loading

خلف الكاميرا إنسان.. صحفيون يروون تجاربهم في ملتقى «لَمّة صحافة»

هدى مرعي

«نعيش اليوم في قلب الحكاية، ولا نقف دائمًا على مسافة آمنة من الحدث؛ أحيانًا نكتب عن المعتقل ثم نجد أنفسنا معتقلين، نكتب عن الجريح ثم نجد أنفسنا على سرير الشفاء، نكتب عن الفقد ثم نفقد، ونكتب عن الناجين ثم نكتشف أننا نحاول النجاة».

قال الصحفي مجاهد بني مفلح هذه الكلمات خلال مشاركته في «لَمّة صحافة»، متحدثًا عن تجربته في العمل الصحفي، وهي تجربة مرّ خلالها بالاعتقال وأزمة صحية خطيرة أدخلته في رحلة علاج طويلة، ولا تزال آثارها ترافقه حتى اليوم.

حين يصبح الصحفي جزءًا من الحكاية

ومن بين التجارب التي طُرحت خلال الملتقى، تحدثت الصحفية أسماء هريش عن تجربة اعتقالها، مستحضرة ما وصفته بـ«مقابر الأحياء»، وما رافق الاعتقال من تجويع وتفتيش وإهمال؛ لتجد نفسها أمام واقع لطالما نقلته في عملها الصحفي.

وقالت إن المعاناة لا تنتهي عند أبواب السجن، موضحة أن العمل الصحفي «يدفع ثمنه الصحفيون من حريتهم في الضفة، ومن أرواحهم في غزة». وأشارت إلى أن أثر الاعتقال يمتد إلى ما بعد الإفراج، حيث ينتقل الصحفي من «سجن صغير إلى سجن أكبر»، تلاحقه فيه قيود الحركة والملاحقة الميدانية.

ومن تجربة الاعتقال إلى التغطية الميدانية، تحدث الصحفي عبادة طحاينة عن عمله خلال الاجتياحات في شمال الضفة الغربية، حيث لا تقتصر التحديات على المخاطر المباشرة، كالقصف وعرقلة عمل الطواقم، بل تمتد إلى الإرهاق النفسي والجسدي الذي يرافق الصحفيين في الميدان.

وتطرق طحاينة إلى ما وصفه بـ«الرقابة الذاتية والمجتمعية»، بوصفها هواجس تفرض نفسها على الصحفي أثناء العمل، في ظل ظروف قد تحرمه من النوم أو العودة إلى منزله. ومع ذلك، ظلّت الرسالة الصحفية دافعًا للاستمرار: «نستمر لأجل هذا الشعب المقهور ولنقل تضحياته».

أما الصحفية راية عروق، فاستعادت من داخل مخيم جنين يومًا وصفته بالفاصل في مسيرتها الصحفية، حين حوصرت مع أهالي المخيم سبع ساعات متواصلة.

ومن تلك التجربة، تحدثت عروق عن واقع العمل الصحفي في الميدان، وعن العلاقة التي تتشكل بين الصحفي والناس الذين ينقل قصصهم، مؤكدة أن الاستمرار في نقل الحقيقة تحت هذه الظروف يرتبط لديها بواجب وطني وإنساني وديني.

اختلفت التجارب التي حملها الصحفيون إلى الملتقى؛ بين الاعتقال والإصابة والعمل في الميدان، لكن جميعها كشفت جانبًا آخر من المهنة؛ جانبًا يعيشه الصحفي بعيدًا عن عدسة الكاميرا وعناوين الأخبار.

وفي «ملتقى لَمّة صحافة الثالث»، التقت هذه التجارب في مساحة أتاحت للصحفيين الحديث عن واقعهم المهني والإنساني، وتبادل ما راكموه من خبرة خلال سنوات العمل الميداني.

فبعد أن اعتاد هؤلاء الصحفيون نقل حكايات الآخرين، وجدوا هذه المرة مساحة للحديث عن حكاياتهم هم؛ عن الاعتقال والإصابة والخوف والإرهاق، وعن المهنة حين تصبح جزءًا من التجربة الشخصية.

ولعل كلمات مجاهد بني مفلح تختصر هذا المعنى:

«أرى الصحافة شكلًا من أشكال الشهادة، والشهادة ليست أن تكون دائمًا على حق ولا أن تمتلك كل الإجابات، الشهادة أن تكون حاضرًا عندما يغيب الآخرون».

في «لَمّة الصحافة»، كان الصحفيون حاضرين لا لنقل حدث جديد، بل لرواية ما تركته الأحداث فيهم. 

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة


جميع حقوق النشر محفوظة - بالغراف © 2025

الرئيسيةقصةجريدةتلفزيوناذاعةحكي مدني