سوار سكر
في عصر الفضاء الرقمي الواسع، تخطت منصات التواصل الاجتماعي الرقمية حدود التواصل وتحولت إلى مختبرات ضخمة لصناعة التوجهات وصياغة الاهتمامات بشتى أشكالها.
برز مفهوم “النزعة الشائعة” أو ما يُعرف بالموجة الرقمية السائدة كواحد من أكثر الظواهر ديناميكية وتأثيرًا في المجتمعات المعاصرة. ولم تعد هذه الموجة مجرد وسم عابر أو مقطع فيديو يثير الضحك، بل تحولت إلى سلطة ناعمة تشكل الوعي الجمعي لدى المجتمعات، وتعيد ترتيب أجندة الاهتمامات الإنسانية بشكلٍ جذري. بين كونها أداة لتسليط الضوء على القضايا العادلة وصناعة وعي مجتمعي حقيقي، وكونها آلية لتزييف الأولويات وتسطيح الفكر، تكمن سيكولوجية شائكة تستنهض الجماهير خلف الشاشات.
المرتكزات النفسية لظاهرة الموجة الشائعة
لا تتحرك الموجات الرقمية دون مبرر، بل تتغذى على دوافع نفسية عميقة متجذرة في النفوس البشرية. في مقدمة هذه الدوافع تأتي “عقلية القطيع”، وهي ميل الأفراد إلى تبني سلوكيات واتخاذ قرارات المجموعة الكبرى دون تفكير نقدي تقويمي، رغبةً في الشعور بالانتماء وتجنب العزلة الاجتماعية.
يرتبط هذا السلوك ارتباطًا وثيقًا بظاهرة نفسية حديثة تُعرف بـ “هوس المتابعة” أو “الخوف من فوات الأحداث”. إن الخوف من الانفصال عن الفضاء الرقمي يدفع الفرد إلى الانغماس في أي نقاش رائج لضمان بقائه جزءًا من “المجال العام الافتراضي”. في ضوء ذلك، يقول عالم النفس الشهير غوستاف لوبون في كتابه سيكولوجية الجماهير:
“الجمهور لا ينشد الحقيقة، بل ينشد الأوهام التي لا يستطيع العيش بدونها، وهو يمنح آليًا صفة القداسة للكلمات والشعارات التي تثير حماسته”.
تستغل البرمجيات الخوارزمية عدم الثبات الانفعالي والهشاشة النفسية عبر آلية “غرف الصدى المغلقة”، حيث تُغذى الجماهير برؤى مكررة تزيد من حدة الاستقطاب وتمنح الموجة الشائعة قوة اندفاعية هائلة في التأثير على عقول البشرية و وضعهم في قالبٍ لا يمُتّ لحقيقتهم بأصل.
صناعة الوعي: الجانب المضيء للموجة الرقمية
حين تُوجّه هذه الموجات بوعي وإنسانية، فإنها تتحول إلى “منبر ديمقراطي” يمنح صوتًا لمن لا صوت لهم ويعبّر عن حقيقة العقل والفكر. لقد نجحت العديد من الوسوم الرقمية في استرعاء الانتباه إلى كوارث إنسانية، وقضايا فساد، وحملات تضامن عالمية لم تكن لتهتم بها وسائل الإعلام التقليدية.
ولا سيما أن هذه الموجة تساهم في خلق وعي مجتمعي، عبر تسييل القضايا المختلفة والمعقدة بشتى مضامينها (النفسية، الحقوقية، والبيئية) إلى قوالب ومعانٍ بسيطة يسهل استيعابها وتبنّيها من قِبل العامّة، إضافة إلى الضغط الشعبي الرقمي حيث تُجبر المؤسسات وصنّاع القرار على اتخاذ إجراءات فورية تتسبب في تحويل التعاطف الافتراضي إلى حراك حقيقي على أرض الواقع. فيما أن هناك محتوى متراكم بحاجة الى طرح سلس ليتضح ويتم التعامل معه كقضية حياة وأمر واقعي بحاجة لاستيعابه.
تزييف الأولويات: تسليع الوعي والهندسة الاجتماعية
على المقلب الآخر، يرى نقاد علم الاجتماع الرقمي أن هذه الموجات تحولت الى أداة استراتيجية لـ “تزييف الأولويات” وإلهاء الشعوب عبر استراتيجيات “الهندسة الاجتماعية”. يتم في كثير من الأحيان هندسة موجات تافهة أو فضائحية لتشتيت الانتباه عن أزمات اقتصادية أو سياسية دامية، وهو ما يُعرف بنظرية “ترتيب الأجندة”، حيث لا تخبرنا وسائل التواصل بما يجب أن نفكر فيه فحسب، بل بما يجب أن نهتم به أيضًا.
إن تغذية الجمهور اليومي بـ “المحتوى السائل” (أو السطحي) تؤدي إلى ظاهرة “الإنهاك المعرفي”، حيث يصبح العقل البشري عاجزًا عن التمييز بين القضية المصيرية والحدث العابر. في كتابه المجتمع السائل، يوضح الفيلسوف زيجمونت باومان هذا التحول قائلاً:
في العالم السائل، الروابط الإنسانية والمعرفية أصبحت هشة وقابلة للتفكيك السريع، حيث يحل الاستهلاك الفوري والمظاهر العابرة محل القيم الراسخة والوعي الحقيقي.
ونتيجة لذلك، يتراجع الفكر النقدي وتطفو على السطح ثقافة “الشعبوية الرقمية”، حيث تُقاس قيمة الفكرة بعدد الإعجابات والمشاركات، لا بعمقها المعرفي أو فائدتها المجتمعية، وهذا ثمّة شيءٍ جوهري يُفتَقد.
مفارقة الوعي والزيف: أين الحقيقة؟
إن الإجابة بوضوح على تساؤل “هل الموجة الشائعة صناعة وعي أم تزييف أولويات؟” تتجاوز التفسير الأحادي. الموجة الرقمية في جوهرها ومضمونها هي “أداة محايدة تكنولوجيًا، ومنحازة سيكولوجيًا”. هي مرآة تعكس مكامن الضعف والقوة في قلب المجتمع.
عندما يفتقد المجتمع إلى الوعي النقدي والفكر الواسع، تصبح هذه الظاهرة أداة مثالية لـ “التوجيه القطيعي” ونشر الشائعات وتسطيح العقول كما تريد وتسعى. أما عندما يتسلح المجتمع بـ “التربية الإعلامية الرقمية”، فإنه يستطيع فرز الغث من الثمين، وتحويل تلك الموجات إلى منصات للتغيير الإيجابي وبناء حراك فكري راشد واعي لا ينساب وراء أي تريند وأي موجة تحاول اللعب على وتر العقلية والفكر والمبدأ.
في المحصّلة، ستبقى هذه الموجات الرقمية قوة ديناميكية ومرنة لا يمكن تجاهلها أو الحدّ منها.
إن الرهان الحقيقي لا يتجلّى في التصدي للظاهرة، بل في تعزيز الوعي الفردي ضد التبعية العمياء للبرمجيات. والتحوّل من مرحلة “المستهلك السلبي” الذي تتقاذفه أمواج المنصات، إلى مرحلة “الناقد الواعي” الذي يختار معاركه الفكرية بعناية وحذر، هو الطريق الوحيد للحرص على استخدام الفضاء الرقمي في بلورة المجتمعات، لا في تجزئة أولوياتها وتزييف وعيها.




