فاطمة الخطيب
ماذا نرى حين ننظر إلى صورة؟ وما الذي يبقى خارج إطارها؟ ومن يقرر أيّ الصور تصل إلى الجمهور، وأيّها يُحجب أو يُعاد تشكيلها؟ هذه الأسئلة تشكّل مدخل مهرجان “س” في دورته التاسعة، تحت عنوان “أنا أرى”، الذي يعيد مساءلة فعل الرؤية وعلاقة الصورة بالحقيقة، في زمن تتداخل فيه التكنولوجيا مع إنتاج الصور وتداولها وتشكيل الوعي بها.
افتُتحت فعاليات المهرجان، الخميس، في مركز خليل السكاكيني الثقافي في رام الله، بالتعاون بين مؤسسة عبد المحسن القطان ومركز خليل السكاكيني الثقافي ومهرجان “إنستانت فيديو” في مدينة مرسيليا الفرنسية.
مدير وحدة المشاركة المجتمعية في مؤسسة عبد المحسن القطان عبد الرحمن شبانة، يقول في حديث لـ”بالغراف”، إن عنوان “أنا أرى” “اختير بالشراكة بين الجهات المنظمة، ليعيد طرح السؤال التأسيسي للمهرجان: لماذا نصوّر، وماذا يعني أن نرى؟ ويوضح أن الدورة الحالية تعود إلى مساءلة فعل الرؤية ذاته، وعلاقة الكاميرا والعدسة بالحقيقة، بدل التعامل مع الصورة باعتبارها انعكاسًا محايدًا للواقع.
فالصورة، وفق شبانة، لا تنفصل عن الوسيط الذي ينقلها والسياق الذي تُعرض فيه، ولا عن الجهات التي تتحكم في انتشارها. وقد تتعرض للاجتزاء أو إعادة التوظيف ضمن سرديات مضللة، بما يجعل مساءلة ظروف إنتاجها وتداولها جزءًا أساسيًا من فهمها.
من يقرر ما الذي نراه؟
تتخذ هذه الأسئلة بُعدًا خاصًا في السياق الفلسطيني، حيث تؤدي الصور ومقاطع الفيديو دورًا في توثيق ما يجري في غزة، بينما تبرز، في المقابل، تساؤلات بشأن وصول هذه المواد إلى الجمهور، والقيود التي قد تؤثر في انتشارها.
ويشير شبانة إلى أن صور الإبادة التي توثق الانتهاكات قد يجري تحييدها أو تقليل أثرها وانتشارها، معتبرًا أن ذلك يستدعي مساءلة الوسيط الرقمي نفسه، بدل افتراض حياده في نقل الوقائع. فالمشكلة، وفق حديثه، لا تتعلق بمحتوى الصورة وحده، وإنما أيضًا بالأنظمة التي تتحكم في وصولها، وبالآليات التي تحدد ما يظهر في المجال العام وما يتراجع حضوره.
ويمتد هذا النقاش إلى استخدامات الذكاء الاصطناعي في السياقات العسكرية. ويحذر شبانة من الاعتماد على الخوارزميات في اتخاذ قرارات تتصل بالقصف والقتل، مشيرًا إلى أن هذه الأنظمة قد تستند إلى بيانات قاصرة، بما يثير أسئلة بشأن المسؤولية البشرية عن القرارات التي تُتخذ اعتمادًا عليها.
وبذلك، تتجاوز مساءلة الصورة التمييز بين الحقيقي والمزيّف، لتشمل الظروف التي تُنتج فيها، والجهات التي تتحكم في تداولها، وما قد يُحذف منها أو يُحجب عن متلقيها.
فن الفيديو.. تفكيك الصورة وما وراءها
يرى شبانة أن أهمية فن الفيديو تكمن في إتاحة المجال أمام الفنانين لتتجاوز الاستخدام التقليدي للصورة، وتفكيك العناصر التي تسهم في إنتاجها وتشكيل معناها. ولا يقتصر ذلك على ما تسجله الكاميرا، بل يمتد إلى مساءلة الأداة نفسها: من يصنعها؟ ومن يبيعها؟ ومن يستفيد منها؟ وما الذي يظهر داخل إطار الصورة، وما الذي يبقى خارجه؟
ومن خلال هذا التفكيك، يتيح فن الفيديو إعادة النظر فيما قد لا تكشفه المشاهدة الأولى، ويدفع الجمهور إلى التعامل مع الصورة بوصفها نتاجًا لاختيارات تقنية وبصرية، لا مجرد تسجيل مباشر لحدث. فالإطار الذي يحدد ما يظهر، والوسيلة التي تنقل الصورة، والسياق الذي تُعرض فيه، كلها عناصر تؤثر في طريقة تلقيها وفهمها.
وتزداد أهمية هذا الدور، بحسب شبانة، في ظل التدفق المتواصل للصور والمواد المرئية والنصوص عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، في مقابل محدودية الوقت المتاح للتأمل والتمحيص والتفكير فيما يُعرض.
ويصف شبانة المهرجان بأنه محاولة لخلق فسحة زمنية تسمح للجمهور بالتوقف أمام الصور ومساءلتها، بدل الانتقال من مادة إلى أخرى دون وقت كافٍ لفهمها. ويضيف أن هذه المساحة تتيح التفكير في كيفية تشكّل ما نراه، وتساعد على تجنب البقاء رهائن للمنظومات الإعلامية والتقنية التي تتحكم في تدفق المحتوى.
بين المشاهَد والمشاهِد
وفق التعريف المعلن للمهرجان، يتعامل فن الفيديو مع الصورة بوصفها مساحة للسؤال، لا نافذة يقينية على العالم. فالعين التي ترى، والكاميرا التي تسجل، والشاشة التي تعرض، جميعها تدخل في دائرة المساءلة. وتستخدم الأعمال المشاركة وسيلة العرض وشكلها وتركيبها الفني لإثارة التفكير في العلاقة بين المشاهَد والمشاهِد.
وتتناول الأعمال، بحسب المادة التعريفية للمهرجان، الحضور والغياب والمساحات الفاصلة بينهما، في محاولة لاستكشاف ما تستطيع الصورة إظهاره، وما قد تعجز عن التقاطه أو تنقله بصورة منقوصة.
ويقام المهرجان بالشراكة بين مؤسسة عبد المحسن القطان ومركز خليل السكاكيني الثقافي ومهرجان «إنستانت فيديو»، في امتداد لتعاون يجمع الجهات المنظمة حول أهمية فن الفيديو بوصفه مجالًا فنيًا يتيح مساءلة الصورة والتقنية، وإعادة النظر في طرق إنتاج المعنى بصريًا.
في دورة تحمل عنوان «أنا أرى»، لا يتوقف السؤال عند ما تعرضه الصورة، بل يمتد إلى الشروط التي تجعل رؤيتها ممكنة، والآليات التي تتحكم في وصولها، والحدود التي ترسمها بين ما يظهر وما يغيب. وهي أسئلة تضع المشاهد أمام مسؤوليته في التمعّن فيما يراه، وعدم الاكتفاء بالصورة بوصفها حقيقة مكتملة.




