تسنيم سمور
في موسم الزيتون هذا العام، لم يعد السؤال كم تنكة زيت سيجني المزارع الفلسطيني من أرضه، بل هل سيتمكن أصلًا من الوصول إليها؟ مشهدٌ انقلبت فيه الأدوار؛ فمزارعون اعتادوا إنتاج الزيت وبيع الفائض منه، باتوا يبحثون عمّن يبيعهم الزيت الذي كانت أراضيهم تمنحهم إياه كل عام، بعدما تحوّل الوصول إلى أشجارهم لمخاطرة تحاصرها اعتداءات المستوطنين وإجراءات الاحتلال.
“موسم الزيتون كان عرس بالنسبة للفلاحين في فلسطين، حاليًا هو كابوس” بهذه الكلمات يختصر رئيس مجلس قروي مادما، الدكتور رامي نصار، التحوّل الذي أصاب موسم الزيتون؛ موسمٌ كان يجمع العائلات في أراضيها، ويشكّل مصدر رزقٍ وامتدادًا لعلاقة الفلسطيني بأرضه، لكنه بات موسمًا يحسب فيه المزارع خطوات الوصول إلى أشجاره، وما قد يواجهه من اعتداء أو منع أو خسارة للمحصول.
ولم يتغيّر الموسم عند حدود الأرض التي بات الوصول إليها محفوفًا بالخطر؛ بل تغيّرت استعدادات الأهالي له أيضًا، ففي جماعين، لم تعد التجهيزات تبدأ بما ستعدّه العائلات من طعام وقهوة ترافق ساعات القطاف، بل بأسئلة أكثر إلحاحًا: هل سيارة الإسعاف جاهزة؟ وهل يمكن التعامل مع إصابة إذا وقع اعتداء؟ حيث تراجعت تفاصيل الضيافة التي لطالما رافقت الموسم أمام ضرورات السلامة والاستجابة للطوارئ، وأصبح الاستعداد لاحتمال الإصابة جزءًا من التحضير لقطاف الزيتون؛ الذي كان موعدًا للّمة العائلية والرزق، قبل أن تحاصره مخاطر الاعتداءات.
من الوصول إلى الأرض إلى النجاة من الاعتداء
في جماعين، لا تبدأ الحكاية من شجرة زيتون فحسب، بل من الطريق المؤدي إليها، يروي رئيس البلدية، معن ياسين، واقع الأراضي الواقعة بين زعترة وأريئيل، حيث تُغلق بوابة الوصول إلى مساحات زراعية منذ نحو ثلاثة أعوام، ولا تُفتح إلا لفترات محدودة، الأمر الذي يجعل وصول أصحاب الأراضي إليها مرتبطًا بإجراءات وقيود لا يملكون التحكم بها.
وفي منطقة جراعة شمال البلدة، تمتد مساحات من أشجار الزيتون تُقدّر بنحو ثلاثة آلاف دونم، حاول مزارعون، بمشاركة متضامنين، الوصول إلى الأراضي وقطف الثمار، لكن المحاولة واجهت اعتداءات من المستوطنين وتدخلًا من قوات الاحتلال، وفق رئيس البلدية، الذي أشار إلى إطلاق قنابل الغاز وإجبار الموجودين على مغادرة المكان.
وهكذا، لم تعد معرفة موعد نضج الثمار كافية لتحديد موعد القطاف؛ فالمزارع يحتاج أيضًا إلى معرفة ما إذا كان الطريق مفتوحًا، وما إذا كان سيُسمح له بالبقاء في أرضه، وما إذا كان سيعود منها بمحصوله أو بإصابة.
هذه المخاوف ليست منفصلة عن المشهد الذي يصفه نصار في مادما، ولا عن الاعتداءات التي تتكرر في مناطق أخرى، فالقلق الذي كان يرافق المزارع بشأن الإنتاج والطقس وجودة الثمار، بات يتصل بحق الوصول إلى الأرض نفسها، وبالقدرة على ممارسة موسم زراعي يفترض أن يكون جزءًا طبيعيًا من حياة العائلات الفلسطينية.
أشجار معمّرة في مرمى الاستهداف
في رامين، شرق طولكرم، يصف الناشط المجتمعي مُنال زيدان واقعًا تتداخل فيه الاعتداءات على المزارعين مع التضييق على الأراضي الزراعية والأشجار، فمنذ إقامة بؤرة استيطانية قرب سهل رامين، تتعرض المنطقة، بحسب زيدان، لاعتداءات متكررة تشمل سرقة المحاصيل، وإحراق الأشجار وتكسيرها، والاستيلاء على المعدات، فضلًا عن إدخال المواشي إلى الأراضي الزراعية وفرض قيود على وصول أصحابها إليها.
ولا يقتصر الضرر على أشجار الزيتون؛ إذ تمتد الخسائر إلى أشجار التين واللوز وغيرها من الأشجار التي تشكّل جزءًا من النشاط الزراعي ومصدر الدخل في المنطقة. ويقدّر زيدان المساحات المتأثرة بنحو ألفي دونم، كما يشير إلى إخطارات تتعلق بمصادرة نحو 120 دونمًا غرب رامين.
ويتحدث زيدان عن اعتداءات طالت المزارعين، شملت إطلاق النار، مشيرًا إلى استشهاد علي البزاري وإصابة 15 فلسطينيًا في الاعتداءات الأخيرة، هذه الاعتداءات التي تضع مخاطر الوصول إلى الأراضي في سياق يتجاوز خسارة المحصول إلى تهديد سلامة المزارعين أنفسهم.
ويختصر زيدان التحوّل الذي أصاب الموسم بعبارة: “أصبح اليوم زيتون معصور بالدم والتعب والألم” فالشجرة التي تحتاج إلى سنوات طويلة كي تنمو وتثمر، لا تُختزل خسارتها في ثمن ثمار موسم واحد، واقتلاعها أو إحراقها أو منع أصحابها من الوصول إليها يعني خسارة إنتاج متكرر، وتهديدًا لاستمرار النشاط الزراعي، وإضعافًا لعلاقة المزارع بأرض ظلّت مصدر رزقه على امتداد سنوات.
حين تكون الأرض قريبة والمسافة إليها مستحيلة
في أم صفا، شمال غرب رام الله، تتخذ القيود على الوصول إلى الأراضي شكلًا آخر، لكنها تفضي إلى النتيجة ذاتها، وفق رئيس المجلس القروي، مروان صباح، ففي جبل الراس، تتواصل أعمال التجريف التي بدأت قبل نحو عامين، بالتوازي مع توسع البؤرة الاستيطانية ومد خطوط المياه والكهرباء إليها.
وفي محيط البلدة، أقيمت بؤرة أخرى قرب وادي الزيتون، بجوار مقبرة القرية وبين حقول الزيتون، ومع توسع البؤر والقيود المفروضة على المنطقة، يجد المزارعون أنفسهم أمام أراضٍ يملكونها ويعرفون أشجارها، لكنهم لا يستطيعون الوصول إليها بالسهولة التي يقتضيها موسم القطاف.
ويشير صباح إلى سرقة جزء من المحصول، وإعلان مناطق أخرى مناطق عسكرية مغلقة، ما يحول دون وصول أصحاب الأراضي إليها وقطف حتى كميات محدودة من الثمار، كما يوضح أن محاولات التنسيق مع الجهات المعنية والاستعانة بالتضامن الدولي لم تنجح في تأمين الوصول الذي يحتاج إليه المزارعون، ويختم صباح حديثه بقوله: “ما في موسم زيتون بأم صفا”.
اعتقال المزارع وسرقة الثمار
في ديرإستيا، شمال غرب سلفيت، يروي نظمي السلمان، عضو المجلس البلدي، جانبًا آخر من المخاطر التي تحاصر الموسم، فالمنطقة الغربية من البلدة، بحسب وصفه، تمتد فيها مساحات واسعة من أشجار الزيتون، حتى تبدو كأنها غابة زيتون، لكن كثافة الأشجار لا تعني أن أصحابها يستطيعون الوصول إليها بأمان.
ويشير السلمان إلى انتشار البؤر الاستيطانية، ولا سيما البؤر الرعوية، وما يرافقها من قيود على حركة المزارعين واعتداءات على الأراضي ويوضح أن القيود العسكرية تحدّ من وصول المزارعين إلى مناطق قريبة من المستوطنات والطرق.
ولا تنتهي المشكلة عند تمكن المزارع من الوصول إلى أرضه، فالسلمان يتحدث عن اكتشاف مزارعين سرقة الثمار حتى بعد وصولهم إلى الحقول، وعن اعتداءات تتكرر في المناطق الغربية، حيث يتعرض المزارعون والمتضامنون الأجانب الذين يساعدونهم في القطاف للمضايقات.
ومن بين الوقائع التي أوردها، قضية عبد الرحيم سلمان، البالغ من العمر 74 عامًا، الذي قال إنه اعتُقل أثناء توجهه إلى أرضه، ووفق روايته، سُرقت معدات كان يستخدمها في قطف الزيتون، بينها آلة ومنشار لقطع الخشب وأدوات أخرى، ثم اقتيد وهو مكبّل اليدين ومعصوب العينين إلى مركز احتجاز، حيث بقي لأكثر من ست ساعات قبل الإفراج عنه في صباح اليوم التالي.
ويضيف السلمان أن الرجل تعرّض للاعتقال مرة أخرى أثناء توجهه إلى منطقة تُعرف بطريق الوادي، غرب ديرإستيا، حيث جرى تقييده وتعصيب عينيه أمام زوجته وأطفاله، وقال إن مصيره ومكان وجوده لم يكونا معروفين لساعات.
وتتجاوز هذه الوقائع حدود الاعتداء على محصول زراعي؛ فهي تعكس ما قد يواجهه المزارع في طريقه إلى أرضه، حتى قبل أن يبدأ القطاف، كما تكشف أن وجود أشجار مثمرة لا يضمن لصاحبها الاستفادة منها، حين يصبح الوصول إليها محفوفًا بالخوف من الاعتقال أو الاعتداء أو فقدان المعدات والثمار.
ويشير السلمان إلى أن بعض المزارعين بدأوا القطاف مبكرًا خشية سرقة المحصول، بدل انتظار الموعد المعتاد الذي يتيح للثمار بلوغ المرحلة المناسبة، وهذا الاضطرار يضع المزارع أمام خيارات صعبة: إما التوجه إلى الأرض رغم المخاطر، أو الانتظار مع احتمال فقدان الثمار، أو القطاف قبل الموعد الذي يفضله.
دير بلوط: حين يُحاصر المزارع من جهات متعددة
في دير بلوط، غرب سلفيت، يصف رئيس البلدية جهاد قاسم واقعًا يرى أنه بلغ مستوى غير مسبوق من الاستهداف، فبحسب حديثه، امتدت أعمال التجريف والاستيلاء على الأراضي من الجهات الجنوبية إلى الغربية والشمالية، وطالت أشجار زيتون معمّرة يعود عمر بعضها إلى عشرات السنوات.
ويقدّر قاسم أن ما بين 50 و60% من أراضي البلدة باتت تحت السيطرة أو لم يعد أصحابها قادرين على الوصول إليها، في واحدة من أوسع موجات الاستهداف التي شهدتها البلدة منذ عقود، وفق وصفه، كما أشار إلى اقتلاع أكثر من ألف شجرة زيتون خلال نحو شهر ونصف، مؤكدًا أن الأمر يتعلق بأشجار معمّرة، لا بغراس حديثة يمكن تعويضها في وقت قصير.
وتتضح صعوبة المشهد، وفق قاسم، من توزيع المستوطنات والبؤر الاستيطانية حول البلدة؛ فمدخلها الشرقي تحيط به ثلاث مستوطنات وحاجز، فيما توجد بؤر استيطانية رعوية في الجهات الجنوبية والغربية والشمالية، ويقول إن المزارعين الذين يتوجهون إلى الأراضي الحدودية أو القريبة من البؤر يواجهون المنع والاعتداء والضرب، وإن بعض الاعتداءات وصلت إلى صدم مركبات المواطنين وإطلاق النار، مع تسجيل إصابات وكدمات.
ويشير قاسم إلى أن مساحة أراضي دير بلوط تبلغ نحو 13 ألف دونم، بينما لا تتجاوز المساحة الواقعة ضمن المنطقة المصنفة “ب”، 740 دونمًا؛ أي إن نحو 92% من أراضي البلدة تقع ضمن المنطقة المصنفة “ج” وفق اتفاقية أوسلو، وهذه الأرقام، تضع قيود الوصول إلى الأراضي في سياق أوسع من موسم الزيتون وحده، إذ تمتد آثارها إلى مختلف الأنشطة الزراعية التي تعتمد عليها البلدة.
ويشرح قاسم أن الزيتون هو المحصول الزراعي الأهم لدير بلوط، إلى جانب موسم الفقوس الذي تشتهر به، وتراجع القدرة على الوصول إلى الأراضي يهدد مصدرين من مصادر دخل المزارعين، لا محصولًا واحدًا فقط، كما أن الاعتداءات التي تطال الزراعة تؤثر في جودة الإنتاج وقدرة المزارعين على تسويقه.
ويتحدث رئيس البلدية عن تجربته الشخصية، مشيرًا إلى نحو 300 دونم تعود له ولأشقائه وبعض أقاربه، قال إنهم لم يتمكنوا من الوصول إليها منذ عامين، ويؤكد أن ما يواجهه ليس حالة فردية، بل واقع يطال مئات المزارعين الذين كانوا يعتمدون على الموسم لتأمين جزء أساسي من دخل أسرهم، في ظل تراجع الرواتب وفرص العمل والظروف الاقتصادية الصعبة.
المعصرة التي تستقبل زيتونًا مسروقًا
وفي حديثه عن الاعتداءات على المحصول، أشار قاسم إلى وجود معصرة زيتون للمستوطنين في المنطقة الجنوبية، بين دير بلوط واللبن ورنتيس، تُعصر فيها ثمار مسروقة من دير بلوط ومناطق مجاورة، ولا تقتصر الخسارة هنا على المحصول وحده، بل تمتد إلى تفاصيل الموسم نفسه؛ من وصول العائلات إلى أشجارها وقطف الثمار معًا، إلى نقلها وعصرها ومشاركة لحظات الانتظار والفرح بأول قطرات الزيت، فبينما يُحرم الفلسطينيون من هذه الطقوس، تُسرق ثمار أرضهم وتُعصر بعيدًا عنهم، وكأن الاعتداء لا ينتزع منهم المحصول فحسب، بل ينتزع أيضًا موسمًا ارتبط بذاكرة العائلة واجتماعها حول الأرض.
وبحسب قاسم، فإن صورًا ومقاطع فيديو نُشرت أظهرت زيتونًا مسروقًا وأكياسًا تحمل أسماء، في مشهد يثير مخاوف المزارعين من أن تتحول ثمارهم إلى سلعة تُتداول بعيدًا عن أصحابها، كما يحذر من أن بعض المستهلكين قد يشترون زيتًا مسروقًا من دون معرفة مصدره، خصوصًا إذا عُرض بأسعار أقل.
ويرى قاسم أن التعامل مع ما يجري باعتباره أمرًا روتينيًا يضاعف خطورته، منتقدًا ما وصفه بغياب التحرك الفاعل من المؤسسات الرسمية والحقوقية والدولية لمساعدة المزارعين، ويقول إن البلدة وجهت دعوات إلى جهات مختلفة، بما فيها جهات أوروبية، من دون أن تحصل على استجابة تتناسب مع حجم الاحتياج.
كما يلفت إلى محدودية أدوات الحماية والمساندة المتاحة مقارنة بعدد المزارعين واتساع الأراضي، فالمساعدات المحدودة، بحسب وصفه، لا تكفي لتغطية احتياجات بلدة تضم مئات المزارعين وتمتد أراضيها على آلاف الدونمات. ومن هنا يطالب بتحرك حكومي ومؤسساتي في الميدان، وتوفير دعم عملي يساعد المزارعين على الوصول إلى أراضيهم وقطف ثمارهم.
ويؤكد قاسم أن هذه المطالب لا تخص دير بلوط وحدها، بل تشمل بلدات وقرى فلسطينية أخرى تواجه ظروفًا مشابهة، معتبرًا أن المزارع الفلسطيني بات خط الدفاع الأخير عن أرضه، وأن خسارة الموسم تعني فقدان مصدر رزق في وقت تتراجع فيه بدائل العمل والدخل.
وفي السياق يلفت مدير نقابة اصحاب المعاصر في فلسطين وأمين سرها فياض فياض إلى جانب آخر من المشكلة، يتمثل في بيع المستوطنين الزيتون على الطرقات، وهذه الصورة، إلى جانب نقل الثمار المسروقة إلى المعاصر، تكشف كيف يمكن أن تنتقل السرقة من الحقل إلى مرحلة التداول والبيع، بينما يُحرم أصحاب الأرض من محصولهم.
هنا لا يعود الأمر متعلقًا بمزارع فقد ثمار أشجاره فقط؛ بل بمحصول فلسطيني يُنتزع من سياقه الطبيعي، الذي يبدأ بأرض يعرفها صاحبها وشجرة يعتني بها، ويمر بقطاف تشارك فيه الأسرة، وينتهي بزيت يعود إلى البيت أو يُباع لتأمين احتياجاته.
فموسم الزيتون ليس عملية زراعية تنتهي عند عصر الثمار، إنه أيضًا طقس اجتماعي تتجمع فيه العائلات، ويتعاون الأقارب والجيران، وتُحمل الثمار إلى المعصرة وسط انتظار أولى قطرات الزيت، وحين تُسرق الثمار أو يُمنع المزارع من الوصول إليها، فإنه لا يخسر محصوله فحسب، بل يُحرم من المشاركة في دورة الموسم كاملة.
أرقام تكشف اتساع الاعتداءات
على مستوى الضفة الغربية، تظهر بيانات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان تصاعد الاعتداءات المرتبطة بموسم الزيتون خلال الأعوام الأخيرة، ويقول مدير عام التوثيق والنشر في الهيئة أمير داوود إن عدد الاعتداءات المسجلة خلال موسم الزيتون بلغ 136 اعتداءً عام 2022، ثم ارتفع إلى 333 عام 2023، و407 عام 2024، وأكثر من 441 عام 2025.
ولا تقتصر الضغوط على الاعتداءات المباشرة خلال القطاف؛ إذ تشمل أيضًا استهداف الأشجار وإزالة الغطاء الشجري، ووفقًا لداوود، أصدرت سلطات الاحتلال حتى الرابع من تشرين الأول/أكتوبر 2026 نحو 55 أمرًا لإزالة الغطاء الشجري، تطال قرابة 2300 دونم، مقارنة بـ48 أمرًا استهدفت نحو 1600 دونم خلال عام 2025 بأكمله.
وتزداد صعوبة الوصول إلى الأراضي الواقعة خلف جدار الفصل، حيث يقدّر داوود مساحات الزيتون هناك بنحو 40 ألف دونم، ويظل وصول المزارعين إلى هذه الأراضي مرتبطًا بالتصاريح والبوابات والفترات المحدودة المسموح لهم خلالها بالعبور، وهي ترتيبات لا تتيح دائمًا الوقت الكافي لخدمة الأشجار وقطاف ثمارها.
ويؤكد داوود أن توثيق الاعتداءات يشكل أساسًا لحصر الأضرار، لكن تقدير الخسائر الاقتصادية يحتاج إلى عمل فني بالتعاون مع وزارة الزراعة والجهات المختصة. فالمسألة لا تتعلق فقط بقيمة المحصول الذي فُقد في موسم واحد، بل تشمل أيضًا تكاليف إصلاح الأضرار، والخسائر المستقبلية الناتجة عن تدمير الأشجار أو تراجع قدرتها الإنتاجية.
وفي هذا السياق، تشير بيانات وزارة الزراعة الفلسطينية إلى أن خسائر محصول الزيتون منذ عام 2023 وحتى نهاية سبتمبر/أيلول 2026 تجاوزت 157 مليون دولار. وبلغت الخسائر المقدّرة خلال عام 2025 نحو 55 مليون دولار، فيما تجاوزت 67 مليون دولار منذ بداية عام 2026 وحتى نهاية سبتمبر، في مؤشر على حجم الخسائر التي يتكبدها هذا القطاع نتيجة الاعتداءات والقيود التي تعيق وصول المزارعين إلى أراضيهم.
وبالنسبة إلى المزارعين الذين فقدوا محصولهم أو تعذر عليهم الوصول إلى أراضيهم، تبقى الحاجة قائمة إلى دعم عملي يتيح لهم استعادة قدرتهم على الإنتاج بحسب داوود، بما يشمل المساعدة في القطاف والنقل، وإصلاح المعدات المتضررة، وتأهيل الأراضي وإعادة زراعة الأشجار حيثما أمكن، كما يتطلب أي برنامج للتعويضات تمويلًا واضحًا ومعايير معلنة تضمن وصول المساعدة إلى أصحاب الحقوق.
محصول متوقع، لكن الوصول هو السؤال
على الرغم من حجم الاعتداءات والقيود، تشير تقديرات الإنتاج إلى أن موسم الزيتون الحالي قد يكون أفضل من الموسم الماضي إذا تمكن المزارعون من الوصول إلى أراضيهم، ويوضح فياض فياض أن الإنتاج قد يصل إلى نحو 21,200 طن من زيت الزيتون إذا أُتيح الوصول إلى جميع الأراضي، مقابل نحو 7500 طن في عام 2025.
لكن هذه الأرقام تظل مرتبطة بقدرة المزارعين على جني المحصول فعلًا، فالإنتاج المتوقع لا يتحول إلى زيت في المعاصر إذا بقيت الأراضي مغلقة أو تعذر الوصول إلى الأشجار، كما أن سرقة الثمار قبل قطافها تعني أن جزءًا من الإنتاج قد يضيع حتى في موسم يحمل مؤشرات أفضل من سابقه.
ويحذر فياض من أن الخوف من سرقة المحصول يدفع بعض المزارعين إلى القطاف المبكر، رغم أن توقيت القطاف يؤثر في كمية الزيت المستخرجة وجودته. فالأصناف المختلفة لا تنضج في الوقت نفسه، وبعضها يحتاج إلى الانتظار حتى يصل إلى مرحلة مناسبة للقطاف. وعندما يُجبر المزارع على استعجال العملية خوفًا من فقدان الثمار، فإنه يواجه مفاضلة قاسية بين حماية ما يستطيع جمعه وبين الحصول على أفضل إنتاج ممكن.
وتنعكس هذه الظروف أيضًا على السوق، فبعد الموسم الضعيف في عام 2025، الذي بلغ إنتاجه نحو 7500 طن، احتاج السوق إلى الاستيراد لتغطية النقص، ويربط فياض حركة الأسعار بحجم الإنتاج الفعلي والمعروض وتوقيت الموسم واحتياجات التصدير، مشيرًا إلى أن الأسعار قد تكون مرتفعة في بدايته، ثم تتغير مع وصول كميات إضافية إلى السوق.
ولا يقتصر أثر تراجع الإنتاج على المستهلك المحلي؛ إذ يرتبط القطاع كذلك بالتزامات التصدير إلى أسواق خارجية، من بينها دول الخليج والأردن وبعض الأسواق الأوروبية. وكلما تقلصت الكميات المتاحة، ازدادت صعوبة تلبية الطلب، وتراجعت قدرة المنتج الفلسطيني على الحفاظ على حضوره في الأسواق التي اعتاد الوصول إليها.
أما على مستوى الأشجار، فإن الخسارة تتجاوز موسمًا واحدًا، فالأشجار المعمّرة تحتاج إلى سنوات طويلة حتى تبلغ إنتاجًا مماثلًا، وقد لا يكون تعويض ما يُقتلع منها ممكنًا في وقت قريب، ولهذا، فإن حماية الموسم لا تنفصل عن حماية الأرض والأشجار، وضمان أن يتمكن المزارع من الوصول إليها وخدمتها طوال العام، لا في أيام القطاف وحدها.
حين يبحث المزارع عن الزيت الذي كان ينتجه
ربما تكمن إحدى أكثر صور الخسارة قسوة في التغير الذي يصيب علاقة الأسرة الفلسطينية بزيتها، فهناك عائلات اعتادت أن تنتج حاجتها السنوية، وأن تبيع ما يزيد على استهلاكها، أو تهدي بعض الزيت إلى الأقارب والجيران. لكن تراجع الإنتاج أو فقدان المحصول قد يدفعها إلى شراء ما كانت تنتجه بنفسها.
وتبدأ الخسارة هنا قبل حساب ثمن التنكة، فالزيت الذي كان يصل إلى البيت من أرض العائلة، ويُخزن للشتاء، ويُهدى في المناسبات، قد يتحول إلى سلعة تبحث الأسرة عن مصدرها وسعرها، وما كان جزءًا من المونة المنزلية والذاكرة العائلية يصبح عبئًا إضافيًا على ميزانية أنهكتها ظروف المعيشة.




