ضحى الرفاعي
كروموسوم واحد أحدث الكثير من الفرق في حياة أصحاب متلازمة داون، ولكن هذا الفارق أضفى عليهم في الوقت ذاته طابعًا من التميز والاختلاف، وفجّر لديهم قدرات ومواهب قد لا يمتلكها أصحاب الكروموسومات الطبيعية.
المختص ومدرس التربية الخاصة محمد أبو دياب، أوضح الأساليب والطرق الحديثة المتبعة مع أصحاب “متلازمة داون” في المدارس؛ حيث يرتكز العمل بداية على موضوع التمييز المدرسي، والتفكير خارج الصندوق لتطوير التفكير، والعمل في مجموعات، والتعلم البحثي القائم على إثارة الأسئلة، بالإضافة إلى اعتماد أسلوب التعلم المشمل.
ويندرج تحت هذه المقاربات برنامج التعلم العاطفي الاجتماعي، وهو برنامج يهدف إلى بناء مهارات اتصالية، تواصلية، اجتماعية، عاطفية، وسلوكية، تمكن الطلاب من بناء مهارات لحل المشكلات، وفهم آليات الاتصال والتواصل مع الآخرين، وبناء منظومة علاقات صحية بعمر محدد تكون أساسًا لعلاقاتهم الاجتماعية وترافقهم في مهاراتهم الحياتية المختلفة.
وعند تحليل هذا المصطلح النفسي، نجد أنه يتطرق لقدرة الطلاب على اكتساب مهارات التميز وإدارة المشاعر لتطوير الاهتمام والتفهم واتخاذ قرارات مسؤولة، وبناء سيرورة تمكن أصحاب متلازمة داون من الجنسين من اكتساب وتطبيق معرفي بمهارات مختلفة وضرورية تلبي احتياجاتهم كبالغين وتمكنهم من العيش بشكل صحي.
وفي هذا السياق، يشير أبو دياب إلى أن التعلم العاطفي الاجتماعي يحتوي على خمس منظومات لتطوير المهارات العقلية، وهي مهارات عاطفية وسلوكية متصلة ببعضها البعض ومجمعة في جوانب مفتاحية لتطوير كافة المهارات؛ وتتمثل في الوعي الذاتي، والوعي الاجتماعي، والإدارة الذاتية، وإدارة منظومة العلاقات الاجتماعية مع الشخص الآخر، واتخاذ قرارات مسؤولة. وتهدف هذه المنظومات مجتمعة إلى تطوير الوعي الذاتي للمشاعر عند الطلاب، وتطوير قدرة الإدارة الذاتية، والوعي الاجتماعي لمشاعر الآخر، وتطوير منظومة علاقات صحية مناسبة لاتخاذ قرارات ذاتية مختلفة تجاه الفرد وتجاه الآخرين، بالإضافة إلى تطوير رأي الطلاب الشخصي بأنفسهم ولأنفسهم وعن أنفسهم أيضًا.
أما من ناحية الصعوبات التي قد تواجه هذه المسيرة، فإن التحدي لا يقف عند حدود إيصال المعلومة الصحيحة لأصحاب متلازمة داون وطريقة حل المشكلة فحسب، بل يمتد ليشمل صعوبات تكمن في التغيرات الاجتماعية، والثقافية، والاقتصادية التي تحدث في ديمقراطية نظام التعليم من حيث المهام والمسؤولية، إلى جانب الاختلافات والفروقات الفردية بين الطلاب، والعائلات، والمدارس.
كما يشكل التغير في توزيع الأدوار والمسؤوليات ما بين نظام التعليم والأسرة والمجتمع تحديًا إضافيًا، فضلًا عن التطورات المتسارعة في عالم العمل والتوظيف المبني على أساس المعرفة متعددة التخصصات، والتي تتعلق بسيرورات التعلم الذهني العاطفي الاجتماعي والتحديات التي شهدها القرن الحالي؛ وهي عوامل أظهرت وجود حاجة ملحة لتنمية المهارات العاطفية الاجتماعية لديهم، حيث يتم حل هذه المشكلات التي تواجه المعلم من خلال الأساليب القائمة على العمل الطاقمي المشترك، والبحث العلمي، وبناء مجموعات مخصصة لمواجهة هذه التحديات.
وتتكامل هذه الرؤية مع الخطط المستقبلية التي يضعها أبو دياب كمدرس لتطوير التعلم لذوي الاحتياجات الخاصة وبالأخص لأصحاب متلازمة داون، حيث تقوم خطته على تطوير الوعي الذاتي للمشاعر، وقدرة الإدارة الذاتية، والوعي الإجتماعي لمشاعر الآخر، وتطوير رأي الطلاب الشخصي بأنفسهم، مع السعي لتنمية العمل عن طريق دمجهم في المجتمع وفي الحياة الاجتماعية المحيطة بهم.
ويشمل ذلك التأهيل المهني لهم ليكونوا أشخاصًا فاعلين من خلال تطوير قيم تقبل الآخر والاحترام، وصولًا إلى مرحلة التأهيل المهني ما بعد جيل الواحد والعشرين؛ فبعد هذا الجيل يكون تعليمهم المدرسي قد انتهى، ويبدأ التركيز على إكسابهم مهارات التأهيل المهني ومقدرتهم على حل المشاكل والصعوبات ليتحملوا المسؤولية في مجتمعهم.
ويدعو أبو دياب إلى تطوير طرق تدريس مستقبلية تعتمد على “التعليم الوظيفي” وليس التلقيني، أي تعليم الطالب الأشياء التي يستخدمها في حياته اليومية المحيطة بشكل مباشر؛ مثل الحساب باستخدام النقود، حفظ رقم الحافلة التي يستقلها للوصول إلى سكنه، حفظ تاريخ ميلاده ورقم هويته وأرقام الهواتف الضرورية.
كما يركز هذا التعليم على تمكين الطالب من التعبير عن مشاعره، وتعلم حماية ذاته وجسده من أي غريب، والتوجه لطلب المساعدة عند الحاجة، بالإضافة إلى إتقان المهارات الحياتية اليومية من مأكل ومشرب وملبس كتحضير وجبة خفيفة، ويستمر هذا التعليم والدمج إلى ما بعد سن العشرين ليتلاءم مع تطور القرن الحالي ومجالات العمل المتاحة في بعض الشركات المسؤولة عن تشغيلهم في مهام بسيطة كالتبكيت والتغليف.
وفي المقابل، يبرز دور الأسرة كركيزة أساسية للدعم النفسي والاجتماعي، حيث توضح أم الطالب (م.س) أن الدعم الذي تقدمه لولدها البالغ من العمر سبعة عشر عامًا يتمثل في تعزيز ثقته بنفسه وإعطائه القوة ليمارس حياته بشكل طبيعي ويقضي هواياته كحب لعب كرة القدم، والاعتماد على الذات.
وتصف الأم ابنها بأنه شخص اجتماعي ومبادر يجذب الناس للتعرف إليه والتحدث معهم، رغم أنه يمر بفترة المراهقة التي تجعله عنيدًا قليلًا ولا يتجاوب معها أحيانًا. مؤكدة أمنيتها المستمرة في أن يتعلم القراءة والكتابة وأن تراه دائمًا متقدمًا في كل مجالات حياته.
بدورها، تشير أم الطالبة (هـ. ش) إلى أن ابنتها تمتلك موهبة الرسم والاستماع إلى الموسيقى، وترى أن ابنتها لم تعد بحاجة إلى دعم استثنائي لأن المجتمع أصبح يحتضن ويدعم أصحاب متلازمة داون ويعاملهم كأشخاص طبيعيين، مؤكدة اختفاء الفروق في المعاملة بين ابنتها و أقرانها، لا سيما مع زيادة الوعي في المدارس من خلال تنظيم محاضرات نفسية وتوعوية للأهالي والطلاب على حد سواء.




