loading

هجمة استيطانية متسارعة في القدس.. مشاريع تطوق المدينة وتخترق أحياءها الفلسطينية

محمد عبد الله

تتسارع وتيرة المشاريع الاستيطانية في مدينة القدس ومحيطها، في وقت تتجه فيه مخططات الاحتلال إلى توسيع المستوطنات القائمة وإنشاء أخرى جديدة داخل الأحياء والبلدات الفلسطينية، في مسعى لتغيير الواقع الديمغرافي والجغرافي للمدينة، وتعزيز الوجود الاستيطاني على حساب الوجود الفلسطيني.

ويرى الخبير في شؤون القدس راسم عبيدات أن المشاريع الاستيطانية الحالية تأتي ضمن مخطط أوسع لتشكيل “أطواق استيطانية” تحيط بالقدس من مختلف الجهات، بالتوازي مع اختراق الأحياء الفلسطينية من الداخل، بما يؤدي إلى تفكيك التواصل الجغرافي بين المدينة ومحيطها الفلسطيني.

ويشير عبيدات في حوار خاص مع “بالغراف” إلى أن هذه المشاريع لا تقتصر على إقامة وحدات سكنية جديدة، بل تشمل أيضًا منشآت ومرافق دينية وتعليمية وشرطية وفنادق ومراكز خدمات، بما يخدم، وفق تقديره، عملية تغيير هوية المدينة وفرض واقع جغرافي وديمغرافي جديد فيها.

وفي شمال القدس، يبرز مخطط إقامة نحو 9 آلاف وحدة استيطانية على أراضي مطار قلنديا، إلى جانب مشروع لإقامة مركز للتراث اليهودي، يرى عبيدات أنه يهدف إلى تعزيز رواية إسرائيلية للمدينة على حساب الرواية الفلسطينية.

ويقول إن منطقة قلنديا تشهد كذلك مشاريع أخرى، من بينها منشأة لمعالجة النفايات الصلبة، والتي يقول إنها ألحقت أضرارًا بالبيئة وتسببت بهدم عشرات المحال التجارية وإزالة مساحات من الأشجار والأراضي، معتبرًا أن هذه المشاريع تسهم في إغلاق البوابة الشمالية للقدس وقطع التواصل بينها وبين رام الله وشمال الضفة الغربية.

أما في الجهة الشرقية، فيأتي مشروع منطقة E1 في مقدمة المشاريع التي تحظى باهتمام كبير، إذ يتحدث عبيدات عن مخطط يتضمن أكثر من 3 آلاف وحدة استيطانية، ويربط القدس بمستوطنة معاليه أدوميم والمستوطنات المحيطة بها. ويعتبر أن تنفيذ هذا المشروع من شأنه تعميق الفصل بين شمال الضفة الغربية وجنوبها، وتعزيز عزل القدس عن محيطها الفلسطيني.

وفي جنوب المدينة، يشير عبيدات إلى سلسلة من المستوطنات المقامة على أراضٍ فلسطينية، والتي يرى أنها تعمل على قطع التواصل بين قرى جنوب القدس ومدن وبلدات جنوب الضفة الغربية، ومنها بيت لحم وبيت جالا وبيت ساحور والخليل.

ولا تتوقف المشاريع عند الأطراف، إذ تتوسع عمليات الاستيطان داخل الأحياء الفلسطينية في القدس نفسها. ففي جبل المكبر، يشير عبيدات إلى مستعمرة “نوف تسيون”، المقامة في قلب الحي، والتي تضم حاليًا نحو 400 وحدة استيطانية، مع مخططات لتوسعتها إلى 500 وحدة، إلى جانب إقامة ثلاثة فنادق على قمة الجبل ونقل مركز شرطة «عوز» إلى منطقة تلة الترمس.

وفي المنطقة الواقعة بين جبل المكبر وصور باهر، يتحدث عبيدات عن مخطط لإقامة نحو 450 وحدة استيطانية في حي أم ليسون والمنطقة الفاصلة بين البلدتين، بما يعزز، وفق تقديره، الفصل بين التجمعات الفلسطينية.

كما أقيمت نحو 120 وحدة استيطانية في حي رأس العامود ضمن مستوطنة «معاليه هزيتيم»، فيما يشير عبيدات إلى مخطط لإقامة مستوطنة جديدة عند مدخل أم طوبا تضم نحو 650 وحدة استيطانية على مساحة 27 دونمًا، وتحمل اسم «نوفي راحيل».

وفي سلوان، تتوزع البؤر والمشاريع الاستيطانية في مناطق بطن الهوى والبستان ووادي الربابة، إلى جانب مشاريع أخرى في رأس العامود، ويقول عبيدات إن الهدف من هذه المشاريع هو إدخال المستوطنين إلى عمق الأحياء الفلسطينية وتحويلها إلى تجمعات متفرقة داخل محيط استيطاني، بما يغير المشهد العمراني والديمغرافي للمنطقة.

ويبرز حي الشيخ جراح كذلك ضمن المشاريع التي تشهد صراعًا على الأرض والمرافق العامة. ووفق عبيدات، تدفع اللجنة اللوائية للتخطيط والبناء باتجاه إقامة مدرسة دينية باسم «أور سمّاح» على مساحة خمسة دونمات في الحي، إلى جانب مساكن للطلبة المتدينين.

ويأتي ذلك في وقت يعاني فيه الشيخ جراح من نقص في المرافق العامة والمدارس، إذ يشير عبيدات إلى وجود عجز يقدر بنحو ألفي غرفة صفية، بينما تقدمت جهات فلسطينية وإسرائيلية بالتماسات ضد المخطط، من بينها جمعية «عير عميم» ولجنة رفاه حي الشيخ جراح وجمعية سيدات أم ليسون، التي طالبت بإقامة مدرسة تخدم سكان الحي.

ويربط عبيدات هذا المخطط بما جرى عام 2022، عندما هدمت السلطات الإسرائيلية منزل محمود صالحية وشقيقته واستولت على المشتل القريب منه، بحجة تخصيص الأرض لإقامة مدارس، معتبرًا أن ما جرى لاحقًا يكشف، من وجهة نظره، عن استخدام مشاريع الخدمات العامة كغطاء لمخططات استيطانية.

وفي قراءة أوسع، يرى عبيدات أن ما يجري في القدس يمثل مسارين متوازيين: الأول يتمثل في إقامة مستوطنات وأحياء استيطانية على شكل أطواق تحيط بالمدينة وتفصلها عن محيطها الفلسطيني، والثاني يتمثل في اختراق الأحياء الفلسطينية من الداخل عبر البؤر والمشاريع الاستيطانية.

وبحسب هذه الرؤية، فإن الهدف النهائي لهذه المشاريع يتجاوز زيادة عدد الوحدات الاستيطانية، ليشمل إعادة تشكيل الجغرافيا والديمغرافيا في القدس، وتغيير هويتها العمرانية والبصرية، وإضعاف التواصل بين أحيائها الفلسطينية ومحيطها في الضفة الغربية، وصولًا إلى فرض واقع جديد على الأرض وتعزيز السيطرة الإسرائيلية على المدينة.

ويحذر عبيدات من أن استمرار هذه المشاريع سيجعل الأحياء والقرى الفلسطينية في القدس أكثر تفككًا، في مقابل توسع عمراني واستيطاني متصل، الأمر الذي يهدد بتحويل الوجود الفلسطيني إلى جيوب منفصلة داخل منظومة استيطانية متنامية تحيط بالمدينة وتتغلغل في أحيائها.

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة


جميع حقوق النشر محفوظة - بالغراف © 2025

الرئيسيةقصةجريدةتلفزيوناذاعةحكي مدني