loading

“الأوديسة”… ما بين ظاهرة “نولان”… ونموذج “ماسك”

عمار جمهور

رافق عرض فيلم “الأوديسة” للمخرج البريطاني الأميركي كريستوفر نولان نقاش واسع وجدل عميق، فالفيلم الذي تجاوزت ميزانيته 150 مليون دولار، حقق حتى الآن أكثر من 650 مليون دولار أميركي، ويعتبر من أنجح أفلام العام 2026 ومن أنجح أعمال المخرج “نولان”، ومن ميزات هذا العمل الضخم أن المخرج اعتمد على المزج بين المشاهد العملية والمؤثرات البصرية المحدودة.

 وضم طاقمًا تمثيليًا قويًا كمات ديمون بطل الملحمة بدور “أوديسيوس”، وتوم هولاند ابن أوديسيوس “تيليماخوس” وآن هاثاواي زوجة أوديسيوس “بينيلوبي” وغيرهم، كما اعتمد في تصويره على تقنيةImax “، ما يمنح المشاهد تجربة استثنائية خاصة في دور العرض المجهزة بهذه التقنية. 

لم تتسن لي مشاهدة الفيلم على شاشات السينما لأستمتع بجمالية هذا العمل كتجربة استثنائية وفريدة، وإنما شاهدته بجودة رديئة جدًا، وما دفعني لكتابة هذا المقال ليس شغفي وحبي للسينما فقط، وإنما لأسباب عديدة ومتنوعة، لا سيما توقيت العرض والموازنة الضخمة والتسويق والجدل والنقد بشأنه وحوله، والتقنيات التي وظفها نولان لهذا الفيلم. بالإضافة إلى أهمية الغوص في خبايا القصة وخفاياها، وما الذي دفع أسطورة قديمة ونصوصا متروكة في كتب مركونة في زوايا المكتبات إلى “ترند” عالمي عابر للقارات يهز زوايا عصر الذكاء الاصطناعي والرقمي.

في الواقع نولان لا يمتلك هاتفًا ذكيًا ولا يفتح بريدًا إلكترونيًا وإنما تتم طباعة البريد ويتعامل معه ورقيًا، وهذا ما قاله في حلقة من برنامج Minute 60 ، تحدث فيه عن مسيرته ورؤيته الإخراجية المرتكزة على التصوير العملي للمشاهد، والتي تمت في كل من اليونان، وإيطاليا، والمغرب، وآيسلندا، وإسكتلندا.

 فتصوير الفيلم في أكثر من بلد له دلالات تتجاوز الجانب الإنتاجي، فهو مرتبط بطبيعة الملحمة نفسها التي تقوم على الرحلة والانتقال واكتشاف عوالم مختلفة، ولإعادة بناء عالم أوديسيوس بصورة واقعية، وإن القصة ليست قصة يونانية بل قصة إنسانية عالمية، ولخلق تداخل بين التاريخ والأسطورة، فالمكان يصبح علامة أو هوية ثقافية تحمل طبقات من المعنى. واستنادا إلى المنظور السيميائي في تحليل الأفلام السينمائية فقد تمكن نولان من إعادة بناء الأسطورة لإنتاج دلالات جديدة ومبتكرة حول الإنسان والهوية.  

الجميل في هذا الفيلم أنه يدفع المشاهد للرجوع إلى معرفة حقيقة الأسطورة  التي تمت إعادة إحيائها وإنتاجها بعد أكثر من 2500 عام، وهي عبارة عن ملحمة شعرية نظمها الشاعر الإغريقي “هوميروس” وهي تعد استكمالًا لملحمته الشهير “الإلياذة”، فهذه النصوص التي نسجت في ظلمات العصور الفانية، تضمنت كمًّا هائلًا من الخرافات والشطحات والتأملات المستوحاة من الوثنية، دفعت الإنسان حينها إلى تفسير قوى الطبيعة من خلالها، وحين نغرق في هذا الإطار والغلاف الأسطوري، نكتشف أن هناك حكاية إنسانية معقدة ومتداخلة ومتشابكة تتمحور حول مجالد يدعى “أوديسيوس” ملك جزيرة إيثاكا. وما واجهه من أهوال في طريق عودته، إلى وطنه، وصراعه مع البحر وأهواله، قبل وصوله إلى زوجته المخلصة “بينيلوبي” وابنهما “تيليماخوس”. 

وبالعودة إلى الملحة المكتوبة في التاريخ الأدبي يتكشف لنا وجه مظلم وغامض، فالبنية الأدبية للملحمة تقوم على 3 خطوط سردية متشابكة ومتداخلة، قصة الابن الذي يسعى لمعرفة مصير والده المفقود، وقصة الزوجة التي تقاوم دعوات الزواج، وقصة “أوديسيوس”، ورحلته المصيرية المتعبة والشاقة، لنكتشف الفرق البنيوي بينه وبين رواد عصره، فإذا كان أخيل يمثل القوة الغاشمة والسعي للمجد، فإن “أوديسيوس” اعتبر بطلًا واقعيًا، كان جل هدفه هو البقاء حيا والعودة لوطنه، لكن محاولته لم تكن خالية من الآثام، ولم يكن مجرد ضحية للظروف، بل كان داهية صاحب فكرة حصان “طروادة”، الحصان الخشبي الضخم الذي أدخل إلى المدينة على اعتبار أنه هدية ورمز للمحبة والسلام، ليخرج منه المحاربون في كنف الليل، ويفتحوا أبواب طروادة، ويحرقوا المدينة بالكامل، ويبيدوا شعبها. 

واستغرقت رحلة العودة البحرية 10 سنوات، كانت محفوفة بالمخاطر وبسلسلة طويلة من الكوارث، الناتجة عن غروره، وتضحياته الصارخة برجاله من مواجهة العملاق “بوليفيموس”، حيث خسر بعض رجاله، بسب الفضول، ثم مأساة كيس الرياح الذي فتحه طاقمه لجشعهم وظنهم أنه مليء بالذهب، وصولا إلى أرض آكلي “اللوتس”، والاستسلام للإدمان والهروب من الواقع. 

واعتبر “أوديسيوس” بطلًا أنانيًا وقاسيًا حين وصل أخيرًا إلى موطنه “ثاكا” متخفيًا لم تكن نهايته ملحمية بالمعنى النبيل، بل أقام مجزرة دموية مرعبة داخل قصره، حيث أغلق الأبواب، وقتل 180 رجل ممن تقدموا للزواج من زوجته في غيابه، في الحقيقة، كان “أوديسيوس” الحقيقي شخصية رمادية، دهاؤه يسبق رحمته وعقله يسبق أخلاقه. 

انطلق المخرج نولان من حقيقة تاريخية ونفسية مرعبة، فالبشر قديمًا كانوا يفسرون العواصف والزلازل والظواهر الطبيعية القاسية على أنها غضب من قوى مجهولة، وبالنسبة لأوديسيوس نفسه، فكل ما واجهه في رحلته البحرية من وحوش وأصوات ورموز لم يكن سوى هلاوس وأوهام وكوابيس نفسية حادة. فالبطل الذي أداه “مديم” ليس محاربًا أسطوريًا يحارب الوحوش بل هو إنسان محطم داخليًا يسقط تحت وطأة اضطراب ما بعد الصدمة، تطارده دماء الضحايا في طروادة وتأكله عقدة الذنب بعد أن شارك في ذبح الأبرياء وغدر بالمضيفين، حتى الرموز التي كانت تحميه قديمًا لم تعد سوى أطياف وانعكاسات نابعة من عقله الباطن، مجرد صدى لندمه العميق. 

كما قلب نولان القواعد حتى مع زوجته التي تحولت من مجرد امرأة تنتظر في الظل إلى قائدة مبادرة تخوض حربًا سياسية لحماية عرش ابنها “تيليماخوس”. والأخطر من ذلك كله، هو السبب الحقيقي وراء تيه “أوديسيوس” في البحر. “نولان”، لم يجعله ضحية لغضب خرافي بل جعل تيهه عقابا إنسانيًا وأخلاقيًا صارمًا، لأنه خالف المفهوم الإغريقي الأشهر، وهو قانون حق الضيافة وإغاثة الغريب.

 وعندما استخدم “أوديسيوس” الحصان الخشبي كهدية ضيافة مزيفة ليغدر بأهل طروادة ويستبيح مدينتهم، فتح على نفسه أبواب الجحيم النفسي. وهنا يوجه نولان ضربة سينمائية مشفرة وذكية، وإسقاطًا بليغًا يصرخ في وجه عالمنا اليوم. ونقدًا لا يرحم لمرارة الحروب المعاصرة والغدر السياسي وقسوة العالم في التعامل مع اللاجئين المشردين والمضطهدين. 

الزلزال السينمائي الذي فجره نولان لم يمر بسلام وبدون تحديات، فخلف هذا البريق السينمائي الهوليودي، والملايين التي انهالت على شباك التذاكر، اندلعت مواجهة سرية وحرب حادة، وصراع نقدي، كادت تعصف بفيلم نولان. والهجوم الشرس لم يأت من الجمهور، بل أتى من قلب البيت الأدبي للملحمة، فالمترجمة الشهيرة “إملي ويلسون” الذي اعتمد نولان على نصها بالأساس، أصدرت تصريحات نارية اربكت جماهير الفيلم، كما طرحت المؤرخة البارزة “مارب بيرد” سؤالًا جوهريًا بشأن إفراغ نولان القصة من كل لحظات الدعابة والطرافة، ليحولها إلى عمل كئيب ومتجهم الى هذا الحد. وعلى المستوى الفني، فديكورات طروادة بدت نسخة مكررة من “إيثاكا”، وأداء بعض المشاهد القتالية كان مشدودًا وباردًا يفقد حرارة وروح المقاتل الإغريقي الحقيقي. 

 ومع ذلك فالشرارة التي أشعلت الجدل عالميًا، قرار المليادير الأميركي “إيلون ماسك” عندما قرر الدخول على خط الأزمة، حيث شن هجومًا كاسحًا على منصة “إكس” متسائلًا، لماذا يصر نولان على العبث بالهوية التاريخية للشخصيات؟ واختيار ممثلة سوداء “لوبيتا نيونغو” في دور “هيلين” لمجرد إرضاء المعايير الهوليوودية الحديثة. وأعلن أنه سيتحدى نولان بنفسه، وأنه سيصنع فيلمًا عن “الادويسة” باستخدام الذكاء الاصطناعي عبر نموذج “جروك”، ليكون الفيلم الوحيد المطابق للتاريخ كما يدعي.

 وهنا يبدأ الصراع الحقيقي بين ماسك ونولان، والمتمثل بما يعرف بمفهوم “الاستيقاظ الثقافي”، فماسك يرى أن بعض أفلام هوليوود باتت تخضع لضغوط سياسية مرتبطة بالتنوع والشمول، فيما يرى هولان أن اختيار الممثلين يمكن أن يخدم رؤية الفيلم والرمزية الإنسانية للعمل.

 ويبرز السؤال الجوهري هل يحدد مستقبل السينما المخرجون الحقيقيون أم تقنيات الذكاء الاصطناعي؟ فتصريحات “ماسك” فجرت الشارع الرقمي، وعمت سخرية عارمة وتساؤلات لا تتوقف، كيف لملياردير التكنولوجيا أن يتحدث عن طابقية تاريخية لقصة خيالية بالكامل صاغها الشعراء عن الآلهة والوحوش؟ وهل يدرك “ماسك” ما يحاول التحدي به؟ 

في الواقع سقط ماسك في فخ الأسطورة بنفسه وخاصة بعد انتعاشة الكتب وظاهرة تأثير “نولان” العالمية، فالسر الأعظم لم يكن داخل صالات السينما، وإنما في الشارع الثقافي، وشيء غريب وغير متوقع رافق عرض الفيلم، واعتبرت ظاهرة أطلق عليها نقاد الفيلم اسم “تأثير نولان”، فكيف لفيلم سينمائي مدته حوالي 3 ساعات أن يدفع الجماهير إلى نبش أمهات الكتب القديمة؟ ففي بريطانيا ارتفعت مبيعات الملحمة الورقية. والمكتبات الكبرى “واتر ستونز” وجدت نفسها أمام لغز لم تعهده، والجمهور يطارد ترجمة “اميلي ويلسون” تحديدًا، كما طاردت الجماهير النسخة الصوتية بصوت “ستيفن براي”، واخترقت قائمة الأعلى تحميلًا على “سبوتفاي”ـ فيما اكتسحت نسخة “ايان ماكلان” القوائم الأميركية.

 والسؤال، هل يعقل أن فيلم “نولان” لم يرض فضول الجماهير أم ترك في عقولهم فجوة وأسرارًا لم تشبعها الشاشة؟ فخرج الجميع يبحثون عن الحقيقة في بطون الكتب؟ فبين تحليل نفسي عميق وجريء فكك أسطورة “نولان”، ونقد ملتهب من كبار المؤرخين والنقاد الفنيين والسينمائيين، وسجال مشتعل يقوده “ماسك” بتقنيات الذكاء الاصطناعي، وصولًا إلى إقبال على شراء الكتب في الشوارع والمكتبات شكل حديث الرأي العام العالمي في ظاهرة منقطعة النظير. 

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة


جميع حقوق النشر محفوظة - بالغراف © 2025

الرئيسيةقصةجريدةتلفزيوناذاعةحكي مدني