loading

طوابير طويلة عند المحطات.. لماذا لا يوجد وقود في الضفة الغربية؟

محمد عبد الله

“وين في بنزين؟” و”وين في سولار؟” أصبحتا من أكثر العبارات تداولًا بين المواطنين في الضفة الغربية خلال الأيام الأخيرة، في ظل مشهد غير مألوف لطوابير طويلة من المركبات أمام محطات الوقود، امتدت في بعض المواقع لمسافات قاربت الكيلومتر، وسط حالة من القلق والخوف من نفاد الكميات المتوفرة.

ومع تزايد التساؤلات حول أسباب الأزمة، وتضارب الروايات بين المواطنين، برز سؤال رئيسي يفرض نفسه على الشارع الفلسطيني: لماذا لا يوجد وقود في الضفة الغربية؟

مشاهد ازدحام غير مسبوقة

في مختلف محافظات الضفة الغربية، اصطف المواطنون لساعات طويلة أمام محطات الوقود أملًا بالحصول على كميات تكفي احتياجاتهم اليومية. 

وتداول مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي عشرات المنشورات التي تبحث عن محطات يتوفر فيها الوقود، فيما تحولت بعض الصفحات إلى منصات لتبادل المعلومات بين المواطنين حول أماكن توفر البنزين والسولار.

هذه الحالة من التهافت تسببت أحيانًا بمشاحنات ومشاجرات بين السائقين بسبب الخلاف على أدوار التعبئة أو الخشية من نفاد الوقود قبل الوصول إلى المضخة، ما عكس حجم القلق السائد في الشارع.

نقابة أصحاب المحطات: نقص التوريد أحد الأسباب الرئيسية

عضو نقابة أصحاب محطات الوقود غالب التلبيشي أوضح أن الأزمة الحالية ليست ناتجة عن سبب واحد، بل عن مجموعة عوامل تراكمت خلال الأيام الماضية.

وبحسب التلبيشي في تعقيب لموقع “بالغراف”، فإن يوم 14 من الشهر الجاري شهد توقفًا كاملًا في دخول شحنات الوقود إلى الضفة الغربية، فيما وصلت خلال اليومين التاليين الأربعاء والخميس كميات تقل كثيرًا عن الاحتياج الفعلي للسوق الفلسطيني، وتصل لنحو نصف الكمية المطلوبة.

وأشار إلى أن أيام الجمعة والسبت شهدت أيضًا توقفًا في التوريد نتيجة العطلة لدى الجانب الإسرائيلي، موضحًا أن الكميات التي تصل عادة في يومي الجمعة والسبت تكون قليلة.

وأضاف أن هيئة البترول الفلسطينية تكون قد رتبت لاستقبال عشرات الشاحنات عبر المعابر المخصصة ترقوميا وبيتونيا، إلا أن ما يصل فعليًا يكون أقل بكثير من الكميات المطلوبة، الأمر الذي ينعكس مباشرة على مخزون المحطات وقدرتها على تلبية الطلب المتزايد.

من بين الأسباب التي يطرحها أصحاب المحطات أيضًا استمرار أزمة فائض الشيكل المتراكم في السوق الفلسطينية.

فمنذ فترة طويلة تعاني البنوك الفلسطينية من صعوبات في تحويل فائض العملة الإسرائيلية إلى البنوك الإسرائيلية، الأمر الذي أدى إلى تكدس كميات كبيرة من الشيكل داخل الجهاز المصرفي الفلسطيني.

ويؤكد العاملون في قطاع المحروقات- بحسب التلبيشي، أن هذه المشكلة تؤثر على عمليات الدفع والتحويل المرتبطة باستيراد الوقود، ما يضيف تحديًا جديدًا أمام استمرار تدفق المحروقات بالكميات المطلوبة إلى السوق الفلسطينية.

السبب الأخير لنقص الوقود، الذي أتى على ذكره التلبيشي، أننا في فلسطين جزء من المنظومة العالمية وما يجري في منطقة الخليج وإغلاق مضيق هرمز والحرب الدائرة انعكس علينا، ودفع الناس للتخوفات وإلى تخزين كميات من الوقود فوق حاجتها.

وزارة المالية: التوريد مستمر يوميًا

في المقابل، تؤكد وزارة المالية الفلسطينية ممثلة بالهيئة العامة للبترول أن توريد المحروقات إلى السوق الفلسطينية لم يتوقف، وأن الشحنات ما تزال تدخل بشكل يومي.

وقالت الهيئة في بيان رسمي إن التحديات التي ظهرت خلال الأيام الأخيرة ترتبط بمجموعة من العوامل المتزامنة، من بينها المخاوف المرتبطة بإمكانية تجدد الصراع الإقليمي، إضافة إلى التداعيات المتراكمة لأزمة تحويل الشيكل من المصارف الفلسطينية إلى البنوك الإسرائيلية.

وأشارت الهيئة إلى أنها تعمل على إجراءات وتدخلات متزامنة تهدف إلى زيادة كميات التوريد خلال الأيام المقبلة بما يضمن الاستجابة الكاملة لاحتياجات المواطنين، داعية الجمهور إلى عدم التهافت على محطات الوقود واستقاء المعلومات من المصادر الرسمية فقط.

هل ساهمت المخاوف الإقليمية في تفاقم الأزمة؟

يرى مختصون في القطاع أن العامل النفسي لعب دورًا مهمًا في تعميق الأزمة الحالية.

فمع تصاعد التوترات الإقليمية خلال الأسابيع الماضية وما رافقها من مخاوف تتعلق بإمدادات الطاقة العالمية وإغلاق بعض الممرات البحرية الحيوية، اتجه عدد كبير من المواطنين إلى تعبئة مركباتهم بكميات أكبر من المعتاد، فيما عمد آخرون إلى محاولة تخزين الوقود تحسبًا لأي تطورات مستقبلية.

هذا السلوك الاستهلاكي أدى إلى ارتفاع مفاجئ في الطلب خلال فترة قصيرة، الأمر الذي زاد الضغط على المحطات والمخزون المتوفر لديها.

جمعية حماية المستهلك: الأزمة نتيجة غياب الحلول طويلة الأمد

من جهتها، اعتبرت جمعية حماية المستهلك الفلسطيني أن الأزمة الحالية تعكس مشكلات هيكلية أعمق في إدارة ملف المحروقات.

وقال رئيس الجمعية صلاح هنية إن الأزمة كشفت الحاجة إلى حلول استراتيجية طويلة الأمد، وعلى رأسها زيادة السعة التخزينية للهيئة العامة للبترول، بما يضمن وجود مخزون كافٍ للتعامل مع أي طارئ أو تأخير في عمليات التوريد.

وأكدت الجمعية أنها تلقت عشرات الشكاوى من المواطنين تركزت حول ساعات الانتظار الطويلة، ونفاد الوقود قبل وصول الدور إلى العديد من السائقين، إضافة إلى شكاوى تتعلق بغياب معايير واضحة لتنظيم عملية التعبئة.

ودعت الجمعية إلى تشكيل فريق وطني متخصص لمتابعة ملف المحروقات ووضع حلول عملية تمنع تكرار الأزمة مستقبلًا.

تحذيرات من التخزين العشوائي

وفي ظل محاولات بعض المواطنين تخزين الوقود، أصدر الدفاع المدني الفلسطيني تحذيرًا شديد اللهجة بشأن تعبئة الوقود في عبوات بلاستيكية أو معدنية وتخزينه داخل المنازل أو المركبات.

وأكد الدفاع المدني أن الوقود مادة شديدة الاشتعال، وأن تخزينها في أماكن غير مهيأة يشكل خطرًا مباشرًا على الأرواح والممتلكات، خصوصًا في ظل ارتفاع درجات الحرارة.

كما شدد على منع محطات الوقود من تعبئة أي وقود خارج خزانات المركبات، متوعدًا المخالفين بإجراءات قانونية قد تصل إلى الإغلاق الفوري.

أزمة متعددة الأسباب

في المحصلة، يبدو أن أزمة الوقود الحالية في الضفة الغربية ليست نتيجة انقطاع كامل للإمدادات، بل هي حصيلة مجموعة من العوامل المتداخلة، تشمل انخفاض كميات التوريد مقارنة بالاحتياجات الفعلية، وأزمة فائض الشيكل، والمخاوف الإقليمية التي دفعت المواطنين إلى زيادة الطلب والتخزين، إلى جانب محدودية القدرة التخزينية المتاحة.

وبينما تؤكد الجهات الرسمية استمرار التوريد والعمل على زيادة الكميات خلال الأيام المقبلة، يبقى المواطن الفلسطيني بانتظار انفراج الأزمة وعودة المشهد الطبيعي إلى محطات الوقود، بعدما تحولت الطوابير الطويلة إلى أحد أبرز مشاهد الحياة اليومية في مختلف محافظات الضفة الغربية.

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة


جميع حقوق النشر محفوظة - بالغراف © 2025

الرئيسيةقصةجريدةتلفزيوناذاعةحكي مدني