرواية، كانت لديّ محاولات أخرى في الكتابة، منها كتابة معالجة لمسلسل قصير مقتبس عن رواية “رحمة” لشقيقتي الكاتبة ناهد فران، إضافة إلى بعض المشاريع والنصوص غير المكتملة التي ما زلت أعود إليها بين وقت وآخر.

أخيرًا، هل من جديد تفكرين بمعالجته كتابيًا؟

أعمل حاليًا على رواية جديدة، وما زلت أكتشفها أثناء الكتابة. ربما تشغلني فيها أيضًا الأسئلة الإنسانية والعلاقات المعقدة، لكن بشكل مختلف عن الرواية الأولى.

نبذة الكتاب:

“المُنحبِس” رواية في “أدب العتبة بين الحياة والموت”، تعكس تحولاً في نهج تدبُّر المرض روائياً، والتقاط مفارقاته، وتصوير معاناته، بحساسية بالغة تسلّط من خلالها الروائية ليلى فران الضوء على مرض (متلازمة المُنحَبِس) التي شُخّص بها بطل روايتها (الحي/ الميت)، والذي دخل في غيبوبة دامت خمسة عشر عاماً ولا مؤشر يقول أنّه سيخرج منها! ومن هنا تطرح الرواية السؤال الأخلاقي: هل تحرير المريض بعد غيبوبة طويلة بالموت الرحيم جائز شرعاً وقانوناً؟

ليلى فرّان: 

وُلدت ليلى فرّان  (1986)وترعرعت في مدينة صور، وهي الأصغر في عائلة تهتم بالفكر والثقافة، فوالدها طبيب وشاعر، ما انعكس على اهتمامها المبكر باللغة والسرد. تعمل في مجال التسويق والتواصل الاستراتيجي وتطوير الأعمال، مع خبرة تمتد لأكثر من 15 عامًا في مجالات تطوير العلامات التجارية، الاستراتيجيات التسويقية، وإدارة المشاريع. عملت مع شركات ومؤسسات في لبنان والخليج، كما خاضت تجارب في الإدارة التحريرية والاستشارات اللغوية والثقافية للأعمال التلفزيونية. “المنحبس” (2026) هي روايتها الأولى عن الدار العربية للعلوم ناشرون في بيروت.

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة


جميع حقوق النشر محفوظة - بالغراف © 2025

الرئيسيةقصةجريدةتلفزيوناذاعةحكي مدني