loading

سجود وأحمد.. حين تتحول دقائق الانتظار على البوابات إلى فاصل بين الحياة والموت

محمد عبد الله

في سنجل شمال رام الله، كانت سجود وائل فرعون تعيش تفاصيل حياتها اليومية كأم شابة لطفلين. 

وفي دير عمار غرب المدينة نفسها، كان الرضيع أحمد معروف زيد يخوض أشهره الأولى بين ذراعي والديه. 

اختلف العمر والظروف، لكن المصير كان واحدًا؛ رحلة علاج لم تكتمل، ووقت ضائع على الحواجز والبوابات المغلقة، انتهى بفقدان حياة كان يمكن إنقاذها.

كانت الساعة تمضي بسرعة، فيما كانت الحياة تغادر جسد سجود وائل فرعون ببطء. ففي منزلها ببلدة سنجل شمال رام الله، أصيبت الشابة البالغة من العمر 29 عامًا بجلطة قلبية مفاجئة مساء الجمعة. 

هرعت سيارة الإسعاف إلى المكان، وحاول المسعفون نقلها بأسرع وقت إلى أحد مستشفيات رام الله، حيث كانت الدقائق تمثل الفارق بين النجاة والفقدان، لكن الطريق لم يكن مفتوحًا.

عند البوابة الحديدية المقامة على مدخل البلدة الشمالي، توقفت سيارة الإسعاف. كانت البوابة مغلقة بالكامل في ظل حصار متواصل وإغلاق لمداخل البلدة منذ أيام. انتظر المسعفون وأفراد العائلة أن يُفتح الطريق لحالة إنسانية طارئة، إلا أن الانتظار طال.

يقول رئيس بلدية سنجل معتز طوافشة إن سيارة الإسعاف توجهت إلى البوابة على أمل وجود جنود في المكان لفتحها للحالة الإنسانية، “إلا أن البوابة كانت مغلقة، فيما كان الطريق البديل إلى رام الله يستغرق نحو ساعة ونصف ويمر عبر طرق بلدات وقرى كثيرة ووعرة”.

ويضيف طوافشة لموقع “بالغراف” أن الجهات المحلية تواصلت مع الارتباط الفلسطيني للتنسيق من أجل فتح البوابة، إلا أن العملية استغرقت وقتًا طويلًا وسط ما وصفه بـ”المماطلة الطويلة”، رغم وجود معسكر للجيش على مقربة من البوابة. 

ومع استمرار الانتظار، كانت حالة سجود تتدهور.

ويتابع طوافشة: “بسبب هذه المماطلة وصلت الشابة سجود إلى المستشفى في رام الله وكانت قد توفيت”.

لم تكن سجود مجرد اسم في خبر عاجل. كانت خريجة جامعة بيرزيت، وزوجة وأم لطفلين هما محمد وسلا. خلفت وراءها عائلة مفجوعة وبلدة كاملة استقبلت خبر رحيلها بصدمة كبيرة.

في مساء اليوم التالي، شيّع أهالي سنجل ابنتهم الشابة إلى مثواها الأخير. خيم الحزن على البلدة، فيما امتلأت صفحات التواصل الاجتماعي بصورها ورسائل النعي التي استحضرت سيرتها وحضورها بين أهلها وأصدقائها.

لكن قصة سجود لم تكن الأولى.

قبل نحو شهر، وفي مشهد يكاد يتكرر بتفاصيل مختلفة، كانت عائلة الرضيع أحمد معروف زيد تحاول إنقاذ طفلها البالغ من العمر أربعة أشهر من قرية دير عمار غرب رام الله.

كان الطفل بحاجة إلى الوصول السريع إلى المستشفى الاستشاري العربي شمال رام الله. غير أن الطريق الرئيسي المؤدي إلى المدينة كان مغلقًا ببوابة حديدية وحاجز عسكري.

يقول رئيس مجلس قروي دير عمار بكر جهاد موسى إن عائلة الطفل كانت تعتزم نقله من سيارة إلى مركبة إسعاف على الجهة الأخرى من البوابة المقامة على مدخل القرية، “إلا أن قوات الاحتلال منعت ذلك، ما أدى إلى وفاته لاحقًا”.

ويشير موسى إلى أن المدخل الرئيسي للقرية مغلق بشكل كامل منذ أربعة أشهر، فيما يضطر السكان إلى استخدام طرق بديلة وعرة وطويلة. ويضيف: “نضطر في الحالات الضرورية إلى التنقل من سيارة إلى أخرى عند المرور عبر البوابة المقامة على المدخل الرئيسي للقرية”.

وفي حالة أحمد، لم يكن هناك متسع من الوقت لمثل هذه الإجراءات. أكثر من ساعة مرت بينما كانت العائلة تحاول الوصول إلى العلاج، قبل أن يعلن الأطباء في المستشفى الاستشاري العربي وفاة الرضيع بعد وصوله.

ويؤكد موسى أن المسافة الطبيعية بين دير عمار ورام الله لا تتجاوز 16 كيلومترًا، لكنها أصبحت تتجاوز 70 كيلومترًا بسبب الإغلاقات المتواصلة. كما يلفت إلى أن المراكز الصحية في القرية ذات إمكانات محدودة، وأن هناك جهودًا بالشراكة مع وزارة الصحة ورجل أعمال لإنشاء مركز طوارئ للتعامل مع الحالات العاجلة.

بين سجود أم الطفلين، وأحمد الذي لم يكمل شهره الرابع، تتجسد مأساة تتجاوز الأرقام والإحصاءات.

في الحالتين، كانت هناك عائلات تتمسك بالأمل حتى اللحظة الأخيرة. وكان الطريق إلى المستشفى أقصر من رحلة الانتظار. وفي الحالتين، انتهت القصة بخبر وفاة بدلًا من خبر نجاة.

اليوم، لا يتذكر أهالي سنجل ودير عمار أسماء الضحايا فقط، بل يتذكرون تلك الدقائق الثقيلة التي مرت على أبواب مغلقة، فيما كانت حياة كاملة معلقة خلفها.

ففي منزل بسنجِل ينتظر طفلان أمهما التي لن تعود، وفي دير عمار تحتفظ عائلة بصورة رضيع لم يُمنح الوقت الكافي ليكبر. وبين القصتين يبقى سؤال موجع يتردد في أذهان كثيرين: كم حياة أخرى يمكن أن يغيّر مصيرها طريق مفتوح في الوقت المناسب؟

وبحسب معطيات رسمية فلسطينية، فقد ارتفع عدد البوابات الحديدية والحواجز والمداخل المغلقة بسواتر ترابية ومكعبات إسمنتية منذ بدء حرب الإبادة على قطاع غزة، إلى نحو ألف عائق منتشرة في مختلف مناطق الضفة الغربية.

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة


جميع حقوق النشر محفوظة - بالغراف © 2025

الرئيسيةقصةجريدةتلفزيوناذاعةحكي مدني