إخلاص صوالحة
ادخلتني الصدفة إلى المسرح، بعد أن طرقت أبواب الأمنيات بوابل من الخيالات أنني في المجال، أحببت المسرح بصمت في الطفولة، ولم يسعني دراسته، فلا سبيل لذلك، وإن كان قيد الظرف قد حرمني حلم الطفولة، فإن ظرف الأسر قد منحني هذه الفرصة.
من المعلوم أن التغذية في أي مجال فني، والمتابعة، هي من أهم وسائل التطور، ومن هنا أتى اهتمامي بالمسرح بشكل أكاديمي، ومن هنا كان سؤالي الفضولي يعصف دائمًا، إلى أن أين أذهب، ماذا أشاهد، ما التالي، لينصحني أستاذي موسى نزال بجملة صريحة” ما تفوتي أي عرض لعامر حليحل، أنا كل مرة بعرض فيها طه رح أحضره “.
عامر حليحل، فنان فلسطيني مسرحي، يسكن بالداخل الفلسطيني المحتل وهذا أول الربط بيننا، أول لقاء كان مع عامر عندما حضرت فيلمه “حمى البحر المتوسط” والذي ذكره معلمنا غسان نداف عدة مرات خلال عملنا سويا، تسلب الشاشة من الإنسان جل روحه، لا يشبه الحضور جسدًا وصوتها روحًا وقلبًا حضورًا آخر، بالرغم من هذا وبسبب هذا الفلم قررت أن أنتظر فرصة قدوم حليحل إلى رام الله.
وهو ما كان عندما أعلن عن مسرحية (أنا من هناك) يوم الخميس في مسرح بلدية رام الله بتاريخ ٩-٧-٢٠٢٦.
وشاء التدبير بأن ألتقي بحليل بصدقة ربانبة عجيبة، خلال حوارية لم أكن أعلم بها أصلًا، حول العمل الفني في الإبادة، وأعتقد أنه من الحظ أن تحظى بخبرات فنية كبيرة، ليس على الخشبة فحسب، بل في مجلس حواري ثقافي، يشرح جزءًا من كينونة الفنان ذاته، أنت بالنهاية من الجمهور، ولكنك أيضًا ابن المجال فتفضي بذلك كطالب يتعلم الفكرة، ويتعلم طريقة طرحها.
أول الحضور إذن؟! يقول عامر عندما دخلت المسرح قبل الآخرين من شدة الحماس، فهي فطرة في نفسي رويت له أنني تمنيت لقاءه وشاء القدر ذلك، والتقطت صورة وإياه دون أن أدرك، الآن أنا في حضرة من سأطلق عليه ربيب العمل المسرحي في البلاد.
إلى العرض الذي فتح عامر حليحل باب مسرحه لجمهوره بنفسه، في دلالة واضحة لكسر أي حاجز مع الجمهور، لتصل الرسالة بهذه الحركة، هذا العمل من قلوبكم وإلى قلوبكم، و كان هذا عين الحقيقة، تخبطت مشاعري ومشاعر الحضور، عدت بالذاكرة، إلى محطات كثيرة، إلى أماكن تشبه بعضها البعض، ذاك الباب الكبير في قريته كان في منزل أهلي، اهرب إليه حيث الخوف، وتحمي والدة عامر به طفلها الصغير من صوت القصف والدمار.
أي منحى يمكنني رسمه في توفر المشاعر الذي خلقه حليحل في عمله، دون أي جهد كبير في المؤثرات الصوتية أو الإضاءة، لم تهمني هذه المحسنات في عرضك يا أخي، بل كانت الكلمة والقصيدة، وتلك النبرة العميق تجز في قاع روحي جزًا، فجزاك الله كل خير عن كمية الجمال الفني الذي استشعرته بعملك.
الشعر محطة لا تنفصل عن عامر حليحل وهذا ما رأيته جليًا في العرض، وأي شعر أعظم من قول العرعير ” إن كنت لا بد أن أموت، فلا بد أن تعيش أنت لتروي حكايتي” فتفتت قلبي بها يا حليحل هذه الكلمات هي آخر ما حفظته عن عزيزي الراحل حمزة العقرباوي حتى ظننت أنها لحمزة، ذابت الفكرة في العقرباوي ذوبًا، وبات الصمت أكثر ما يخيفني أن أصمت فلا أروي حكاية حمزة، حاملًا لهم البلاد، وحكاية الآلاف ممن رحلوا، ولم يرحل أثرهم، كان هذا المقال ذروة في العرض، لا زلت حتى اللحظة أبكي عليها، أخشى منها، وأشكر صاحبنا إذ ذكرني بها وإن لم أنسها البتة، وإن لم ينسها عامر البتة، يا أخي أتعلم أحدًا يشكر من يفتفت فؤاده، نعم أنا فاعلة!! شكرًا على جرعة من حزن لم تصنعه أنت، بل أمطت اللثام عما أخفيته في نفسي.
انتهى العرض، انتهى بدموع كثيرة، خرجت واضعة لسماعتي، أسمع قصيدة من قصائد الوطن، أمشي وحيدة في شارع رام الله المظلم، حتى ظن أحدهم أني في حالة من سكر، يسكرني الحزن يا هذا، ليس كما تعتقد!! أمشي تاركة قلبي ورائي هناك، أنا لم أخبرك يا أخي أني أيضًا من هناك، وعلى كرت اللجوء كتبوا أنني من حيفا، أخفيتها عن كثر، لا أعلم لماذا، وإلى فراشي باكية نمت، حتى في المنام زارني غريب، يواسيني فأخذني معه لطريق لا أعرفه، حتى رأيت في المنام لأول مرة منذ أن ولدت البحر، أنا من هنا، أنا من حيفا، وهذا البحر لي، حتى لو لم أره إلا هذه المرة، أول مرة في حلمي و واقعي لامسني البحر، وكأنه يرضى اليوم أن أقول أني من هناك، من البحر أتوا أجدادي، شكرًا يا أخي لأنك أتيت وأخبرتني أنك أيضًا من هناك، لأسامح نفسي على كل نكران للأصل، بالرغم من أنفي أنكرت، لكني الآن أحب البحر أحب حيفا أحب أنني من هناك.




