نانسي رضوان
لم تعد متابعة الإعلام العبري بالنسبة للصحفي العربي مجرد وسيلة للوصول إلى معلومة من مصدر آخر، بل أصبحت اليوم جزءًا من معركة أوسع حول من يملك القدرة على صياغة الرواية وتحديد أطرها.
طُرح هذا النقاش خلال ملتقى “لمّة صحافة” الثالث، ضمن جلسة الإعلام العبري: صراع على السردية، التي ناقش فيها الصحفيون كيفية التعامل مع السردية الإسرائيلية، وآليات نقلها وترجمتها، وما يمكن أن ينتقل منها للإعلام العربي.
لكن النقاش لا يتوقف عند حدود استخدام الإعلام العبري كمصدر أساسي لتلقي المعلومة؛ فالسؤال الأوسع الذي تطرحه الممارسة الصحافية هو: عندما ينتقل الخبر من الإعلام العبري إلى العربي، هل تنتقل معه المعلومة فقط، أم تنتقل أيضًا المصطلحات والسياقات والأطر والرواية التي صيغت فيها؟
لماذا يلجأ الإعلام العربي للإعلام العبري؟
خلال حرب الإبادة المستمرة على غزة ارتبط لجوء الإعلام العربي للإعلام العبري بالحاجة للوصول إلى معلومات ومصادر تفتقدها المؤسسات الفلسطينية، في ظل غياب منظومة إعلامية فلسطينية قادرة على إنتاج رواية متماسكة تضاهي الرواية الإسرائيلية من حيث الحضور والتأثير.
وفي هذا السياق، افتتح الجلسة الباحث والمختص بالشأن الإسرائيلي عبد القادر بدوي مشيرًا إلى أن الخبر الموجّه للفلسطينيين والعرب يمر داخل المؤسسة الإعلامية الإسرائيلية بسلسلة من الإجراءات، من بينها “حراس البوابة” وهم غالبًا رؤساء التحرير إلى جانب الرقابة العسكرية، قبل أن يصل إلى الجمهور.
ووفق دراسة أجرتها أحلام عبيات عام 2017 على 4 صحف فلسطينية يومية وجدت أن 55.8% من موادها كانت منقولة حرفيًا من مصادر إسرائيلية. وهذا يعكس جزءًا من تأثير المصادر الإسرائيلية على السردية الفلسطينية.
عندما تعبر المعلومة الحدود…ماذا يعبر معها؟
لا تتوقف عملية نقل الخبر عند المعلومة التي يبحث عنها الصحفي، إذ أنها تنتقل معه كأدلجة سردية تحمل الحدث والمصطلحات والصيغة المستخدمة بالوصف باللغة العربية، وهنا عقّب الصحفي محمد مجادلة على أنه حينما يتحدث بالإعلام الإسرائيلي مستخدمًا كلمات معينة كوصف مسؤول بارز فهذا يكون نص أساسي مرسل من المكتب الحكومي الإسرائيلي لذا على المترجم العربي أن يترجم بفهم واعٍ للرواية التي يترجم بها.
وهنا تصبح الترجمة مرحلة مؤثرة في عملية إنتاج الخبر، خاصة عندما تكون الكلمات المستخدمة في المصدر العبري محمّلة بسياقات سياسية أو أمنية تتجاوز معناها المباشر وتقاطعًا مع هذا السياق، أشارت الباحثة في الشؤون الإسرائيلية نيفين أبو رحمون إلى أن المترجم قد يكون، بحسن نية، بصدد إعادة إنتاج السردية الإسرائيلية أو نقلها، مستطردةً أن الترجمة وحدها لا تكفي، في ظل قدرة أدوات الذكاء الاصطناعي اليوم على ترجمة المحتوى العبري.
وأضافت أن “التعاطي مع الإعلام الإسرائيلي يعني التعاطي معه “كأداة من الأدوات الموجودة والتي تفرض شرعنتها عليّ كفلسطينية”.
وتتجاوز الإشكالية حدود نقل الخبر إلى تأثير المصدر في تحديد أجندة النقاش؛ إذ أشارت أبو رحمون خلال الجلسة إلى احتمال أن يكون الفعل السياسي الفلسطيني قد أصبح مبنيًا على التصريحات الإسرائيلية، بما يجعل الرواية الصادرة من الطرف الآخر نقطة انطلاق لفهم الحدث والتفاعل معه.
النقل الأعمى
لا يرتبط النقل الأعمى للإعلام العبري بطريقة التعامل مع الأخبار فحسب، بل يظهر أيضًا في المساحة التي تسلط عليها التغطيات والتحليلات السياسية بعض وسائل الإعلام العربي للشأن الإسرائيلي الداخلي كنزاعات مبنية بين طرفين أو حزبين، واعتبارها شأن محوري ضروري لمجريات الأحداث على الواقع الفلسطيني.
وخلال النقاش برزت الإشارة إلى أن الاهتمام المفرط بالشأن الإسرائيلي المحلي قد يدفع إلى التعامل مع سقوط شخص بعينه أو تغير حكومة باعتباره حدثًا قادرًا على إنهاء الأزمة وهذا النقل الحرفي وتداوله في وسائل الإعلام يعزز هيمنة السردية الإسرائيلية على السردية الفلسطينية، وفي ذلك أشار المجادلة باستنكار للاهتمام المبالغ فيه بالانتخابات الإسرائيلية على أنها حدث يتحكم بالمشهد السياسي بالمنطقة، في حين أن فهم القضية يتطلب النظر إلى المؤسسة والبنية السياسية الأوسع، وليس للشخصيات وحدها.
وتأخذ هذه السردية شكلًا آخر عندما يُنقل المحتوى من الإعلام العبري دون التحقق من طبيعته وسياقه ومصادره، واستحضر الصحفي والمحلل السياسي محمد مجادلة موقفًا قال فيه إنه نشر مادة بطريقة ساخرة وتهكمية على التلجرام، قبل أن تنقلها بعض وسائل الإعلام باعتبارها خبرًا صادرًا عن القناة 12 العبرية.
وفي كلا الحالتين لا تعد المشكلة في متابعة الإعلام العبري بحد ذاته، وإنما في الطريقة التي يتم التعامل فيها حين تنقل السرديات والمعلومات وبأي رواية يتم تداولها.
وخلص النقاش إلى ضرورة تطوير صحافة فلسطينية متخصصة في الشأن الإسرائيلي، تمتلك القدرة على تفكيك ما يَرِد في الإعلام العبري والتحقق منه قبل نشره، إلى جانب أهمية الحفاظ على السردية الفلسطينية من خلال اعتماد آليات مهنية واضحة تحدد كيفية التعامل مع المصادر الإسرائيلية، بما يتيح بناء سردية تستند إلى مصادرها الخاصة.




