جيفارا سمارة
عكفنا في “بالغراف” منذ أكثر من شهر على إعداد بحث يتعلق بـ”الصحافة الثقافية”، وهو باب يتطلب الكثير من البحث، والكثير الكثير من القراءة، وليس خافيا على احد انه ليس من السهل محاورة المثقفين والشعراء والفنانين، فأي خطأ بسيط قد يثير حفيظتهم. وخلال الغوص فيما كُتِب في هذا المجال، لاحظت أسماءً مرموقة تطرقت إلى الصحافة الثقافية بالسلب والإيجاب، فقلت لنفسي: هم ضالتي في مقابلات البحث، لكن المفاجأة أن حوالي 10 منهم رفضوا الحديث!.
أصرّ محمود حريبات (أحد القائمين على بالغراف) أن نكتب عن هذا الرفض، فقلت لنفسي مرة أخرى: ربما مرّ بعضهم بتجارب سيئة بعد نقده الأوضاع، أو لأي سبب اخر بالنسبة له، وسينسى محمود الأمر. وبما أن عددًا ممن حاولت الاتصال بهم كتبوا في موقع “رمان الثقافي” وهو صرح أدبي، قلت: لِمَ لا أجرب مع مؤسس الموقع الأستاذ سليم البيك وإن كان يقيم في فرنسا، أرسلت له الأسئلة، تأخر الرجل يومين إلا أنه عاد بالاعتذار، لا عن الرد، ولكن عن التأخير، وبالرد عن كل الأسئلة.
ظل الأمر على هذا إلى أن سمعت بالأمس تجربة مماثلة على الهواء مباشرة لصحفي، ومن دفعني لتنفيذ طلب محمود اليوم، ليست التجربة المهمة للمذيع، بل الضيف أكثر، لتجربتي معه!!.
ويقول المذيع: “الإعلام الفلسطيني (المحلي) له سيطرة (جماهيرية وانتشار)، يكون له سيطرة لأنه بالليل أنت بتروح على الجزيرة.. وغيرها، ما في مطرح فلسطيني، بس نحن الصبح بنسيطر، إعلامنا الإذاعات المحلية في كل مطرح إحنا بنسيطر ساعتين ثلاث”.
يجيب الضيف بعد حديثه عن سؤال ذي بعد سياسي يتعلق بالفساد: “بس فيما يتعلق بوسائل الإعلام العربية وبوسائل الإعلام الإسرائيلية، بتعرف أنا كنت لسنوات مدير عام المطبوعات والنشر في وسائل الإعلام، وحاولت مثلًا إنه نضع قاعدة المعاملة بالمثل، وهي قاعدة يعني متعارف فيها وعادلة، يعني إذا بدك تسمح لصحفيين يجوا عندك، مفترض البلد اللي بينتموا لها هؤلاء الصحفيين تسمح لك لصحفيينك إنهم يدخلوا، وكذلك في التغطية والـ والسياسة التحريرية، يعني لازم يكون في عمل بالمثل، ولكن إحنا نتصرف كأنه حيطنا واطي، نحن كنا نسمح، نحن كنا نسمح بس بدنا إياك تبعد عن السؤال، كنا نسمح للإسرائيلي يفوت على المقاطعة في رام الله يعمل مقابلة، وكل الصحفيين الفلسطينيين ما يقدر واحد فيهم يمرق من حاجز، نعم، وأنا طرحت هي المسألة سواء مع الرئيس الراحل ياسر عرفات أو مع الرئيس الحالي يعني أبو مازن، وإنه يعني نحن إيه أولًا هي الحريات اللي بتنعطى لوسائل الإعلام الأخرى لا تُعطى للفلسطينيين، المعلومات أنت هلا بتشوف بالصحف الإسرائيلية معلومات من مصادر فلسطينية حساسة جدًا لا تُعطى للصحفي الفلسطيني، بالضبط يعني، لا.. طب ليش؟ بقول لك بعدين ليش الصحافة الفلسطينية يعني مش هي مصدر القراءة والاهتمام من الجمهور الفلسطيني”.
يعود المذيع بمداخلة: “طيب أنا بدي أضرب لك مثالًا تأكيدًا لكلامك، لما كنت أشتغل مع وكالة أجنبية، لما كنت أتصل مع من عند رئيس الحكومة وأنزل إيه، كان تلفوني عمره ما.. عمره ما ارتد، عمره ما ارتد (ما رُفِضت الإجابة على اتصالي)، عمره يعني ما قالوا مش موجود أو لا، كل المسؤولين كانوا بدهم يجاوبوا، بدهم يحكوا، أي مستعدين، بس على الإعلام المحلي لا، بحلقوا لنا وبحلقوا لنا على الناشف كمان”.
بعد سماعي شهادة المذيع أدركت أن الكل المحلي يعاني، ولكن أدهشتني مداخلة الضيف، لأن لي تجربة مريرة معه؛ فعندما كنت أكتب لوكالة معينة كنت دائمًا أتصل به، أما اليوم ولـ”بالغراف” فكلما أتصل به -وهنا سأستعير وصف الزميل المذيع-: “بحلق لي وبحلق لي على الناشف كمان”.
فعلى الأفراد لا تملك سوى العتب، فهم لهم مطلق الحرية أن يحلقوا للصحفي المحلي إلا من ربطتهم به مصلحة أو معرفة، ولكن وللأسف الأمر أصبح ما يمكن وصفه بالظاهرة؛ فقبل أيام أعلنت مؤسسة مرموقة في مجال النزاهة والشفافية عن استكتابات للصحفيين، وفي ظل الأزمة المالية الحالية فإن أي فرصة استكتاب هي فرصة، تقدمت من جملة من تقدموا للاستكتاب، إلا أن ما أدهشني هو سؤال في طلب الاستكتاب: “هل حساباتك على السوشال ميديا متابَعة؟ أرفق لنا رابط حسابك!!!”..
هل هذا حقًا نهج مؤسساتي؟ فالأصل أنك مؤسسة كل ما يصدر عنك بمثابة وثائق تُؤتَى ولا يُروَّج لها، وإن كنت تطمح لـ”اللايكات” أو “التكبيسات” فقد أخطأت أصحابك، فكان عليك اللجوء إلى “الإنفلونسرز”؛ شاب “كيوت” من خارج النطاق، أو فتاة “كيوتة” ترتدي من الملابس ما ضاق!




