براءة خندقجي
من مقعدٍ بين الحضور… إلى لحظةٍ شعرتُ فيها أنني في مكاني
لم أذهب إلى ملتقى لمة صحافة 2026 وأنا اعرف تمامًا ماذا ينتظرني ، لكنني ذهبت وأنا أحمل شغفي بالإعلام، وأحمل في داخلي الكثير من الأسئلة التي تراود أي شخص يبدأ في رسم طريقه المهني: هل أنا في المكان الصحيح؟ هل ما أتعلمه اليوم سيكون كافيًا لأصنع لنفسي مستقبلًا في هذا المجال؟ وكيف يمكن أن أحوّل الشغف الذي أحمله إلى شيء حقيقي وملموس؟
كنت أبحث عن إجابات، ولم أكن أعرف أنني سأجد بعضها بين حديث صحفي، وتجربة إعلامي، ونقاش عابر، ولقاء لم يكن مخططًا له.
كانت مشاركتي الأولى كمتطوعة ولذلك كان في داخلي ذلك المزيج الجميل من الحماس والفضول لخوض التجربة
منذ اللحظة الأولى، كان هناك شيء مختلف.
الوجوه التي التقيتها لم تكن مجرد أسماء أو أشخاص حضروا فعالية، بل كل شخص كان يحمل تجربة، وحكاية، وطريقًا خاصًا به. كنت أستمع إليهم بكل تركيز و تمعن وأنا أفكر : كم من الطرق يمكن أن يسلكها الإنسان حتى يصل إلى المكان الذي يحلم به؟
وهنا بدأت أنظر إلى الملتقى بطريقة مختلفة.
لم أعد أرى المنصة فقط، بل بدأت أرى ما وراءها.
أرى سنوات من الجهد، والتجارب، والأخطاء، والنجاحات، والفرص التي جاءت في الوقت المناسب، وربما الفرص التي ضاعت أيضًا.
وأدركت أن النجاح لا يصنعه العلم وحده، ولا الشهادة وحدها، وإنما تصنعه القدرة على التعلم المستمر، والفضول، والجرأة، والإنسان الذي يعرف كيف يحوّل كل تجربة إلى خطوة جديدة.
وبصفتي خريجة إعلام، تخصص العلاقات العامة والإعلان، شعرت أن وجودي في هذا المكان يشبه العودة إلى شيء يشبهني. كل حديث عن الصحافة والإعلام والعلاقات العامة كان يذكرني لماذا اخترت هذا المجال من البداية، ولماذا ما زلت أؤمن بأنني أريد أن أصنع لنفسي مكانًا فيه.
لطالما أحببت العلاقات العامة لأنها بالنسبة لي ليست مجرد وظيفة أو مهارة في التواصل، بل قدرة على بناء صورة، وصناعة علاقة، وإيصال رسالة، وترك أثر.
وفي هذا الملتقى، رأيت الجانب الآخر من الكلمة؛ رأيت كيف يمكن للكلمة أن تكون مسؤولية، وكيف يمكن للإعلام أن يكون تأثيرًا، وكيف يستطيع شخص واحد أن يصنع فرقًا حين يعرف ماذا يقول، ومتى يقوله، ولمن يوجهه
لكن أجمل ما في التجربة لم يكن في ما تعلمته فقط … بل الأشخاص، التقيت بأشخاص لم أكن أعرفهم من قبل، وتحدثت مع أشخاص ربما لم أكن سألتقي بهم في الظروف العادية. كل لقاء كان يحمل شيئًا مختلفًا، وكل حديث كان يضيف فكرة جديدة.
أحيانًا، لا نحتاج إلى حديث طويل حتى يترك شخص ما أثرًا فينا، يكفي أن نسمع تجربة صادقة، أو كلمة في الوقت المناسب، أو نصيحة من شخص سبقنا بخطوات.
وهذا ما جعلني أشعر أن كلمة “لَمّة” لم تكن مجرد اسم كانت فعلًا لَمّة، لَمّة أشخاص جمعتهم الصحافة، والإعلام، والشغف، وحُب المعرفة والرغبة في التعلم.
وفي وسط هذه اللمة، وجدت جزءًا مني.
وجدت الإنسانة التي ما زالت تؤمن أن لديها الكثير لتتعلمه، والكثير لتقدمه، والكثير من الأحلام التي لم تصل إليها بعد.
خرجت من الملتقى وأنا لا أملك إجابة عن كل أسئلتي، لكنني امتلكت شيئًا أهم: وهو رغبة أكبر في الاستمرار.
أدركت أن الطريق المهني ليس طريقًا سهلاً ، وأن الوصول لا يحدث دفعة واحدة. هناك تجارب ستعلّمنا، وأشخاص سيلهموننا، وأبواب ستفتح، وأخرى ستغلق، وربما سنضطر أحيانًا إلى تغيير الطريق، لكن المهم أن نبقى نعرف إلى أين نريد أن نصل.
ولعل أجمل ما منحني إياه هذا الملتقى هو أنني لم أعد أنظر إلى نفسي فقط كخريجة تحمل شهادة في العلاقات العامة والإعلام، بل كشخص ما زال في بداية حكاية يمكن أن تكون أكبر بكثير مما يتخيل.
هذه المشاركة جعلتني أؤمن أكثر بأن الشغف وحده لا يكفي، لكنه البداية. وأن المعرفة وحدها لا تكفي، لكنها الأساس. وأن العلاقات وحدها لا تكفي، لكنها قد تفتح أبوابًا لم نكن نعرف أنها موجودة.
وأن الإنسان حين يجمع بين شغفه، ومعرفته، وعلاقاته، وإصراره… يستطيع أن يصنع لنفسه مكانًا حقيقيًا.
لهذا، لم تكن لَمّة صحافة بالنسبة لي مجرد يوم في التقويم، كانت محطة، محطة توقفت عندها قليلًا، نظرت إلى الطريق الذي قطعته، وتأملت الطريق الذي ينتظرني.
و ربما بعد سنوات، عندما أتذكر بداياتي في المجال الإعلامي، لن أتذكر فقط الجلسات والصور والشهادات، بل سأذكر تلك اللحظة التي شعرت فيها أنني وسط أشخاص يشبهون شغفي، وأنني أخيرًا وجدت مساحة تجعلني أقول لنفسي:
نعم… هذا هو المكان الذي أريد أن أكون فيه.
شكرًا لكل من صنع هذه اللمة، ولكل شخص شاركني فيها ولو بكلمة، ولكل تجربة سمعتها، ولكل معلومة تعلمتها، ولكل شخص ألهمني دون أن يعرف.
وشكرًا لـ لَمّة صحافة لأنها لم تجمعنا حول الصحافة فقط، بل جمعتنا حول الإيمان بأن للكلمة عمقًا… وللتأثير حكاية.
جئنا إلى لَمّة صحافة لنلتقي بالكلمة، فغادرنا ونحن نحمل في قلوبنا لمّة من الذكريات، وفي عقولنا الكثير من الأفكار، وفي أصواتنا رغبة أكبر في أن نصنع أثرًا
أما أنا، فسأكمل طريقي …
ربما لا أعرف تمامًا إلى أين سيأخذني، لكنني أعرف شيئًا واحداً فقط أنني أريد أن أصل، وأن أترك خلفي أثرًا يشبهني..




