نانسي رضوان
“جروح الزيتون ما بتروح”، جملةٌ قالتها جدة رضوان صالح بعدما سقط خاله أثناء نقل الزيتون وأصيب في رأسه نازفًا، وظل الجرح ملتهبًا لفترة طويلة، مستذكرًا تلك الحادثة من مواسم قطف الزيتون التي كان يرافق فيها أهله إلى الحقول، حيث كان يسمع منهم حكايات ومعتقدات مرتبطة بالزيتون وموسمه.
ويروي رضوان أن هذا المأثور الشعبي في الأصل ارتبط بالجروح التي كانت تصيب المزارعين أثناء القطاف؛ فالخدش من أغصان الزيتون قد يترك أثرًا وجروحًا على الجلد، وكان يُعتقد أن مثل هذه الجروح تستغرق وقتًا طويلًا حتى تلتئم فتترك أثرًا يبقى لوقت طويل، ولم يتوقف الاعتقاد عند إصابات القطاف، بل امتد إلى تفاصيل أخرى من موسم الزيتون؛ قبل أن يمتد الاعتقاد إلى جروح أخرى؛ فكان البعض يؤجل إجراء العمليات، كما كانت المرأة الحامل تتجنب الولادة خلال الموسم، خشية أن يطول التئام جرح الولادة.
غير أنه وبحسب الباحث البيئي، د. خالد أبو علي: فالجرح في حكاية الزيتون لا يقتصر على ما تتركه أغصانه في جلد الإنسان؛ فالشجرة نفسها تتعرض لجروح وإصابات قد تطال أغصانها وجذوعها، ومع ذلك تمتلك قدرة على استعادة نموها ومواصلة حياتها بعد الأذى الذي قد تتعرض له.
وهنا تتقاطع تجربتان مختلفتان مع الجرح؛ جلد الإنسان الذي قد يحتفظ بأثر الإصابة، وشجرة الزيتون التي تستطيع استعادة نموها بعد الأذى، وبينهما، تحمل المقولة الشعبية أكثر من معنى يستحق التفسير.
طبيعة تمنحها القدرة على الصمود
يشير أبو علي إلى أن قدرة شجرة الزيتون ليست مرتبطة بعمرها الطويل فقط، بل بطبيعتها التي تُمكنها من مواصلة النمو حتى مع ما يطرأ عليها من تغيرات وإصابات، فمع مرور السنوات، قد يتجوف جذوعها أو يلتوي بفعل العمر، لكن ذلك لا يعني توقف الشجرة عن الحياة؛ إذ تواصل إنتاج أغصان جديدة وتحافظ على قدرتها في النمو.
وتعد شجرة الزيتون من الأشجار دائمة الخضرة، وتنتمي إلى الفصيلة الزيتونية (Oleaceae) والتي تمتاز بطبيعة خشبية متينة وقوية لديها قدرة عالية على التكيف مع الظروف القاسية، تتميز أغصانها بصلابتها وتفرعاتها وتتخذ أوراقها شكلًا يشبه رأس الرّمح، وقد تحمل أطرافًا حادة يمكن أن تسبب خدوش أثناء التعامل معها وقطف ثمارها.
ويذكر لنا رضوان صالح أن جده وجدته كانا يحرصان على ألا تُضرب أشجار الزيتون بالعصي أثناء القطاف، ويرددان أن “شجرة الزيتون زيها زي البني آدم”، وهي نظرة إلى شجرة لم تكن تفصلها عن الإنسان؛ فما يصيبها من أذى كان يُنظر إليه بوصفه جرحًا، تمامًا كما يُنظر إلى جرح الإنسان.
ويرى أبو علي في شجرة الزيتون نموذجًا للصمود المتجذر في التاريخ الفلسطيني، فهي قادرة على العيش لآلاف السنين والاستمرار في إنتاج أغصان جديدة، حتى مع ما يصيب جذوعها من تجوف والتواء بفعل العمر.
من المأثور الشعبي إلى التفسير الطبي
“جروح الزيتون ما بتروح”؛ مقولة شاعت في الذاكرة الشعبية، وارتبطت بآثار الخدوش والجروح التي قد تخلفها أغصان الزيتون على جلد من يعمل في القطاف أو حتى لمن قضى وقتًا يلعب تحت ظلال الشجرة، إلا أن تفسير بقاء هذه الآثار لا يرتبط بالزيتون تحديدًا، وفق طبيب الجلدية د. غالب برهم، الذي يوضح أن الجروح تحدث نتيجة احتكاك الجلد بأجسام صلبة وجافة ذات حواف غير منتظمة، وهي صفات قد تتوافر في أغصان الزيتون، خاصة خلال موسم القطاف.
وأوضح أن الجلد يتمتع بالليونة والمرونة والتماسك بين خلاياه، ما يساعده على مقاومة الاحتكاك، كما تختلف آثار الإصابة بحسب عمقها؛ فالجروح السطحية التي تصيب الطبقة الخارجية (البشرة) من الجلد يمكن أن تتجدد وتلتئم دون أن تترك أثرًا، بينما قد تترك الجروح العميقة التي تصل إلى الطبقات الداخلية(الأدمة) ندبات دائمة.
وأضاف برهم أن الجلد مكون من طبقتين الخارجية (البشرة) المتجددة باستمرار ما دام الانسان على قيد الحياة ولا يعاني من امراض تمنع ذلك، و(الأدمة) الداخلية، ويربطهما غشاء خاص يحتوي على خلايا جذعية لازمة لتجديد البشرة باستمرار، عند تضرر أجزاء من البشرة فإنها تتجدد بصورة كاملة طبيعية ولا تظهر أي آثار.
وتابع إذا كانت الجروح عميقة وتجاوزت هذا الغشاء فقد تضررت الخلايا الجذعية في المنطقة ولم تعد موجودة، مضيفًا أن خلايا الأدمة تبدأ بعمل التئام الجرح وهذه الخلايا مسؤولة عن قوة ومتانة الجلد وإبقائه متماسك مقاوم للصدمات الخارجية، وهذه عبارة عن ألياف، فتظهر آثار الجروح العميقة وتكون دائمة ولونها ممكن أن يكون غامقًا أو فاتحًا حسب طبيعة الجسم.
من إصابة الشجرة إلى الأضرار البيئية
لا تتعامل شجرة الزيتون مع الجرح بنفس الطريقة التي يتعامل بها جلد الإنسان، أوضح الخبير البيئي أن شجرة الزيتون تمتلك القدرة على الاستجابة للإصابة ومواصلة النمو، فعند كسر أحد أغصانها أو قطعها تنتج الشجرة مادة عازلة، تمكّن الشجرة من إنتاج أنسجة لتنمو أغصان جديدة من الأجزاء السليمة فيها وهذا ما يسمى بعلم أمراض النباتات بعزل أو تحجيم الضرر Compartmentalization، وقد تستمر في الحياة والإنتاج رغم ما أصابها من ضرر.
لكن لا تتساوى إصابات الزيتونة في أثرها على نموها وإنتاجها؛ فبحسب الباحث البيئي د. خالد أبو علي، قد لا يؤثر الجرح الصغير بصورة كبيرة في الشجرة، بينما يمكن أن تؤدي إصابة الفروع المثمرة أو الجذع إلى إضعاف قدرتها على النمو والإثمار، أما الجروح الكبيرة، فقد تشكل منافذ لدخول الفطريات والحشرات، ما يدفع الشجرة إلى تخصيص جزء من مواردها لعزل المنطقة المصابة والدفاع عنها، على حساب جزء من نموها وإنتاجها وينعكس ذلك في النهاية على إنتاجية الشجرة خلال الموسم.
لكن قدرة الزيتونة على التجدد لا تعني أن الإصابة تمر من دون أثر؛ وأشار بذلك أبو علي إلى أن الحرق أو القطع المتكرر الجائر أو اقتلاع أجزاء من الشجرة قد يضعفها ويؤثر في نموها وإنتاجها الموسمي وقد يستمر ذلك لسنوات لاحقة، فيما يؤدي اقتلاعها بالكامل إلى فقدان شجرة قد تحتاج سنوات طويلة حتى تستعيد الأرض إنتاجها من جديد.
وأكد أبو علي على أن هذه الإصابات قد تتخذ دورًا أوسع في الأراضي الفلسطينية مع ما تتعرض له أشجار الزيتون من الاعتداءات الجائرة المتكررة من قبل المستوطنين والتوسع الاستيطاني.
وفي هذا السياق وثّقت الأمم المتحدة في تقريرين صادرين عن مكتبها لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) أن موسم الزيتون في العام الماضي 2025 شهد أعلى مستوى من هجمات المستوطنين منذ 6 سنوات، حيث تم تدمير أكثر من 6,000 شجرة زيتون وشتلة في الضفة الغربية، بعد أن سُجّلت 126 هجمة في 70 بلدة وقرية وتخريب أكثر من 4,000 شجرة، كما شملت الاعتداءات حرق الأشجار واقتلاعها وتخريبها ومنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم.
ولا يقف أثر هذه الممارسات عند خسارة شجرة أو محصول موسم واحد؛ فاقتلاع الأشجار وحرقها وتخريب الأراضي الزراعية يطال الغطاء النباتي والنظم البيئية المحلية، وقد وثقت سلطة جودة البيئة الفلسطينية خلال عام 2025، 168 حالة استهداف للغطاء النباتي، شملت اقتلاع وحرق آلاف الأشجار المثمرة، وعلى رأسها أشجار الزيتون، وربطت هذه الأضرار بتراجع التنوع الحيوي واختلال النظم البيئية المحلية.
من جرح الجسد إلى جرح الذاكرة
إذا كان الطب لا يجد في جروح أغصان الزيتون ما يجعلها مختلفة عن غيرها من الجروح، فإن المقولة اكتسبت معناها من تجربة إنسانية أوسع، فـ«جروح الزيتون ما بتروح» لا تُتداول فقط لوصف أثر قد يبقى على الجلد. فيرى أبو علي بهذا المثل الفلسطيني العميق تعبير عن علاقة الإنسان بالشجرة وما تحمله من ذكريات والتجارب المتوارثة.
فالزيتون حاضر في تفاصيل الحياة الفلسطينية؛ من الأرض والعمل والقطاف، إلى الجلوس تحت أشجاره والارتباط بها عبر الأجيال، ومع تكرار التجربة، تحوّل الجرح من مجرد أثر جسدي إلى صورة تختزن ذاكرة مرتبطة بالشجرة ومواسمها.
وبهذا المعنى يؤكد أبو علي على أن أهمية المثل لا تكمن في دقته الطبية، بل في حقيقته النباتية التي تلخص علاقة الإنسان الفلسطيني بشجرة الزيتون واصفًا إياه بجرحٌ يلتئم لكنه لا يمحى من الذاكرة.




