محمد أبو علان/ خاص بالغراف
حجم الاستيطان الإسرائيلي غير المسبوق في الضفة الغربية منذ تشكيل حكومة بنيامين نتنياهو، كان الهدف له واحد ووحيد وهو القتل النهائي لحل الدولتين، ومنع أي تسوية سياسية، وهذا ما كرره مراراً وتكراراً وزير المالية والوزير في وزارة الحرب الإسرائيلية بتسلئيل سموتريش، بالتالي جاء هذا الحجم من الاستيطان لكي لا يمنح أي حكومة إسرائيلية أخرى فرصة التراجع عن الواقع الجديد حتى لو أرادت.
صحيفة هآرتس العبرية كتب تحت عنوان “هكذا قبرت الحكومة الإسرائيلية حل الدولتين بطريقة مخططة وممنهجة”، خلال مدة ولايتها، حكومة نتنياهو صادقت على إقامة وتسوية أوضاع عشرات المستوطنات في مواقع استراتيجية في الضفة الغربية، الهدف فرض وقائع على الأرض لا رجعة عنها، أدت لقتل أي عملية سياسية محتملة في المستقبل، وحتى لو تم تشكيل ائتلاف حكومي يسعى إلى عكس هذا الاتجاه، فإن الخبراء يتفقون على أنه سيواجه صعوبة كبيرة في القيام بذلك.
وتابعت هآرتس: “اليوم نحن نفرض حقائق على الأرض، الدولة الفلسطينية أزيلت عن الطاولة، ليس بالشعارات بل بالفعل، كل مستوطنة وكل حي استيطاني وكل وحدة استيطانية هي مسمار إضافي في نعش هذه الفكرة الخطرة”، هذه كانت تصريحات بتسلئيل سموتريش في شهر آب من العام الماضي عند المصادقة على خطة الاستيطان في منطقة E1.
وتابع سموتريش تصريحاته: “الحديث عن خطوة تمسح عملياً وهم حل الدولتين “، خطة E1 هدفت لفصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها، وكان تم وقفها منذ سنوات بسبب ضغوطات دولية، ولكن من تحت الرادار الإعلامي، وخلال سنوات ولايتها نفذت حكومة بنيامين نتنياهو عمليات توسع استيطاني أوسع وأشمل، ما أدى لإغلاق الباب تدريجياً أمام إمكانية أي تسوية سياسية ما زال الكثيرون في الرأي العام الإسرائيلي يؤمنون بها، ألا وهي الانفصال الجغرافي عن الفلسطينيين، وتحقق ذلك من خلال الموافقة على ما لا يقل عن 103 مستوطنات، وهو حدث استراتيجي غير خريطة الضفة الغربية.
منذ العام 1967 وحتى بدء ولاية حكومة بنيامين نتنياهو الحالية أقامت إسرائيل 127 مستوطنة، وسوت أوضاعها القانونية، ولكن منذ بدء ولاية الحكومة الحالية تم تقريباً مضاعفة العدد، على الورق يوجد قرابة 300 بؤرة استيطانية في مراحل التسوية، أكثر من نصفها أقيم خلال الحرب الحالية، مؤخراً أشار وزير الحرب يسرائيل كاتس لخطوة تسوية أوضاع 140 منها.
نتيجة هذه السياسة 470 نقطة استيطانية في الضفة الغربية هدفها مسح فرصة إقامة دولة فلسطينية، سموتريش عبر عن هذا الهدف بوسائل عدة منها شريط فيديو في يناير هذا العام، والذي خصصه للرئيس الفرنسي مكون، قال فيه:” إنه يحظى بدعم من رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو الذي قال: لن تقام دولة فلسطينية”.
هاجيت أفران من فريق مراقبة المستوطنات في حركة السلام الآن قالت عن الأوضاع في الضفة الغربية في ظل حكومة نتنياهو – سموتريش: “الضفة الغربية لا تبدو كما كانت قبل ثلاث سنوات، تحدث هنا أمور دراماتيكية للغاية ، الموافقة على مستوطنات جديدة، والانسحاب من اتفاقية أوسلو إلى واقع الضم الفعلي، وضخ الأموال بشكل هائل في البنية التحتية والطرق، وانهيار السلطة الفلسطينية، والاستيلاء على مزارع تبلغ مساحتها قرابة مليون دونم، والطرد الذي يمثل جهداً مشتركاً بين الجيش الإسرائيلي والمستوطنين ،ولا يوجد أي نقاش عام حول هذه الأمور على الإطلاق”.
وحسب حركة السلام الآن، إلى جانب الجهود الأمنية الكبيرة المطلوبة من الجيش لحماية المستوطنين، حكومة نتنياهو أنفقت خلال ولايتها 19،8 مليار شيكل على تطوير المستوطنات والبنى التحتية، وهذا المبلغ لا يشمل تكلفة الأمن المطلوب لحماية المستوطنين.
المصادقة على 103 مستوطنات:
تحليل بيانات المستوطنات الـ 103 التي تمت الموافقة عليها يكشف عن خطوة مخططة بشكل جيد، تشمل ظواهر تجنبتها إسرائيل منذ عقود، وظواهر جديدة، منها تأهيل وبناء مستوطنات في مناطق إطلاق النار، وتنظيم البؤر الاستيطانية التي شاركت في تهجير المجتمعات؛ ولكن في المقام الأول من الأهمية أن ينبثق من هذه الفكرة هدف واضح: المستوطنات الجديدة المتوقع أن يتم بناء بعضها في مناطق لم تشهد وجوداً إسرائيلياً على الإطلاق تهدف إلى تقطيع أوصال الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية.
وعندما يكرر سموتريش ويعلن أن هذه “ثورة في الاستيطان”، يبدو أن الجمهور الإسرائيلي الذي خرج بأعداد كبيرة للتظاهر لطابع إسرائيل الديمقراطي واليهودي، يفتقد لمعرفة ما يحدث على الرغم من الارتباط الواضح بين إفشال حل الدولتين وطابع الدولة.
لقد نجحت ظاهرة الإرهاب اليهودي بالفعل في اختراق وسائل الإعلام الرئيسية، لكنها ليست سوى غيض من فيض لتحرك أكبر بكثير نحو الضم الصامت للضفة الغربية، أولئك الذين يقودون هذه الحركة ليسوا فتيان التلال أو المستوطنين الذين يقفون على رأس البؤر الاستيطانية، بل الحكومة الإسرائيلية، ووفقاً للخبراء في الأوساط الأكاديمية والمنظمات المدنية، قد يكون هذا الأمر لا رجعة فيه بالفعل، ولم يتم هذا الضم بحكم الأمر الواقع فحسب، بل بحكم القانون أيضًا.
حمى التراخيص:
الخطوة الأهم في انقلاب الضم تم التوقيع عليه في اتفاق الائتلاف الحكومي، من خلال تعين سموتريش وزيراً إضافياً في وزارة الحرب، وإقامة إدارة الاستيطان، والتي أخذت من الإدارة المدنية الصلاحيات المدنية في مناطق “ج”، وهنا بدأ سموتريش بممارسة دور الجيش في قضايا الأراضي والتسويات والتخطيط وإنفاذ القانون، والتشريع في القضايا المدنية من خلال أوامر عسكرية، والاستشارات القانونية في هذه القضايا نقلت من المستشار القضائي للجيش المُلزم بالقانون الدولي، للمستشار القضائي لوزارة الحرب الإسرائيلية.
في العام 2023 أجريت خطوتان مكملتان، في شباط منحت الحكومة الصلاحيات للمجلس الوزاري الأمني السياسي المصغر “الكبنيت” صلاحية إقامة المستوطنات وتسويتها، وفي حزيران اتخذت قرار تقصير إجراءات البناء في المستوطنات، وعندما نقلت الصلاحيات من وزير الحرب لسموتريش حصل تسارع مذهل في وتيرة تعزيز البناء الاستيطاني في الضفة الغربية.
من جهة تسارع كبير في المصادقة على بناء المستوطنات بالخفاء، حتى نهاية العام 2025 صودق على بناء 40 ألف وحدة استيطانية في الضفة الغربية حسب حركة السلام الآن، وفي شهر حزيران 2026 أعلن سموتريش أن العدد يقف على 60 ألف وحدة استيطانية، وإقامة 103 مستوطنات، ومن باب المقارنة، في العشر سنوات التي سبقت ولاية نتنياهو تمت المصادقة على ست مستوطنات.
بين فبراير 2023 ومارس 2025 اجتمع الكبنيت ثلاث مرات وصادق على إقامة 28 مستوطنة، كلها إما بؤر استيطانية كانت مقامة، أو أحياء استيطانية تم فصلها عن مستوطنات قائمة، ومنذ العام 2025 تم زيارة وتيرة الاستيطان، سواء من حيث عدد المستوطنات، حيث تمت المصادقة على 74 مستوطنة جديدة، أو من حيث مواقعها، في مارس الماضي، صادق الكبنيت المصادقة على 34 مستوطنة على أراضي فلسطينية ملكية خاصة، في أراضي صنفت أراضي إطلاق النار، وفي مناطق معزولة بين تجمعات فلسطينية، في نفس الجلسة حذر رئيس الأركان بأن الخطوة لا تتناسب مع القوى البشرية في الجيش الإسرائيلي، مما جعله يتعرض للتوبيخ من قبل الائتلاف الحكومي.
وتابعت صحيفة هآرتس: من تحليل المعطيات حول ال 103 مستوطنات التي تمت المصادقة عليها بما فيها ال 48 بؤرة استيطانية التي تم تسوية أوضاعها، و24 بؤرة استيطانية زراعية أو أحياء استيطانية فصلت عن مستوطنات قائمة، و31 مستوطنة جديدة، منها أربع مستوطنات أخليب بموجب قانون فك الارتباط في العام 2005، فإن النقطة الأكثر لفتًا للانتباه التي تظهر من تحليل البيانات هو المنطق المكاني الذي يوجه الموافقات، إلى جانب تكثيف الكتل الاستيطانية القائمة، على سبيل المثال في كتلة شيلو وتلمونيم، نرى اتجاهاً لتكثيف نقاط الاستيطان على طول طرق المنطقة (ج)، وفي المواقع المعزولة التي تفصل بين المناطق الخاضعة لسيطرة السلطة الفلسطينية وتمنع الاستمرارية الجغرافية.
الخطوة الأخيرة تخدم رؤية سموتريش لـ “خطة القرار والسيادة” الرامية إلى إنشاء كنتونات فلسطينية منفصلة، وإغلاق الباب أمام التطلعات الوطنية الفلسطينية، في سبتمبر الماضي أوضح سموتريش أن حقوق التصويت الوحيدة التي ستمنح للفلسطينيين ستكون في الانتخابات البلدية “في كنتوناتهم الخاصة حيث سيُحكمون”، وليس “في برلمان ذي سيادة”.
وحسب حركة السلام الآن: كثافة المستوطنات بين المناطق الفلسطينية، وانهيار السلطة الفلسطينية، هي خطوات دراماتيكية تمنع أي حل سياسي، لماذا استهداف السلطة الفلسطينية؟، لأنك تحتاج لجهة لكي تتوصل معها لحل سياسي، بالتالي من الصعب تطوير سلطة فلسطينية واقتصاد فلسطيني مادامت أرضها مليئة بالمستوطنات.
ووفق حجيت عوفره من حركة السلام الآن: الإسرائيليون يوصلون رسائل للفلسطينيين أنه من غير المجدي حل الصراع بالطرق السلمية، ويدفعون بهم لاتخاذ خطوات راديكالية، وسموتريش سعى لإضعاف السلطة الفلسطينية وتقوية حماس، وقال في يوم من الأيام أن “حركة حماس كنز”.




