لين أبو صاع
شكّل ملتقى لمّة صحافة تجربة معرفية ومهنية متقدمة، وأتاح مساحة نوعية للتعلم والتفاعل وتبادل الخبرات في المجال الصحفي والإعلامي، وأسهم في تعزيز مجموعة من المهارات المرتبطة بالممارسة الصحفية الحديثة، ولا سيما في مجالات التفكير النقدي، والتحقق من المعلومات، والبحث الصحفي، وتطوير الأفكار الإعلامية، والتعامل مع القضايا العامة من منظور مهني قائم على الدقة والمسؤولية.
وقد مثّل انضمامي إلى الملتقى فرصة للانتقال من المعرفة النظرية إلى التطبيق العملي، من خلال التعرف إلى آليات العمل الصحفي بصورة أكثر منهجية، وفهم المراحل التي تمر بها الفكرة الصحفية منذ تحديد القضية أو المشكلة، مرورًا بجمع المعلومات والتحقق منها وتحليلها، وصولًا إلى إنتاج محتوى يستند إلى الأدلة والمصادر الموثوقة، وكما ساعدتني التجربة في إدراك أهمية المنهجية في العمل الإعلامي، باعتبارها عنصرًا أساسيًا في رفع جودة المنتج الصحفي وتعزيز مصداقيته وتأثيره في الجمهور.
ومن أبرز ما أضافه لي الملتقى على المستوى الشخصي والمهني، تطوير القدرة على التفكير في القضايا الإعلامية بصورة تحليلية ونقدية، وعدم الاكتفاء بالتناول السطحي للأحداث والمعلومات وكما أسهمت البيئة التدريبية والحوارية التي وفرها الملتقى في تعزيز القدرة على طرح الأسئلة، وتحديد زوايا المعالجة الصحفية، وربط القضايا المحلية بالسياقات الأوسع التي تحيط بها، وبما في ذلك يعزز من قدرة الصحفي على إنتاج محتوى أكثر عمقاً وارتباطاً باحتياجات المجتمع.
وكذلك أسهمت التجربة في تعزيز مهارات البحث والتحقق والتعامل مع المصادر، وهي مهارات أصبحت أكثر أهمية في ظل البيئة الرقمية التي تتسم بسرعة تداول المعلومات وتعدد مصادرها، وما يرافق ذلك من تحديات تتعلق بالمعلومات المضللة والأخبار غير الدقيقة، ومن هذا المنطلق، أتاح الملتقى فهماً أكثر وضوحاً لدور الصحفي في التحقق من المعلومات قبل نشرها، والتمييز بين الرأي والمعلومة، والاعتماد على الأدلة والمعطيات في بناء المادة الصحفية.
وعلى المستوى المهني، لم يقتصر أثر الملتقى على تطوير المهارات التقنية، بل امتد إلى تعزيز مجموعة من القيم والممارسات المهنية، من أبرزها المسؤولية، والدقة، والموضوعية، والالتزام بأخلاقيات العمل الصحفي، واحترام المصادر، والوعي بتأثير المحتوى الإعلامي في المجتمع وقد أسهم ذلك في إعادة النظر إلى الصحافة باعتبارها ممارسة معرفية ومسؤولية اجتماعية، وليست مجرد عملية لنقل المعلومات والأحداث.
وكما أتاح الملتقى فرصة مهمة للتواصل مع مجموعة من الصحفيين والإعلاميين والمهتمين بالشأن الإعلامي، الأمر الذي عزز مفهوم التعلم التشاركي وتبادل الخبرات وقد شكّل هذا التفاعل مساحة للتعرف إلى تجارب مختلفة في العمل الصحفي، ومناقشة التحديات التي تواجه الصحفيين، واستكشاف أساليب جديدة في تطوير الأفكار والمشروعات الإعلامية.
وأما من المنظور الأكاديمي، يمكن النظر إلى تجربة لمّة صحافة باعتبارها تجربة مكملة للمعرفة الجامعية، إذ أنها ساعدت في الربط بين المفاهيم النظرية التي يتم تناولها في تخصصات الإعلام والاتصال وبين تطبيقاتها العملية في البيئة الصحفية وقد أسهم هذا التكامل في توسيع الفهم لطبيعة العمل الإعلامي المعاصر، خصوصاً في ظل التحولات الرقمية المتسارعة التي أعادت تشكيل أدوار الصحفيين وأدواتهم وأساليبهم إنتاجهم للمحتوى وتوزيعه.
وبناءً على التجربة، يمكن تقييم ملتقى لمّة صحافة بوصفه نموذجاً تدريبياً يسعى إلى بناء القدرات الصحفية وتعزيز التفكير المهني والنقدي لدى المشاركين، ومن خلال الجمع بين المعرفة والتطبيق والحوار وكما أن القيمة الحقيقية للتجربة لا تتمثل فقط في المهارات التي تم اكتسابها خلال فترة المشاركة، وإنما في الأثر الممتد الذي تركته في طريقة التفكير في القضايا الإعلامية، وآليات البحث عنها، وتحليلها، وتحديد مسؤولية الصحفي تجاه المجتمع والجمهور.
وفي المحصلة، مثّل هذا الملتقى إضافة حقيقية إلى المسار الأكاديمي والمهني، وأسهم في تطوير مجموعة من القدرات التي يمكن البناء عليها مستقبلاً في مجالات الصحافة والإعلام والاتصال وكما عزز القناعة بأن تطوير العمل الصحفي يتطلب الاستثمار المستمر في المعرفة والتدريب والممارسة، إلى جانب الالتزام بالمعايير المهنية والأخلاقية التي تشكل أساس الصحافة ذات الجودة والتأثير.
وختاماً، كانت تجربة لمّة صحافة أكثر من مجرد مشاركة في برنامج تدريبي؛ فقد شكّلت مساحة للتعلم وإعادة التفكير وتطوير الأدوات المهنية، وأسهمت في بناء رؤية أكثر نضجاً تجاه الصحافة بوصفها ممارسة معرفية ومجتمعية قائمة على البحث والتحقق والمسؤولية والتأثير.




