loading

الضفة: موسم الزيتون يبدأ تحت وطأة التضييق والاعتداءات

محمد عبد الله

ما إن بدأ موسم قطف الزيتون في الضفة الغربية حتى تصاعدت الاعتداءات على المزارعين الفلسطينيين، من هجمات واعتداءات بالضرب وإطلاق النار، إلى منعهم من الوصول إلى أراضيهم وإجبارهم على مغادرتها، بالتزامن مع حرق الأشجار واقتلاعها وسرقة المحاصيل.

وتأتي هذه الاعتداءات في وقت تتزايد فيه القيود المفروضة على الوصول إلى الأراضي الزراعية، فيما تتسع دائرة الاستهداف لتشمل قرى وبلدات في شمال الضفة ووسطها وجنوبها، بينها ياسوف وكوبر وبيتا وقبلان وعقربا وأوصرين وقصرى وغيرها.

ويبدأ موسم الزيتون عادة مطلع تشرين الأول/أكتوبر ويستمر حتى نهاية تشرين الثاني/نوفمبر، ويشكل أحد أهم المواسم الزراعية بالنسبة للفلسطينيين، ومصدر دخل رئيسي لآلاف العائلات، إضافة إلى ارتباطه بالأرض والعمل الزراعي المتوارث بين الأجيال.

وخلال الأيام الأولى من الموسم الحالي، تعرض مزارعون لهجمات في مناطق متفرقة من الضفة، فيما وثقت تقارير محلية اعتداءات شملت إطلاق النار والضرب ومنع القطف، إلى جانب الاعتداء على الأشجار والمحاصيل.

آخر الهجمات تلك التي وقعت في بلدة عقربا جنوب نابلس، إذ قال رئيس البلدية صلاح الدين جابر إن الأحداث بدأت منذ الساعة الثانية بعد منتصف الليل بإقدام مستوطنين على إحراق عدد من المركبات، قبل أن يهاجموا صباحًا مزارعين كانوا يقطفون الزيتون قرب المنازل ويطلقوا النار باتجاههم، ما أدى إلى إصابة اثنين بالرصاص، وآخرين برضوض وكسور.

وفي قرية أودلا جنوب نابلس، هاجم مستوطنون مزارعين خلال قطف الزيتون ومنعوهم من مواصلة العمل في أراضيهم، في اعتداء يأتي ضمن سلسلة هجمات تصاعدت مع بدء الموسم.

ولا تبدو هذه الاعتداءات منفصلة عن مسار أوسع شهد تصاعدًا خلال العام الجاري؛ إذ قالت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إن المستوطنين نفذوا 647 اعتداء خلال أيلول/سبتمبر الماضي، فيما نفذت قوات الاحتلال 1404 اعتداءات، ليصل مجموع اعتداءات الطرفين خلال الشهر إلى 2051 اعتداء.

وأشارت الهيئة إلى أن اعتداءات المستوطنين خلال أيلول تركزت في محافظات رام الله والبيرة ونابلس والخليل وبيت لحم وسلفيت والقدس وطوباس وجنين، فيما أسفرت هجماتهم عن استشهاد ثلاثة فلسطينيين خلال الشهر، لترتفع حصيلة الفلسطينيين الذين استشهدوا برصاص المستوطنين منذ بداية العام إلى 30 شخصًا حتى الثاني من تشرين الأول/أكتوبر.

ولا تقتصر تداعيات الاعتداءات على المزارعين أنفسهم، بل تطال بصورة مباشرة الأشجار والمحاصيل التي يعتمد عليها الفلسطينيون اقتصاديًا؛ فقد وثقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان خلال النصف الأول من عام 2026 تضرر أو اقتلاع 45,195 شجرة، بينها 26,395 شجرة زيتون.

وفي آب/أغسطس وحده، قالت الهيئة إن الاعتداءات طالت 21,508 أشجار، بينها 19,375 شجرة زيتون، بالتزامن مع تسجيل 628 اعتداء نفذها المستوطنون في الضفة الغربية خلال الشهر.

ويقول مدير دائرة الوسط في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان صلاح الخواجا إن الاعتداءات بدأت منذ الأيام الأولى لموسم قطف الزيتون، مشيرًا إلى أن ما يجري لا يقتصر على هجمات المستوطنين، بل يترافق مع قرارات عسكرية واقتلاع للأشجار في عدد من المناطق.

وأوضح الخواجا، في تعقيب لموقع “بالغراف”، أن سلسلة من القرارات العسكرية المتعلقة باقتلاع أشجار الزيتون طالت بلدات وقرى في محافظة رام الله ومحافظات أخرى، بينها بيت عور الفوقا ودير نظام وبيت ريما، مشيرًا إلى تضرر أو اقتلاع أكثر من 600 شجرة زيتون في هذه المناطق، وفق المعطيات التي أوردها.

وأضاف أن توجه المزارعين إلى أراضيهم هذا الأسبوع تزامن مع “هجمات شرسة”، مشيرًا إلى استشهاد فلسطيني مسن في منطقة سلفيت وإصابة زوجته، واستشهاد شاب خلال محاولة الوصول إلى مزرعته في قرية كوبر، وفق ما أورده في حديثه.

وقال الخواجا إن الاعتداءات تستهدف مناطق مختلفة من الضفة، بما فيها المناطق المصنفة “ج” و”ب”، وتمتد إلى مناطق مصنفة “أ”، معتبرًا أن هذا الاتساع يزيد صعوبة وصول المزارعين إلى أراضيهم.

وتتزامن هذه التطورات مع قيود أخرى على عملية القطف، لا تقتصر على منع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، بل تطال أيضًا المتضامنين الذين يحاولون مرافقتهم.

فقد أفادت صحيفة “هآرتس” بأن جيش الاحتلال يهدد بإعلان حقول زيتون فلسطينية في الضفة الغربية مناطق عسكرية مغلقة، في حال استعان أصحابها بمتضامنين إسرائيليين أو أجانب لمرافقتهم خلال موسم قطف الزيتون.

وبحسب الصحيفة، أعلنت قوات الاحتلال عددًا من المناطق الزراعية مناطق عسكرية مغلقة، فيما هددت في حالات أخرى بإلغاء عمليات قطف الزيتون في مناطق بأكملها، رغم أن تعليمات الجيش تنص على أن وجود متضامنين لمرافقة الفلسطينيين لا يشكل بحد ذاته مبررًا لمنعهم من الوصول إلى أراضيهم أو إغلاق المنطقة.

وأفادت مصادر في السلطة الفلسطينية للصحيفة بأن الإدارة المدنية الإسرائيلية حذرت أصحاب الأراضي من الاستعانة بمرافقين، وهددت بإلغاء عمليات القطف المنسقة في حال حضور متضامنين إسرائيليين أو أجانب.

وفي إحدى الحالات في بلدة بيتا جنوب نابلس، أوقف جنود الاحتلال عملية قطف الزيتون رغم أن الأراضي تقع في المنطقة “ب”، وقال أحد الجنود لصاحب الأرض، بحسب تسجيل نشرته الصحيفة، إنه لا يُسمح بمواصلة القطف إلى حين مغادرة ناشطين إسرائيليين كانوا يرافقون المزارعين.

وقالت “هآرتس” إن هذه كانت المرة الثالثة خلال عطلة نهاية الأسبوع التي يمنع فيها جنود الاحتلال عمليات قطف شارك فيها ناشطون، مشيرة إلى أن بعض هذه الحالات لم تشهد أي احتكاك بين المزارعين والمستوطنين، ومع ذلك جرى تفريق المزارعين ومنعهم من مواصلة العمل في أراضيهم.

كما أوقفت شرطة الاحتلال أربعة مواطنين أجانب، بذريعة وجودهم في منطقة عسكرية مغلقة و”الإخلال بالنظام”، وأحالت ملفاتهم إلى سلطة السكان والهجرة تمهيدًا لعقد جلسات قد تفضي إلى ترحيلهم، بحسب الصحيفة.

ولا تطال القيود الأجانب فقط؛ إذ أشارت “هآرتس” إلى أن سلطات الاحتلال أصدرت خلال موسم قطف الزيتون السابق 22 أمرًا عسكريًا على الأقل قيّدت بموجبها وصول ناشطين إسرائيليين إلى القرى الفلسطينية أو حركتهم باتجاهها.

وفي كانون الثاني/يناير الماضي، قضت المحكمة العليا الإسرائيلية بأن استخدام أوامر الإغلاق العسكرية الوقائية يتطلب وجود معلومات استخبارية محددة وحديثة تشير إلى نية حقيقية للإخلال بالنظام العام، وأن مجرد احتمال وقوع احتكاك بين المستوطنين والناشطين لا يكفي لتبرير إصدار هذه الأوامر.

كما أكدت المحكمة، بحسب “هآرتس”، أن حضور الناشطين إلى الأراضي الفلسطينية بناءً على طلب أصحابها بهدف حمايتهم لا يشكل بحد ذاته مبررًا لمنع دخولهم، داعية القادة العسكريين إلى إعطاء وزن لحقوق الفلسطينيين في أراضيهم عند اتخاذ قرارات تتعلق بإغلاق المناطق.

ويأتي ذلك في وقت تزداد فيه أهمية الموسم بالنسبة للعائلات الفلسطينية، في ظل الأزمة الاقتصادية التي تعيشها الضفة الغربية، وتراجع فرص العمل، وما يفرضه ذلك من اعتماد أكبر على مصادر الدخل الزراعية.

ووفق المعطيات التي أوردتها “هآرتس”، يشكل موسم قطف الزيتون مصدر دخل رئيسي لأكثر من نصف مليون فلسطيني في المناطق الريفية بالضفة الغربية، فيما ازدادت أهمية الزراعة بالنسبة للفلسطينيين في ظل الأزمة الاقتصادية الناجمة عن الحرب وتقليص تصاريح العمل الممنوحة للعمال الفلسطينيين.

وكان مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا” قد وثق 364 حادثة عنف خلال موسم قطف الزيتون السابق، بين تشرين الأول/أكتوبر ومنتصف تشرين الثاني/نوفمبر، شملت اعتداءات على الفلسطينيين وإحراق الممتلكات والحقول، وسرقة المحاصيل، وقتل الحيوانات واقتلاع الأشجار.


ومع استمرار موسم القطف خلال الأسابيع المقبلة، يواجه المزارعون الفلسطينيون موسمًا لا تحدد نتيجته كمية المحصول وحدها، بل أيضًا قدرتهم على الوصول إلى أراضيهم وحمايتها، في ظل تصاعد الاعتداءات والقيود العسكرية التي تجعل الوصول إلى كثير من حقول الزيتون عملية محفوفة بالاعتداء أو المنع أو خسارة المحصول.

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة


جميع حقوق النشر محفوظة - بالغراف © 2025

الرئيسيةقصةجريدةتلفزيوناذاعةحكي مدني