loading

أطفالٌ صاروا شباباً في أقبية التحقيق

هيئة التحرير: حُفرت صرخة الطفل احمد مناصرة في وجه ضابط الشاباك “مش متذكر”، في أذهان الفلسطينيين، بكل ما حملته الكلمة من وجع يشي ببعض أساليب التعذيب التي تعرض له في أقبية التحقيق والزنازين، والتي أدت في نهاية الامر الى إصابته بمرض نفسي خطير.

تعرض مناصرة منذ لحظة اطلاق النار عليه واعتقاله عام 2015 حين لم يتجاوز عمره 12 عاما، لاعتداءات قاسية لا يحتملها كطفل، فقد تُرك ينزف على الرصيف بعد اطلاق النار عليه مع أبن عمه وصديقه حسن الذي ارتقى شهيدا، وسمحت قوات الاحتلال للمستوطنين بالهجوم عليه وهو مصاب وتوجيه السباب والشتائم له والدعوة الى قتله، ليتعرض بعدها لعمليات تنكيل وتعذيب خلال لتحقيق، ما نتج عنها آثار كارثية على حالته الصحية والنّفسية.

ورغم إصابته بمرض انفصام في الشخصية، والذي يتطلب رعاية طبية مستمرة، تواصل سلطات الاحتلال عزل مناصرة في ظروف قاهرة وصعبة، وحرمانه من “الفورة” والزيارة، دون توفير العلاج اللازم له.

وقال صالح مناصرة والد احمد لـ “بال غراف” إن إدارة سجون الاحتلال تواصل عزل احمد منذ قرابة خمسة شهور، ما أدى الى انتكاسة حالته الصحية والنفسية للاسوأ، لافتا انه تمكن مع والدة أحمد من زيارته في السادس عشر من اذار/مارس الماضي في سجن “إيشل” ببئر السبع، بعد حرمان من الزيارة لشهور، قائلا “كان في وضع صحي صعب للغاية، طوال الزيارة كان يبكي ومتوتر وخائف، بنيته الجسدية ضعيفة، ووضعه محزن للغاية”.

يتلقى احمد مجموعة من الأدوية من سلطات سجون الاحتلال، لكن العائلة لا تعلم ماهية تلك الادوية، لكن تأثيرها السلبي يبدو واضحا عليه، حسب ما قال والده، ” حالته العامة في تراجع مستمر، لا نعرف ماهية الأدوية ومدى مطابقتها لحالة أحمد الذي يحتاج الى حاضنة وليس عزل انفرادي، لان حالته تزداد سوءا”. وأضاف ” لا يخرج الى الفورة الا مصادفة، لان الدواء الذي يُعطى له يسبب له حالة كسل وخمول فيبقى نائم معظم الأوقات، وهناك تراجع في تغذيته “.

قدمت عائلة مناصرة استئنافا الى محكمة الاحتلال العليا في الثالث نيسان/ابريل الماضي، لإصدار قرار بالإفراج عنه بما يعرف بجزئية “الثلث”، وأحيل إلى لجنة لمتابعته.

الطفل أمل نخله 

الطفل أمل نخلة من مخيم الجلزون، بلغ سن الرشد داخل السجن في كانون الثاني/يناير 2022 بعد اعتقاله طفلا، يواجه مصيرا مجهولا، بسبب تجديد محاكم الاحتلال الاعتقال الإداري له والتي كان آخرها للمرة الرابعة في كانون ثاني/يناير2022، رغم اصابته بمرض مرض مناعيّ حادّ يتطلب علاجًا ومراقبة طبية مستمرة.

واعتقلت قوات الاحتلال نخلة لأول مرة في تشرين الثاني/نوفمبر 2020، ثم أصدرت محكمة الاستئناف العسكريّة في “عوفر” قراراً بالإفراج عنه نظراً لوضعه الصحي وصغر سنّه، بعد حوالي 40 يوماً من الاعتقال والتوقيف، وحملة واسعة من التضامن قامت بها مؤسّسات حقوقيّة وإنسانيّة، لتعود قوات الاحتلال لاعتقاله في كانون الثاني/ يناير 2021، ومنذ ذلك الوقت تجدد محاكم الاحتلال الاعتقال الإداري له بدون أي تهم موجهة إليه.

يعاني نخلة من مرض نادر وهو “الوهن العضلي الشديد” إضافة إلى ضيق في التنفس؛ الذي يسبب نوبات ضعف في العضلات، خاصة عضلات التنفس والبلع؛ إذ يصبح من الصعب التواصل بين الأعصاب والعضلات، وهو ما يتطلب متابعة صحيّة حثيثة، تتضمن تناول أدوية في الموعد المناسب، وبجرعاتٍ متغيرة، وتتناسب مع وضعه الصحيّ.

عمليات تنكيل مستمرة 

من جانبها قالت مديرة الإعلام في نادي الأسير اماني سراحنة لـ “بال جراف”، إن عمليات اعتقال الأطفال ترافقها عمليات تنكيل تستمر خلال التحقيق والاحتجاز في السجون، وأن مستوى استهداف الأطفال ترتفع وتيرتها مع الأحداث مثلما حدث خلال هبة 2015، التي شهدت استهدافا عاليا للأطفال وتحديدا في مدينة القدس التي شهدت أعلى معدلات الاعتقال.

ولفتت أن الأطفال يتعرضون لانتهاكات ممنهجة وثابتة، سواء باعتقالهم المنظم من خلال اقتحام منازل عائلاتهم ليلا ونقلهم للتحقيق وتعرضهم للتحقيق النفسي والجسدي بمستويات مختلفة، ونقلهم لمراكز التوقيف العسكرية التي تفتقر لأدنى مقومات الحياة الادمية مثل مركزي حوارة وعتصيون.

وتترك تلك السياسة والاستهداف والتنكيل المنظم الذي يتعرض له الأطفال آثارها البالغة عليهم، اذ قالت سراحنة ” إن إسرائيل تستهدف جيلا كاملا من الفلسطينيين، بتدمير الأطفال، وهذا تجلى بشكل واضح في القدس حيث تعمدت سلطات الاحتلال استهداف جيل الأطفال والفتيان بشكل تدميري، وأن معظم التهم الموجهة لهم تتعلق بإلقاء الحجارة”.

 ويتعرض الاسرى الأطفال لانتهاكات واعتداءات مثل الاسرى البالغين، حيث يتم اقتحام اقسامهم والتنكيل بهم وحرمانهم، مشيرة ان جائحة كورونا القت بظلالها الوخيمة على الأطفال الذين حرموا من زيارات عائلاتهم، وأثر ذلك على حالتهم النفسية بشكل أساسي.

تنتهج سلطات الاحتلال سياسة اعتقال الأطفال، تحديدا في مدينة القدس المحتلة، والمناطق القريبة من المستوطنات، وترتفع معدلات استهداف الأطفال مع كل هبة شعبية او مواجهة مع الاحتلال، فقد ارتفعت وتيرة اعتقال الأطفال منذ الهبة الشعبية التي اندلعت عام 2015، رافقها انتهاكات مختلفة كالتعذيب النفسي والجسدي، والتهديد والتنكيل والمعاملة القاسية، وعرضهم على المحاكم العسكرية، وفرض الغرامات المالية والعزل الانفرادي في أماكن لا تليق بهم وأعمارهم.

وحسب احصائيات نادي الأسير فقد اعتقلت قوات الاحتلال منذ 2015 حتى الآن، أكثر من 9 الاف طفل، كانت أعلى نسبة اعتقال عام 2015، بألفي حالة اعتقال، بينما سُجل اعتقال 250 طفلا خلال معركة سيف القدس والهبة الشعبية التي رافقتها سواء في الضفة او في الداخل المحتل العام الماضي، بينما اعتقلت سلطات الاحتلال خلال عام 2021 وحتّى شباط من العام الجاري نحو 850 قاصرًا/ة في القدس وحدها وأكثر من 1300 طفل من كل المناطق.

يقبع في سجون الاحتلال حاليا نحو 160 طفلا ممن تقل أعمارهم عن 18 عاما، يعانون من فقدان العناية الصحية والثقافية والنفسية وعدم وجود مرشدين داخل السجن، واحتجازهم بالقرب من أسرى جنائيين يهود في كثير من الأحوال، ويتعرضون للتخويف والتنكيل بهم أثناء الاعتقال، بأساليب ممنهجة تهدف لتدميرهم.

وتنتهك سلطات الاحتلال القوانين والمعاهدات الدولية التي الزمت الأطراف المعنية باحترام حقوق الطفل، كالمادة 16 من اتفاقية الطفل  التي تنص على: “لا يجوز أن يجري أي تعرض تعسفي أو غير قانوني للطفل في حياته الخاصة، أو أسرته أو منزله أو مراسلاته ولا أي مساس غير قانوني بشرفه أو سمعته” وتنص أيضاً على إن “للطفل الحق في أن يحميه القانون من مثل هذا التعرض أو المساس”.

وتستند سلطات الاحتلال في محاكمة الأطفال الى الامر العسكري 132 والى قانون الاحداث، والتي ميزت فيه بين الطفل الفلسطيني والإسرائيلي وأبرزها تخفيض سن “العقوبة” للأطفال من عمر 14 عامًا إلى 12 عامًا، وهذا يعني أن المحكمة تستطيع محاكمتهم من سن 12 عاما.

وقال مدير عام الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال خالد قزمار لـ “بال غراف”، إن إسرائيل مستمرة في استهداف الأطفال بأشكال مختلفة سواء القتل او الإصابة او الاعتقال والتعذيب، في تجسيد لسياسة ممنهجة هدفها تحطيم الطفل والتأثير في نموه السليم وصولا الى إيجاد طفل متوتر ومريض نفسيا من خلال عمليات التحقيق والاعتقال.

ولفت قزمار ان هناك توجه واضح لدى محققي الاحتلال بالتركيز على التعذيب النفسي على الأطفال، لا تظهر أعراضه وتأثيراته مباشرة وإنما لاحقا في حال لم يتلقى العلاج بشكل مباشر، ما يتسبب بمضاعفات على نمو الطفل النفسي والعقلي.

وأشار قزمار ان احمد مناصرة يعد مثالا لسياسة الاحتلال، فقد تعرض منذ لحظة اعتقاله، بعد ان أصيب وترك ينزف على الرصيف، ومن ثم اثناء علاجه بتقييده بالسرير ومنعه من الحركة، وبعد ذلك التحقيق والتعذيب النفسي والصراخ في المشهد القصير الذي جرى تداوله عبر الإعلام.

واكد أن ما يمارس من تعذيب بحق الأطفال سياسة اسرائيلية ممنهجة ومصادق عليها من هيئات عليا، وهي تتيح مساحة للجنود والمحققين مساحة لابتكار وسائل التأثير على الأطفال وتعذيبهم نفسيا وجسدا، والتي تبدأ باعتقال الطفل دون اهله او محامي، وارساله الى التحقيق العسكري مباشرة دون أي مساعدة قانونية، وخلال التحقيق يتعرض لتعذيب جسدي كالشبح والضرب، وتعذيب نفسي من خلال الضغط عليه وتهديده بأشكال مختلفة كالاعتداء عليه شخصيا او على عائلته، حتى يفقد الطفل السيطرة على نفسخه، ويصبح أداة في يد المحقق.

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة