محمد عبد الله
تشهد الأسواق الفلسطينية في الضفة الغربية حركة تجارية ملحوظة عقب صرف الحكومة دفعة من رواتب الموظفين بنسبة 50% وبحد أدنى 2000 شيقل عن شهر شباط الماضي، ما أعاد بعض النشاط إلى الحركة الشرائية، خصوصًا في الأسواق والمراكز التجارية التي تعتمد على العروض والتخفيضات.
وبحسب مشاهدات ميدانية لموقع “بالغراف”، فإن مناطق التسوق شهدت تباينًا في الكثافة، حيث بدا شارع الإرسال في رام الله على سبيل المثال مكتظًا مقارنة بشارع ركب، في ظل توجه المواطنين إلى المحلات التي تقدم عروضًا وتخفيضات مثل المؤسسات التجارية الكبيرة، وذلك في محاولة لتلبية احتياجاتهم الأساسية والترفيهية بأقل التكاليف الممكنة.
ويلاحظ أن هناك إقبال يتركز على محلات المكسرات والقهوة والحلويات، إضافة إلى شراء مستلزمات بسيطة مرتبطة بالأجواء الاجتماعية، في ظل بحث واضح من المواطنين عن “البهجة بأقل التكاليف”، كما يصفه بعض التجار.
وفي هذا السياق، قالت رئيسة جمعية حماية المستهلك في شمال الضفة فيحاء البحش لموقع “بالغراف”، إن الأسواق سجلت تحسنًا نسبيًا بعد صرف الرواتب، رغم أنها وصفتها بـ”أشباه الرواتب”، مشيرة إلى أن الحركة التجارية تحسنت مقارنة بالفترة السابقة.
وأضافت البحش أن جزءًا من هذا التحسن يعود إلى حركة سكان القرى والتوجه نحو المدن، إلى جانب وجود موظفين في قطاعات غير متضررة نسبيًا يساهمون في تنشيط الأسواق.
وأوضحت أن العديد من العائلات التي لديها أطفال تجد نفسها مضطرة للشراء، ولو بحدود دنيا، خاصة فيما يتعلق بالاحتياجات الأساسية المرتبطة بالضيافة والملابس، لكن في المقابل فإن جزءًا من المتسوقين يكتفي بالتجول داخل الأسواق دون إتمام عمليات شراء، بهدف مقارنة الأسعار و”جس نبض السوق” ومعرفة مدى توافق الأسعار مع قدرتهم الشرائية.
وأشارت إلى أن المستهلكين يميلون بشكل واضح إلى المحلات التجارية الكبيرة والمؤسسات التي تقدم عروضًا موسعة، بدلًا من المحلات الصغيرة المنفردة، بسبب الفروقات السعرية التي تلعب دورًا حاسمًا في قرارات الشراء.
ورغم هذا التحسن النسبي، أكدت البحش أن الحركة التجارية ما زالت أقل من المستوى المطلوب، خصوصًا مع استمرار ارتفاع الأسعار، معتبرة أن الوضع الحالي أفضل قليلًا من العامين الماضيين خلال الحرب، لكنه لا يعكس تعافيًا حقيقيًا في القدرة الشرائية.
ومع اقتراب عيد الأضحى، تتزايد التحديات الاقتصادية أمام المواطنين والتجار على حد سواء، حيث يشتكي أصحاب الملاحم من تراجع واضح في الطلب على اللحوم والأضاحي، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل.
وقال رئيس نقابة أصحاب الملاحم عمر النبالي لموقع “بالغراف”، إن هناك انخفاضًا كبيرًا في حركة شراء الأضاحي واللحوم قبيل العيد، مُرجعًا ذلك إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع أسعار اللحوم والأعلاف، ما أدى إلى تراجع القدرة الشرائية لدى المواطنين.
وأوضح النبالي أن العديد من الأسر الفلسطينية باتت غير قادرة حتى على شراء اللحوم بشكل يومي، فضلًا عن شراء الأضاحي التي باتت تشكل عبئًا ماليًا كبيرًا على العائلات، مؤكدًا أن “الأوضاع المعيشية أصبحت مأساوية” في ظل تراجع الرواتب والدخل الشهري.
وبحسب بيانات السوق، فإن أسعار اللحوم ما تزال مرتفعة، حيث يصل سعر كيلو لحم الخروف البلدي في الملاحم إلى نحو 110 شواكل، بينما يبلغ سعر كيلو لحم العجل بين 70 و75 شيكلًا. أما على مستوى الأضاحي، فيتراوح سعر كيلو الخروف القائم عند نحو 48-50 شيكلًا، والعجل القائم عند حوالي 28-30 شيكلًا، وهي أسعار تزيد من صعوبة الإقبال على الشراء بالنسبة لفئات واسعة من المواطنين.
بين محاولات الفرح وواقع اقتصادي ضاغط
ورغم الضغوط الاقتصادية، يحاول العديد من المواطنين خلق أجواء عيدية ولو بحدود بسيطة، عبر شراء مستلزمات رمزية أو تنظيم زيارات عائلية محدودة التكلفة، في ظل رغبة واضحة في الحفاظ على مظاهر الفرح، خاصة لدى العائلات التي لديها أطفال.
ويشير مراقبون إلى أن الأسواق الفلسطينية تعيش حالة من “الانتعاش المؤقت” المرتبط بصرف الرواتب أو المناسبات الموسمية، دون أن يتحول ذلك إلى استقرار اقتصادي فعلي، في ظل استمرار الأزمة المالية وتراجع السيولة لدى المواطنين.
وفي المحصلة، تبدو الأسواق الفلسطينية أمام مشهد مزدوج: حركة شرائية نشطة نسبيًا مدفوعة بصرف جزئي للرواتب واقتراب عيد الأضحى، يقابلها ضغط اقتصادي حاد وارتفاع في الأسعار يحدّ من قدرة المواطنين على الاستهلاك، ويجعل من “البهجة” هدفًا يُبحث عنه بأقل التكاليف الممكنة، وليس واقعًا مكتملًا كما كان في السنوات السابقة.




