loading

المشجعون: اللاعب رقم واحد في دوري المحترفين

أحرار جبريني

شهدت مباراة ديربي الجنوب في دوري المحترفين الفلسطيني بين نادي شباب الظاهرية ونادي شباب الخليل والتي انتهت بنتيجة ثلاثة أهداف مقابل هدف لحساب مباريات الجولة الخامسة، حضورا واداءً جماهيريا طال انتظاره في استاد هواري بو مدين في مدينة دورا جنوب الضفة الغربية المحتلة، حيث زينت لوحات الجماهير المدرجات وصدحت حناجرهم في أرجاء المدينة.

وعادت الجماهير لتضع بصمتها المميزة في هذه النسخة من المحترفين برعاية أوريدو، لا سيما في ظل اشتداد المنافسة بين الفرق، وإعداد روابط الجماهير نفسها جيداً، ما انعكس بشكل واضح وكبير على المدرجات التي حملت رسائل سياسية واجتماعية مميزة، في أجواء سادت فيها الروح الرياضية وحضر فيها التنافس.

يشكل الجمهور الرياضي عنصراً أساسياً من عناصر أي مجتمع رياضي، وقد أطلق عليه العديد من الألقاب، منها: اللاعب الثاني عشر للفريق، وفاكهة الملاعب، والحكم الخامس، وغيرها. فعجلة دوران الدوريات والبطولات لا تحلو إلا بتواجد هؤلاء المشجعين، الذين يعطون المباراة رونقاً خاص وأجواءً رائعة، “كباراً كانوا أم صغاراً” وبعيداً عن شغب الملاعب فكرة القدم معشوقة الجماهير ليست مجرد لعبة شعبية جماعية ذات قيمة رياضية ورسالة اخلاقية فقط، أو لاعبون يركضون خلف الكرة ويمارسون أدواراً مختلفة من أجل تحقيق النقاط والانتصار داخل المستطيل الأخضر، إنما هي جرعة سعادة و جسر تواصل اجتماعي من المحبة والألفة بين جميع الناس.

تعتبر كرة القدم في فلسطين المتنفس الأول لمتابعيها بل تكاد تكون المُتنفس الوحيد لهم، لنجد إقبالاً كبيراً للجماهير المتوافدة إلى الملاعب بهدف دعم فريقها بكل محبة وإخلاص، وفي ظل تطور ودخول كرة القدم الفلسطينية عصر الاحتراف المعتمد لدى كل من: الاتحاد الآسيوي لكرة القدم AFC، والاتحاد الدولي لكرة القدم FIFA، ارتفعت القاعدة الجماهيرية في المحافظات الشمالية لتصل لعدداً  تجده ضخماً، لاسيما أن جميع الأندية بمختلف الدرجات تمتلك روابط تشجيع، وتتكون من أفراد اجتمعوا على حب كرة القدم، والانتماء لأنديتهم، وتهدف الروابط إلى مؤازرة الفريق من خلال تشجيع وشحن لاعبيها بالهتاف والطبل والزمر ورفع الرايات دون تعب أو ملل طيلة 90 دقيقة على المدرجات.

جماهير الساحرة المستديرة وتطورهم لروابط تشجيعية فلسطينية..

 يعرف علم النفس الجمهور بأنه مجموعة من الأفراد يشتركون بذات الصفات والخصائص والدوافع التي تحركهم، وبناء على ذلك، فإن هؤلاء الأفراد يتصرفون كفرد واحد، وعندما يكون الفرد منعزلاً عن الجماعة يكون له صفاته ومميزاته.

أما بالنسبة للجماهير الفلسطينية، فمن وجهة نظري هم مجموعة من الأفراد المتابعين والمهتمين بلعبة كرة القدم، والولاء للأندية وألوانها ، ويمتازون بردود أفعال مختلفة حول مجريات اللقاء، ويتم ترجمة انتمائهم بالحضور المباشر من  داخل الملاعب، أو المتابعة من خلال وسائل الاتصال المختلفة.

إذا بحثنا عن خلفية هؤلاء الجماهير نجد أن حبهم للفريق هو الذي جمعهم وجعلهم يتواجدون بشكل دائم في الملاعب، وبالرغم من صعوبة التنقل التي تستمر أحياناً لساعات طوال بسبب الحواجز والإغلاقات في مختلف المدن الفلسطينية، نراهم يتسابقون في ابتكار العديد من أشكال التشجيع بهدف مساندة اللاعبين، بل عملوا على تشكيل روابط تشجيعية تمنح العضوية الذهبية والفضية والبرونزية لمنتسبيها، حيث يمكن تعريف الروابط التشجيعية الفلسطينية بأنها جسم رياضي يهتم بتنظيم وحشد وتفعيل دور مشجعي الفرق الرياضية بشكل يرتبط ارتباطا تاما مع قواعد وأصول التشجيع التي ينتهجها الفريق، ويضم عدداً غير محدود من المشجعين وفق هيكلية يتم الاتفاق عليها في اللوائح الداخلية للرابطة.

وتمتلك روابط التشجيع الفلسطينية كثيراً من الخصوصية اللي تقدمها على المدرجات تختلف من نادٍ لآخر، وتلعب تلك  الروابط دوراً إيجابياً وسلبياً في التأثير على مجريات المباريات. على سبيل المثال الجمهور الإيجابي هو الجمهور الواعي الذي له القدرة على خلق الحافز وإرادة التغيير لدى الجهاز الفني واللاعبين نحو التقدم وإحراز الفوز من خلال الأهازيج الجميلة والهتافات التشجيعية التي تهز المدرجات، أما السلبي والذي انحرف عن الطريق، فهو الذي لا يتقبل فكرة الخسارة أو التأخر بهدف فيعمل من خلال هتافاته السلبية للاعبي الخصم على إحباط اللاعبين واثارة الشغب.

  وتجدر الإشارة إلى أن المؤلف الفرنسي غوستاف لوبون تناول في كتابه” سيكولوجية الجماهير الحديث عن الخصائص النفسية للجماهير من حيث سرعة الانفعال والتأثر والعاطفة التي تتحكم بهم ومدى تعصبهم وأخلاقياتهم، وطبيعة المجموعات، ودوافع تحركاتها  والعوامل التي تحدد آراء الجماهير لتشكل توجهه ورؤيته، وهي العرق والتقاليد الموروثة والزمن، والمؤسسات السياسية، والاجتماعية، والتعليم والتربية.

ويقول خالد عويسات المشجع الوفي والعضو الفعال في رابطة جماهير فريق جبل المكبر المقدسي: “إن كرة القدم خلقت للمتعة وليس للتعصب، سواء كان الفريق فائزاً أو خاسراً، والشغب بالتأكيد ظاهرة سيئة ومتواجدة ليس فقط في ملاعبنا بل في جميع ملاعب دول العالم، ولكننا في فلسطين نحن أبناء قضية واحدة وكرة القدم تجمعنا لا تفرقنا. وبالنسبة لفريقي المقدسي  فأنا مشجع منذ خمسة وعشرين عاماً، وبطبعي لا أتوقف عن الهتاف طيلة 90 دقيقة، ودائما أكون سعيداً في حال الفوز ومن الطبيعي أن أحزن عند الخسارة”.

فيما يؤكد شادي جبريل وهو من مشجعي فريق مركز شباب بلاطة وعاشق لشعاره، على أنه لا يستطيع التحكم بأعصابه عند خسارة فريقه أو تعرضه لظلم تحكيمي أو حتى تعرض لاعب من فريقه للطرد أو تَحصل آخر على البطاقة الصفراء، فتصيبه نوبة غضب ويبدأ بالشتم لا إراديا، فهو دائماً يحب أن يرى فريقه فائز، ولا يستطيع تقبل فكرة الخسارة،  

ألتراس التشجيع يزين مدرجات فلسطين..

في فلسطين ظهر مؤخراً وأصبح أكثر تداولاً مصطلح “الألتراس” والذي يعبر عن مجموعات من الأفراد يعرفون بـحبهم وانتمائهم وولائهم الشديد لفريقهم أكثر من غيرهم من الجماهير، كما أنهم يعرفون بأنهم وحدة متكاملة في المباريات تحمل بداخلها روح خلية نحل، وظيفتهم تتمثل في حضور جميع المباريات داخل أرضه أو لا يغيب عن مرافقته أو لملعب المنافس، واختيار المكان المميز للجلوس على المدرجات”الكورفا” وعدم التوقف عن التشجيع طوال مجريات المباراة، ويبدعون في إطلاق الشعارات الرنانة بالتغني بلاعبي أنديتهم ويكمن هدفها بالتشجيع والمؤازرة لا المشاهدة والمتابعة.

وتستخدم الألتراس العديد من الأدوات في عملية التشجيع كالطبول والإعلام والألعاب النارية والرايات، التي تحمل دائماً رسالة واللافتة الكبيرة “الباش” تمثل شعار المجموعة، ويقود عملية التشجيع مسؤول يطلق عليه “كابو” الفريق، و يتميز بالصوت الجهوري وسرعة البديهة، ليردد أفراد الألتراس الهتافات وراءه أما ملابسهم فغالباً يكون زي موحد حتى تتم عملية الاصطفاف، وتعتمد الألتراس على التمويل الذاتي، سواء من أفراد المجموعة أو من بيع القبعات والقمصان.

ويقول خليل جادالله المعلق الرياضي الفلسطيني بخصوص الألتراس “أنا أحد أولئك الذين يحبون عملهم أحيانا، ولا يحبونه أحياناً. هم ببساطة مجموعة متعصبة من الشباب، لا تعرف حلول الوسط، فتبدو متفوقة على نفسها في لحظات كثيرة، خاصة عندما تصنع الرسائل الوطنية، وتساهم وللأسف في إحداث شروخ معينة في بعض الأوقات!”.

“فكرة الألتراس عالمياً وُجدت لتصنع المزيد من الإثارة في الملاعب، وأنا شخصياً أكره الإثارة التي لا يمكن السيطرة عليها. ولكن مثلا: ألتراس الأندية الفلسطينية أقل جنوناً من غيره، وأكثر مسؤولية وكثيراً ما يُصيب”.

 ألتراس الظاهرية واحدة من أبرز مجموعات الألتراس الموجودة في فلسطين إلى جانب ألتراس شباب الخليل وألتراس جبل المكبر ، حيث يوضح جهاد وريدات كابو ألتراس الظاهرية  العزلان:” بأنها تأسست عام 2010 مكونة من 25 عضواً، ويعتمدون على التمويل الذاتي والاشتراكات الشهرية، هدفهم يتمثل في الزحف خلف فريقهم أينما كان وتشجيعه طوال فترة المباراة، مشيراً إلى أنهم  بداية كل أسبوع يجتمعون من أجل التنسيق قبيل المباراة وإطلاق هتافات مميزة وإعداد حملات تشجيعية للفريق، مختتماً حديثه بجملة: “هو اها يالا يا ظهراوية بالروح بالدم نفديك يا غزلان”.

 “شبابي ورافع راسي.. اسمك يا الأبيض نحمي فيه.. إحنا وراك يا غالي.. 90 دقيقة نشجع فيه”. بهذه الكلمات اختار الناطق الرسمي باسم ألتراس “خليلي عبد الزرو” الحديث عن الألتراس، موضحاً بأنها مجموعة من جماهير شباب الخليل (عميد الأندية الفلسطينية) المتعصبين للنادي بشكل جنوني، تشكّلت عام 2011، هدفها مساندة الفريق وتشجيعه من على المدرجات ومواقع التواصل الاجتماعي بالسراء والضراء، وهم في الوقت ذاته أفراد ملتزمون بقوانين التشجيع.

من تعصب إلى عنف ثم شغب في الملاعب..

إن ظاهرة الشغب في الملاعب الفلسطينية والتي تكون مرافقة لمعظم مباريات الدوري، هي نتاج عن حماس وتعصب أعمى لفريق معين، فعند خسارة هذا الفريق يحدث عنف لفظي أثناء التشجيع قد يتطور إلى عنف جسدي، وهذا بدوره يؤدي إلى حدوث فوضى، بمعنى أن التعصب والعنف لا يمكن فصلهما عن الشغب.

ومن مظاهر الشغب في الملاعب الفلسطينية استخدام الشتائم والهتافات السيئة من قبل الجماهير خلال عملية التشجيع بالمدرجات، وإساءتهم لبعض اللاعبين أثناء اللعب بالتشهير بمصطلحات غير لائقة، والهجوم على ممتلكات الملاعب والعمل على تخريبها، وإلقاء زجاجات المياه الفارغة والممتلئة أثناء سير المباراة.

ويؤكد “محمود الهدار” مراقب المباريات بالاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، بأن الفريقان المتنافسان يشرعان بداية كل مباراة في التشجيع النظيف وتحية بعضهما البعض والهتاف بشكل لائق، وعند تسجيل أول هدف ينقلب الحال عند بعض الجماهير، إذ يبدؤون  بالشتم ومن ثم إلقاء زجاجات المياه، مشيراً إلى أن التعصب للأندية ينتج عنه سوء تقدير موقف، كالحُكم على حَكم الساحة بأنه لا يفهم بعد احتساب ركلة جزاء للفريق الآخر وغيرها من الأحكام، مضيفاً أن بعض الإداريين سبب في افتعال الشغب بعد شحنهم الجماهير.

بدوره يوضح خليل جادالله المعلق الرياضي على أن حال التشجيع في فلسطين هو كحال البلاد ككل، هنا. المشجعون مختلفون أيضاً. هم مطالبون -وهذا برأيي صحيح- بأن يصنعوا توازنا بين التشجيع والقدرة على ضبط النفس؛ لأنهم ينتمون لدولة محتلة، تتأثر سلبياً، أو ايجابياً بكل فعلٍ شبابي وجماعي.

حلول لمعالجة ظاهرة الشغب في الملاعب الفلسطينية..

إن تنمية ثقافة الوعي عند جماهير كرة القدم الفلسطينية، والتي تعمل على الحد من ظاهرة التعصب الأعمى للفرق المحلية وتقليص العنف والشغب للجماهير الفلسطينية، تقع مسؤوليتها على جميع أركان اللعبة بدءً من روابط الجماهير الرياضية بالتعاون مع الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، وصولاً لوسائل الإعلام الرياضي بتسليط الضوء على تلك الظاهرة بنشر الوعي وعدم استخدام مصطلحات مستفزة للجماهير في الصحف و مواقع التواصل الاجتماعي والرقابة.

وذلك باتباع العديد من الطرق تتمثل في:عقد ورش عمل بالشراكة بين الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم والأندية بضرورة إشراك رؤساء الروابط من أجل زيادة التوعية والتثقيف والتشجيع الحضاري، وفرض العقوبات والغرامات المالية والحرمان من اللعب على الأرض وبين الجمهور للأندية التي تخرج جماهيرها عن التشجيع الرياضي والمألوف، ونشر الوعي بين الجماهير حول مفهوم المنافسة الرياضية ومساعدتهم في التعامل مع حالات الفوز والخسارة كقيمة مجتمعية لها آثارها الإيجابية والسلبية، بالإضافة إلى تعزيز دور الإعلام في نشر الوعي وثقافة الاحترام ومعالجات الإشكاليات الناتجة عن الأحداث التي تخلفها مظاهر الشغب، و زيادة مستوى ومساهمة البرامج التثقيفية للجماهير على صعيد القوانين وأخلاقيات التشجيع النظيف والبعد عن التعصب الجماهيري.

كرة القدم  الفلسطينية لا يمكن فصلها عن الجماهير والمتابعين؛ فهما عنصران مرتبطان ببعضهما، حيث تعتبر الكرة وسيلة لتفعيل طاقات الشباب، وتفريغ الشحنات السلبية، كما تواجد الجماهير يضيف أجواء حماسية بين الفرق المنافسة، ولذلك فانّ لروابط التشجيع والألتراس دورها نحو التميز في ايصال رسالتها الإيجابية وشكلها المبدع، وقد خلقت  للهدف الجميل والأداء المميز، فهل يعمم التشجيع النظيف على أكبر قدر ممكن من  روابط الاندية الفلسطينية ويشكل حالة فريدة تستحق المتابعة والاهتمام؟

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة