هندسة أعمار الغزيّين: جبهة حرب خفيّة

عبدالله زماري

طالما شكل الإستيطان، عصب الحركة الصهيوينة، وعليه فإن صراع الفلسطيني ضد الصهيوينة يتمحور حول معادلتين لا تنفصلان، هما الأرض والسكان، تسعى الحركة الصهيوينة للتحكم بهما بشكل كامل، وأبدي، فمنذ المؤتمر الصهيوني الأول، ابتدأت حرب حول الأرض لم تنتهِ، حتى الآن، مع فترات جزر ومد، ربما كان أقساها هو العدوان الحربي الحالي الذي تشنه قوات الإحتلال، على قطاع غزة والضفة الغربية، مع تفاوت في الكثافة والشدّة.

 وكما الحرب، فإن الإستيطان لم يتوقف، منذ وطئت قدم أول مهاجر يهودي أرض الشعب الفلسطيني، وأيضا مع موجات جزر ومد، حسب الظروف الدولية، أحياناً، وحسب حركة الهجرة اليهودية إلى فلسطين، ولظروف أخرى، ليس هنا مجالها. 

الفصل بين معادلتي الأرض والسكان، أمر صعب التحقق، لذا لا بد من النظر إلى كل ممارسات وسياسات الإحتلال من خلال منظور هاتين المعادلتين، ولإن “أشد الأوجاع حاضرها”، كما نُقِلَ عن \الرسول “ص”، لا بد من النظر الى عدوان الإحتلال الحالي، من نفس المنظور، منظور الأرض والسكان، مع مراعاة الجدل الحاصل، بين أكثر من رأي حول الهدف الاستراتيجي للإحتلال، ما بعد حرب غزة بما يتعلق بالأرض والسكان، فهناك رأي يقول أن الإحتلال يسعى لتهجير السكان قسرًا تحت القصف والجوع والمعاناة، من أجل إفراغ الأرض من السكان، تمهيدًا لإعادة إحتلالها واستيطانها، ورأي آخر يقول أن الإحتلال لا يسعى لإعادة استيطان أرض قطاع غزة، لكنه يهدف فقط لتهجير نسبة كبيرة من السكان لضمان أن لا يضطر الإحتلال لخوض حربٍ أُخرى هناك، أو أن لا تشكل غزة أي تهديد لدولة الإحتلال في المستقبل المنظور،  يدعّم أصحاب الرأي الأول موقفهم، من خلال توجهات اليمين الديني وأحزاب المستوطنين، الذين يشكلون الإئتلاف الحاكم في دولة الإحتلال، هؤلاء يعتبرون الإنسحاب من غزة، سابقاً، خطأً استراتيجياً، لا بد من تصحيحه، بينما يعتبر متبنّي الرأي الاخر أن الإحتلال لو كان يريد غزة، ما انسحب منها في البداية، لسنا نرجح أحد الرأيين هنا على الآخر، ولكننا نحاول تقديم مقاربة على صعيد مختلف، وإن كنا نميل قليلاً إلى الرأي الثاني في بعض الجوانب.

نرى في مقاربتنا، أن الإحتلال يسعى إلى عملية “جَزَّ عُشبٍ” عميقة وطويلة الأمد والأثر، تضمن كما أسلفنا، أن لا يشكل قطاع غزة أي تهديد أمني أو عسكري على دولة الإحتلال لسنوات طويلة، قد تصل إلى عشرين عاما وأكثر، يراهن الإحتلال خلالها على قدرته _بمساعدة أطراف أخرى_ على إحداث ما يلزم من تغييرات إجتماعية وسياسية واقتصادية، خلال هذه السنوات، تجعل اختفاء هذا التهديد بشكل كامل، أو تخفيفه إلى الحد الأدنى المقبول، أمراً قابلاً للتحقيق.

نناقش تالياً، بشكل تقديري، جوانب تتعلق بمعادلة السكان في قطاع غزة، تماشياً مع ما ورد أعلاه، ونتحدث هنا عن مقاربة هندسة التركيبة السكانية في قطاع غزة، وتأثير ذلك على جوانب مختلفة في الصراع مع الإحتلال.

 هندسة التركيبة السكانية للشعب الفلسطيني في قطاع غزة، وليس التهجير القصري قد يكون الهدف الاستراتيجي للإحتلال، في حربه على قطاع غزة، حيث باعتقادنا أنه بالعقدين القادمين ستميل تركيبة سكان قطاع غزة إلى الكهولة، بديلا للتركيبة الحالية التي تعرف بانها تركيبة بأغلبية شابة.

يستهدف الإحتلال في عدوانه، الأطفال والنساء بشكل متعمد، بالقتل والإبادة، في “إبادة قطاعية”، وهو ما يفسر ارتفاع نسب شهداء العدوان من بين الأطفال والنساء، قياسا للعدد الكلي من الضحايا، وهو أمر يشير إلى أن أمامنا عقدين من الزمن، يحملان تغييرا حادا في التركيبة العمرية لسكان قطاع غزة، وذلك بسبب إبادة الأطفال _شباب الغد_ قتلاً، أو بسبب المجاعة والأمراض، الناتجة عن ظروف الحرب وما بعدها، وهي نفس ظروف الحرب، التي سيحدث بسببها تراجعٌ في نِسب المواليد ومعدلات الخصوبة، بسبب استشهاد نسبة كبيرة من القادرات على الإنجاب، بسبب الموت والظروف الصحية المصاحبة والتالية للحرب، ولنرى الصورة كاملة بها الجانب، فإن النسب العالية لقتل الأطفال، تشمل الذكور والإناث “المقبلات على سن الإنجاب خلال سنوات قليلة. نشير هنا إلى أن معدلات الخصوبة في فلسطين، تشهد انخفاضات متتالية، دون الأخذ بالحسبان تأثيرات العدوان الحالي، فبعد أن كانت نسبة الخصوبة في عام 1990، تناهز نسبة (6.4) نجدها انخفضت في العام 2022 إلى (3.6)، بينما ارتفعت نسبة الخصوبة لدى الإحتلال ارتفاعا طفيفا من (2.82) عام 1990، إلى (2.9) عام 2022، مع االأخذ بالحسبان أن هناك زيادة إضافية لعدد سكان دولة الإحتلال، مصدرها هجرة اليهود من عديد دول العالم، إلى فلسطين المحتلة. 

على المدى الطويل، يمكن أن تؤدي أي حرب إلى انخفاض عدد السكان نتيجة للآثار المباشرة وغير المباشرة للصراع، وتشمل الآثار المباشرة الإصابات الجسدية والوفيات، مما يقلل من عدد الأمهات والآباء المحتملين، وتشمل الآثار غير المباشرة تعطيل أنظمة الرعاية الصحية، والأوضاع النفسية المأساوية واسعة النطاق، ونزوح السكان، والعواقب الإقتصادية للحرب، والتي يمكن أن تؤدي إلى انخفاض مستويات المعيشة وانخفاض إمكانية الوصول إلى الضروريات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية والتعليم، تحمل الآثار الخفية، أو البَعديّة للحرب، أخطاراً اكبر _ربما_ من تلك التي تحملها العمليات العسكرية المباشرة، وإن كان تركيز السياسيين والعسكر ينصب على المكاسب والمخاسر السياسية والعسكرية للحرب، فإن الإنتباه الاكبر باعتقادنا لا بد ان ينصب على بعض الآثار الخفية، والمؤجلة للحروب، تلك الآثار التي يندرج بعضها في إطار المسكوت عنه، فلا أحد يرغب بإثارته، خاصة في مجتمعات محافظة، لها خصوصاتها الثقافية والقِيَميّة.

من المتوقع أن يرتفع معدل الفقر بشكل حاد، بنسبة تتراوح بين 20 و45 في المائة تبعاً لمدة الحرب، ومنذ بداية الأسبوع الثالث من الحرب، تشير التقديرات إلى أن جميع سكان غزة تقريباً قد أصبحوا فقراء متعددي الأبعاد (96 في المائة) استناداً إلى مؤشر الفقر الوطني متعدد الأبعاد

الفجوة في تركيبة الأعمار، وميل الميزان لصالح فئة الشيخوخة، في قطاع غزة، ستعززها بالمقابل حركة واسعة للهجرة الطوعية، وهو أمر متوقع نتيجة انعدام سبل الحياة في القطاع، ما بعد الحرب _مهما كنت نتيجة الحرب_ حيث يتوقع حدوث موجات هجرة طوعية كرد فعل على الدمار والخراب وانعدام أي فرصة لتوفير سبل حياة جيدة، ولو بالحد الأدنى، والحقيقة شبه المؤكدة أن المهاجرين سيكونون من فئة الشباب الباحثين عن حياة كريمة، وتحقيق القدرة على إعالة أنفسهم وأسرهم، وهو ما يعني أن نسبة لا باس بها من الشباب سترحل مع عائلاتها، الحالية، أو سيكوّنون عوائلاً في الشتات.

الفجوة العمرية القادمة بشكل شبه مؤكد على قطاع غزة، ستعني غياب أي شكل للمقاومة ولو بحده الأدنى، ولكن ليس هذا الاثر هو الأخطر على القطاع، حيث ستؤدي آثار الهجرة “الشابة” إلى تراجع وضعف كبيرين في مختلف قطاعات الإنتاج، سواء الإقتصادي أو الأكاديمي، مع زيادة “الإعتمادية”، فالمجتمع غير المنتج، سيحتاج إلى مستويات أكبر من الإعانات، والدعم الخارجي، وهو ما يضر مستوى المعيشة الفردي والجماعي، طالما بقيت عجلة الإنتاج مختلّة، ومن غير المتوقع، ان يكون هناك حركة عودة للقطاع من قبل اولئك المهاجرين، خاصة من استطاع منهم تكوين أسرة، والإنخراط في عجلة الإنتاج في دول التواجد. 

يضاف لذلك، جانب مهم جداً، وهو الآثار النفسية التي ستخلفها الحرب، والتي ستتراكم مع آثار الحروب السابقة، وانعدام الأمان الراسخ في وعي سكان القطاع، كنتيجة لكل هذه الحروب والأزمات والظروف غير المستقرة، حيث الإنسان بطبيعته البشرية يسعى نحو الأمان والإستقرار، ومن المستبعد أن يفكر “الآمن” بالعودة إلى مكان لا يشعر فيه بأدنى مستويات الأمان على نفسه وأسرته وممتلكاته، ولكن هذه قضية كبرى أخرى.

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة
الرئيسيةقصةجريدةتلفزيوناذاعة