loading

الخيانة والاحتلال منعا الآذان في الأقصى 797 سنة قبل “بن غفير”

جيفارا سمارة

في 18 فبراير 1229م وقع السلطان الكامل الأيوبي (ابن أخ  السلطان صلاح الدين محرر القدس)  والإمبراطور الالماني فريدريك الثاني معاهدة يافا، والتي تم بموجبها تسليم مدينة القدس وبيت لحم والناصرة للاحتلال الصليبي خلال الحملة الصليبية السادسة لمدة 10 سنوات، بعد أن هُدمت أسوار القدس، مقابل مساعدة قوات الاحتلال للسلطان على أهل بيته الأيوبي، كما يورد المؤرخ ابن واصل في كتابه مفرج الكروب في أخبار بني أيوب.

فريدريك لم يأتِ غازيًا بالسيف، بل دخلها آمنًا بالسلام (بفعل الاقتتال الداخلي والانقسام)، وكان الكامل قد أفرغ قاضي نابلس (شمس الدين) من كل مشاغله، وانتدبه للقيام بواجب ضيافة الإمبراطور وتلبية رغباته، وكان مبيت الإمبراطور في دار قريبة من المسجد الأقصى. فلما كان وقت أذان الفجر، وزيادة في التزلف والتملق أمر قاضي نابلس المؤذنين ألا يؤذنوا تلك الليلة، وألا يصعدوا المآذن، وذلك أدبًا مع الإمبراطور وإكرامًا له، وحتى لا يزعجه صوت الأذان.

في الصباح، التقى فريدريك بقاضي نابلس وسأله مستنكرًا: “يا قاضي، لماذا لم يؤذن المؤذنون البارحة؟” فأجابه: “منعتهم إجلالًا للملك، ورعاية لراحتك”، فغضب الإمبراطور الألماني وقال له عبارته الشهيرة التي خلدها التاريخ: “أخطأتَ يا قاضي! تفعل هذا من أجلي؟ والله إن أكبر غرضي من المبيت بالقدس كان سماع أذان المسلمين وتسبيحهم في الليل!”.


ومنذ ذلك الحين لم يُذكر أن مُنع الآذان إلا عقب آخر الاحتلالات المتكالبة على فلسطين، فقد أغلق المسجد الأقصى عام 1969 بعد أن اشعل مايكل روهان الذي كان مسيحيًا صهيونيًا النار في المصلى القبلي، اعتقادًا بضرورة تدمير المسجد لإقامة الهيكل الثالث، وفي عام 2017 (إغلاق الأقصى الشامل) عقب عملية اشتباك مسلحة في باحاته، ومُنع رفع الأذان وإقامة صلاة الجمعة تمامًا لعدة أيام، وصادرت قوات الاحتلال مفاتيح أبواب الأقصى.

 تلا ذلك محاولة فرض البوابات الإلكترونية والكاميرات الذكية، وفي أبريل 2021 (قطع أسلاك مكبرات الصوت): في اليوم الأول من شهر رمضان، قطعت شرطة الاحتلال أسلاك مكبرات الصوت في مآذن المسجد الأقصى الأربعة (مأذنة المغاربة، الغوانمة، السلسلة، والأسباط) بحجة منع “الضجيج” أثناء إلقاء ما يسمى بـ”رئيس دولة الاحتلال” كلمة في ساحة البراق، وذات الشيء حدث في 30 أبريل 2025،  وفي مارس – أبريل 2026 (الإغلاق الأطول والمآذن الصامتة): شهدت هذه الفترة تشديدًا غير مسبوق وإغلاقًا للمسجد الأقصى أمام المصلين استمر لقرابة 30 يومًا متواصلة، وصمتت المآذن.

وفي 31 مايو 2026، صادقت ما تسمى “اللجنة الوزارية الإسرائيلية” لشؤون التشريع على صيغة جديدة وأكثر صرامة لمشروع قانون يهدف إلى شرعنة منع رفع الأذان في القدس المحتلة والمناطق الفلسطينية داخل الخط الأخضر (مناطق 1948) تقدم به حزب “قوة يهودية” اليميني المتطرف بقيادة إيتمار بن غفير.

وينص مشروع القانون المقترح على تحويل رفع الأذان من شعيرة دينية مكفولة إلى إجراء إداري وأمني مشروط، حيث يُحظر تركيب أو تشغيل أي منظومة مكبرات صوت في المساجد دون الحصول على تصريح مسبق من سلطات الاحتلال. 

وتخضع معايير منح هذا الترخيص لتقدير السلطات بناءً على شدة “الضوضاء” المزعومة ومدى قرب المسجد من المناطق السكنية، ما يجعل المنع هو الأصل والرفع هو الاستثناء. كما يمنح المشروع قوات الشرطة صلاحيات واسعة تشمل المطالبة بالتوقف الفوري عن رفع الأذان عند الاشتباه بمخالفة شروط التصريح، والحق في مصادرة مكبرات الصوت واقتحام المساجد لإغلاقها.

أما بخصوص العقوبات، فيفرض المشروع غرامات مالية باهظة تصل إلى 50 ألف شيكل (نحو 15,700 دولار) على تشغيل مكبرات صوت دون ترخيص، و10 آلاف شيكل عند مخالفة شروط التصريح الممنوح، مع توجيه عائدات هذه الغرامات لصالح صندوق حكومي تابع للاحتلال. ولكي يصبح هذا المشروع قانونًا نافذًا، فإنه يحتاج بعد المصادقة الوزارية إلى المرور بثلاث قراءات متتالية في الكنيست الإسرائيلي والمراجعة في اللجان البرلمانية المختصة قبل التوقيع عليه ونشره.

وعن النطاق الجغرافي لتطبيق القانون، فإنه يستهدف بشكل مباشر مدينة القدس المحتلة والبلدات الفلسطينية داخل الخط الأخضر. ورغم عدم وضوح النص الصريح بشأن المسجد الأقصى، إلا أن الهيئات الدينية والقيادات الفلسطينية حذرت من أن القانون يمثل تهديدًا مباشرًا للوضع القائم في الأقصى ويهدف لتقليص الحضور الديني الإسلامي في المدينة المقدسة.

 كما تسود مخاوف جدية من إمكانية ترجمة هذا القانون لاحقًا إلى أوامر عسكرية تطبق في مساجد الضفة الغربية، خاصة في المناطق القريبة من المستوطنات التي تشتكي باستمرار من صوت الأذان.

وقد قوبل هذا القرار بموجة إدانات دولية وإقليمية واسعة، حيث اعتبرته الحكومة الأردنية تمييزيًا ويخالف القانون الدولي واتفاقية السلام الموقعة، كونه يمس بصلاحيات الأوقاف الأردنية المسؤولة عن المقدسات. 

كما وصفته جامعة الدول العربية والبرلمان العربي بأنه “إعلان حرب دينية” وانتهاك صارخ لحرية العبادة يهدف لطمس الهوية العربية. وفي سياق التضامن الشعبي والديني، قامت كنائس في مدينة الناصرة برفع الأذان عبر مكبراتها تعبيرًا عن رفضها للقرار الإسرائيلي وتأكيدًا على وحدة الموقف في مواجهة المساس بالشعائر الدينية.

من الناحية الحقوقية، صنفت منظمات مثل “مركز عدالة” و”جمعية حقوق المواطن في إسرائيل” هذا التشريع ضمن سلسلة القوانين التمييزية وغير الديمقراطية التي تستهدف الأقلية العربية وتؤدي إلى تآكل المساحة الديمقراطية.

 وفي المقابل، تذرع المدافعون عن القانون بحجج بيئية وإدارية، مدعين أن الآذان يشكل “ضجيجًا غير معقول” يضر بصحة السكان وجودة حياتهم، وهي الحجج التي رفضها الفلسطينيون جملة وتفصيلًا، مؤكدين أن الإزعاج الحقيقي ينبع من “آلات الحرب” والسياسات القمعية للاحتلال وليس من شعائر العبادة.

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة


جميع حقوق النشر محفوظة - بالغراف © 2025

الرئيسيةقصةجريدةتلفزيوناذاعةحكي مدني