محمد عبد الله
تشهد المواجهة بين إسرائيل وإيران تصعيدًا متسارعًا بعد تبادل الضربات العسكرية المباشرة، في وقت تزداد فيه المخاوف الدولية من انزلاق المنطقة إلى حرب مفتوحة تتجاوز حدود الاشتباك التقليدي بين الطرفين.
وجاء التصعيد الأخير عقب إطلاق إيران دفعات من الصواريخ باتجاه شمال إسرائيل، ردًا على غارات إسرائيلية استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت، فيما أعلن الجيش الإسرائيلي تنفيذ هجمات داخل إيران قال إنها استهدفت أنظمة دفاع استراتيجية ومنشآت للبتروكيماويات.
وفي ظل هذه التطورات، نقلت إذاعة الجيش الإسرائيلي تقديرات عسكرية ترجح استمرار المواجهة لعدة أيام، بالتزامن مع استعدادات لتعبئة واسعة لقوات الاحتياط، ما يعكس جدية المؤسسة العسكرية الإسرائيلية في التعامل مع احتمال اتساع رقعة التصعيد.
ويرى الخبير في الشأن الإسرائيلي عادل شديد أن احتمالات توسع المواجهة لا تزال قائمة، رغم أن أياً من الطرفين لا يمتلك مصلحة مباشرة في الذهاب إلى حرب مفتوحة وطويلة الأمد.
وقال شديد لـ”بالغراف” إن الرهان على غياب المصلحة المشتركة في التصعيد قد يكون عاملًا خطيرًا بحد ذاته، موضحًا أن “الاعتماد على هذا الانطباع قد يدفع أحد الطرفين إلى التمادي أو تجاوز الخطوط الحمراء، بما قد يؤدي إلى تطور الأمور باتجاه حرب مفتوحة تستمر لأسابيع”.
وأضاف أن الولايات المتحدة لا تبدو معنية في هذه المرحلة بحرب طويلة مع إيران، لكنها قد تكون معنية بمنح إسرائيل هامشًا لتنفيذ ضربات محدودة ومدعومة أمريكيًا، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.
وحول دوافع التصعيد الإيراني، وهل ترتبط بالرد على قصف الضاحية الجنوبية أم بمحاولة تحسين شروط التفاوض مع واشنطن، استبعد شديد وجود تقدم حقيقي في المسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.
وأشار إلى أن القضايا الخلافية الرئيسية، وعلى رأسها الأصول الإيرانية المحتجزة ومصير اليورانيوم المخصب، ما تزال دون حلول، معتبرًا أن الحديث المتكرر عن قرب التوصل إلى اتفاق لا يعكس واقع المفاوضات.
وأضاف أن هناك تقاطعًا بين البعدين العسكري والسياسي في السلوك الإيراني، موضحًا أن طهران تسعى إلى إبقاء الساحة اللبنانية ضمن أي ترتيبات إقليمية مقبلة، في حين ترفض إسرائيل والولايات المتحدة ربط الملف اللبناني بالتفاهمات المتعلقة بإيران.
وفي تقييمه للمشهد العسكري الحالي، يرى شديد أن الضربات ما تزال ضمن إطار المواجهة المضبوطة نسبيًا، لافتًا إلى أن إسرائيل كانت ستلجأ إلى تنفيذ اغتيالات ضد شخصيات إيرانية بارزة فورًا لو توفرت لديها معلومات استخبارية مناسبة، باعتبار أن ذلك جزء من عقيدتها الأمنية.
أما إيران، بحسب شديد، فتتعامل مع المواجهة وفق خطة متدرجة، ولا تستخدم كامل قدراتها العسكرية دفعة واحدة، انطلاقًا من تقديرها بأن الصراع قد يكون طويل الأمد، ما يفرض عليها الحفاظ على مواردها العسكرية والاقتصاد في استخدام الذخائر.
وفي السياق ذاته، يرى الباحث المختص في الشأن الإسرائيلي ياسر مناع أن استراتيجية الجولات المتكررة بين إيران وإسرائيل تقوم على ثلاثة مرتكزات أساسية.
وأوضح مناع، في تحليل نشره عبر صفحته على “فيسبوك”، أن المرتكز الأول يتمثل في سعي الطرفين إلى ترسيخ قواعد اشتباك جديدة وتحديد حدود الرد المتبادل، بينما يتمثل المرتكز الثاني في الوصول إلى تفاهمات مؤقتة وهشة لا تنهي الصراع وإنما تنقله إلى مستوى حروب الظل والعمليات الأمنية والاستخبارية.
أما المرتكز الثالث، وفق مناع، فيتمثل في توظيف كل جولة من التصعيد لإنتاج أوراق ضغط جديدة وتحسين المواقع التفاوضية في الملفات الإقليمية والدولية المختلفة.
وبينما تبدو المواجهة الحالية أكثر حدة من سابقاتها، يرى مراقبون أن المسار الذي ستسلكه الأحداث خلال الأيام المقبلة سيكون العامل الحاسم في تحديد ما إذا كانت المنطقة أمام جولة ضغط متبادلة هدفها تحسين شروط التفاوض، أم أمام بداية مرحلة جديدة من الصراع المفتوح بين إسرائيل وإيران قد تحمل تداعيات تتجاوز حدود البلدين إلى الإقليم بأسره.




