هيئة التحرير
رغم التوسع المتسارع في خدمات الألياف الضوئية (الفايبر) في فلسطين خلال السنوات الأخيرة، وما رافقه من ارتفاع ملحوظ في سرعات الإنترنت الثابت، ما يزال الجدل قائمًا حول مدى انعكاس هذا التطور التقني على تجربة المستخدم الفعلية. فبينما تروّج شركات الاتصالات لسرعات عالية تصل إلى مئات الميغابايت في الثانية، يؤكد مختصون أن جودة الإنترنت لا تُقاس بالسرعة وحدها، بل بمجموعة من العوامل التقنية والاقتصادية والبنيوية التي ما تزال تشكل تحديات حقيقية أمام المستخدم الفلسطيني.
وفي هذا السياق، أوضح الدكتور واصل غانم، الأستاذ المتخصص في التكنولوجيا والحاسوب في جامعة بيرزيت، أن إطلاق شركة الاتصالات الفلسطينية _ جوال” خدمة “جوال فايبر” عام 2022 بسرعات تبدأ من 100 وتصل إلى الجيجا بايت في الثانية، إلى جانب دخول شركات محلية أصغر إلى سوق الاستثمار في الألياف الضوئية المنزلية (FTTH)، دفع كثيرين للاعتقاد بأن مشكلة الإنترنت في فلسطين باتت على وشك الانتهاء. غير أن السؤال الأهم، بحسب غانم، ليس حجم السرعة المعلنة، وإنما ما إذا كانت هذه السرعة كافية وحدها لضمان تجربة إنترنت أفضل فعليًا.
وأشار غانم في حوار خاص مع “بالغراف” إلى أن الإجابة عن هذا السؤال هي “لا”، موضحًا أن هناك مجموعة من الإشكاليات التي تحد من الاستفادة الكاملة من هذه الخدمات، وفي مقدمتها مسألة التغطية غير المتكافئة.
وبيّن أن شبكة الفايبر، وبعد سنوات من إطلاقها لا تزال الجهود تبذل من أجل التوسع في شبكتها، حيث تواصل شركة الاتصالات الفلسطينية _ جوال الاستثمار في توسيع شبكة الألياف الضوئية لتوفير خدمات إنترنت عالية السرعة في مختلف المحافظات، مع إعطاء الأولوية للتوسع التدريجي وفق الإمكانات المتاحة. وتواجه مشاريع التوسع في بعض المناطق تحديات تنظيمية ولوجستية، من بينها القيود على استيراد معدات الاتصالات وإجراءات الحصول على التصاريح اللازمة لمد الشبكات، ما ينعكس على سرعة تنفيذها.
وأضاف أن البنية التحتية الفلسطينية للاتصالات، رغم وجود شبكات الفايبر محليًا، ما تزال مرتبطة ببوابات دولية وروابط تمر عبر شركات إسرائيلية، بحكم ترتيبات ملحقة باتفاقيات أوسلو تقيّد سعة الوصلات المخصصة لشركات الاتصالات الفلسطينية. ولفت إلى أن ذلك يعني أن سرعة “الجيجا بايت” داخل الحي السكني قد لا تنعكس بالضرورة على جودة تصفح المواقع الدولية أو على جودة مكالمات الفيديو، لأن عنق الزجاجة قد يكون خارج الشبكة المحلية بالكامل، وفي نقطة لا تمتلك الشركة الفلسطينية سيطرة كاملة عليها.
وتطرق غانم إلى عامل آخر لا يقل أهمية، يتمثل في الاستقرار الكهربائي والتشغيلي، موضحًا أن شبكات الألياف الضوئية تعتمد على معدات تشغيل ونقل ومعدات إلكترونية تحتاج إلى مصدر كهربائي مستقر لضمان استمرارية الخدمة. ويختلف واقع الفايبر بين الضفة الغربية وقطاع غزة؛ ففي الوقت الذي شهدت فيه الضفة توسعًا أكبر في خدمات الألياف الضوئية للمنازل (FTTH)، بقي انتشار هذه الخدمات في قطاع غزة محدودًا، رغم وجود ألياف ضوئية ضمن البنية التحتية الرئيسية للاتصالات ومسارات الربط. ومع الحرب الأخيرة، تعرضت أجزاء من هذه البنية لأضرار وانقطاعات، ما أثر على استمرارية خدمات الإنترنت والاتصالات في القطاع.
وفيما يتعلق بالمؤشرات العالمية، أشار غانم إلى أن تحسن ترتيب فلسطين في مؤشرات قياس سرعة الإنترنت الثابت، مثل مؤشر “أوكلا”، خلال السنوات الأخيرة، يعكس التطور الفعلي في خدمات الألياف الضوئية. وأوضح في الوقت نفسه أن هذه المؤشرات تستند إلى أداء المشتركين المتصلين بالشبكة، في وقت ما تزال فيه خدمات الألياف الضوئية في مراحل التوسع والانتشار، الأمر الذي قد يجعل نتائج المؤشرات تعكس أداء المناطق التي وصلت إليها الخدمة بدرجة أكبر من المناطق التي لا تزال قيد التوسع.
كما لفت إلى أن الكلفة تمثل أحد العوامل المؤثرة في قرارات المستخدمين المتعلقة بخدمات الفايبر، إذ تلعب القدرة الشرائية دورًا مهمًا في اختيار سرعة وحجم الحزمة المناسبة لكل أسرة. وفي ظل الظروف الاقتصادية الحالية، يفضل بعض المستخدمين الاشتراك بالحزم التي تتناسب مع احتياجاتهم وإمكاناتهم المالية، فيما يواصل آخرون استخدام الخطوط النحاسية التقليدية في المناطق التي تتوفر فيها خدمات الفايبر، إلى حين أن يصبح الانتقال إلى خدمات الفايبر خيارًا أكثر ملاءمة لهم من الناحية الاقتصادية.
وختم غانم بالتأكيد على أن الفايبر يمثل خطوة تقنية مهمة ومطلوبة، وقد أسهم فعليًا في رفع متوسط سرعة الإنترنت الثابت في فلسطين خلال السنوات الأخيرة، إلا أنه لا يكفي وحده لضمان تجربة إنترنت أفضل.
وأوضح أن التجربة الرقمية الحقيقية تتطلب توفير تغطية عادلة بين المدينة والقرية والمخيم، وتعزيز السيادة الفلسطينية على مسارات الاتصال الدولية والمحلية، وتقديم أسعار منصفة تراعي القدرة الشرائية الفعلية للأسر الفلسطينية، إلى جانب السرعات المعلنة.
وشدد على أن السرعة تبقى شرطًا ضروريًا لتحسين الخدمة، لكنها ليست الشرط الكافي لتحقيق تجربة إنترنت متكاملة وعادلة لجميع المشتركين.




