loading

الحنين إلى فيسبوك القديم

إياد الرفاعي

أخشى أحيانًا أنني لا أحنّ إلى فيسبوك القديم، بل إلى زمن كان النص فيه هو اللغة الأم للإنترنت.

في تلك السنوات، لم يكن فيسبوك مجرد منصة نتصفحها في أوقات الفراغ، بل كان مساحة عامة جديدة. مساحة نكتب فيها أكثر مما نصور، ونناقش أكثر مما نستعرض، ونحاول أن نفهم العالم أكثر مما نحاول أن نجذب انتباهه. كان بإمكان منشور من ألف كلمة أن يحظى بمئات التعليقات، وأن يفتح نقاشًا يمتد لأيام، دون أن يشعر أحد بأن طول النص عيب، أو أن القراءة عبء.

بالنسبة لجيل كامل، لم يكن فيسبوك مجرد شبكة اجتماعية، بل أول صحيفة نمتلكها جميعًا. لأول مرة شعرنا أن الأفكار لم تعد حكرًا على الصحف ودور النشر والفضائيات. صار بإمكان طالب جامعي، أو موظف في بداية حياته المهنية، أن يكتب، وأن يجد من يقرأ، وأن يشارك في تشكيل الرأي العام، ولو داخل دائرة صغيرة. كنا نظن أننا نمتلك سلطة جديدة. وربما كنا نمتلكها بالفعل.

وصف عالم الاجتماع مانويل كاستلز هذا التحول بأنه انتقال إلى “مجتمع الشبكات”، حيث أصبحت القدرة على إنتاج المعلومات ونشرها شكلًا جديدًا من أشكال القوة، ولم يعد الجمهور مجرد متلقٍ، بل أصبح منتجًا للمعنى أيضًا، لكننا لم ندرك أن السلطة الحقيقية لم تكن في أيدينا، بل في يد الخوارزمية.

في عام 1971 كتب الاقتصادي وعالم الاجتماع هربرت سيمون جملة تبدو اليوم أشبه بنبوءة: “وفرة المعلومات تخلق فقرًا في الانتباه”. هذه الجملة تختصر الإنترنت الحديث كله. فالمنصات لم تعد تتنافس على جودة المعرفة، بل على الزمن الذي تقضيه داخلها. والمنتج الحقيقي لم يعد المنشور أو الفيديو، بل انتباهك وكل ثانية إضافية تبقى فيها على الشاشة تتحول إلى مساحة إعلانية، وبالتالي إلى أرباح.

تكشف التقارير المالية لشركة Meta أن إيراداتها بلغت نحو 164.5 مليار دولار في عام 2024، وأن الجزء الأعظم من هذه الإيرادات جاء من الإعلانات. كما ارتفع عدد مرات ظهور الإعلانات للمستخدمين بنسبة 11% خلال العام نفسه، وارتفع متوسط سعر الإعلان أيضًا، وهو ما يعكس نجاح الشركة في جذب انتباه المستخدمين وبيعه للمعلنين.

عندما يصبح الانتباه هو السلعة، يصبح من الطبيعي أن تتغير معايير النجاح، إذ لم تعد المنصة تسأل: “هل هذه الفكرة جيدة؟” صارت تسأل: “هل ستمنع إصبع المستخدم من مواصلة التمرير؟”

قد يظن البعض أن انتصار الفيديو القصير كان تطورًا طبيعيًا في ذائقة الناس، لكن الاقتصاد يقول شيئًا مختلفًا، فكلما زاد الوقت الذي يقضيه المستخدم في المشاهدة، زادت فرص عرض الإعلانات، وزادت الأرباح. لذلك لم يكن مستغربًا أن تستثمر ميتا مليارات الدولارات في تطوير الفيديو القصير، وأن تتحول خاصية Reels خلال سنوات قليلة إلى نشاط يقدّر محللون أنه يدر عشرات المليارات من الدولارات سنويًا من الإعلانات.

بعبارة أخرى، لم تنتصر الفيديوهات القصيرة لأنها أكثر عمقًا، بل لأنها أكثر ربحية. لكن التحول لم يكن في شكل المحتوى فقط، بل في طريقة توزيع المعرفة نفسها.

دراسة حديثة حللت أكثر من 5.2 ملايين منشور وما يقارب 7.9 مليار تفاعل على فيسبوك، أظهرت أن التفاعل مع المحتوى الإخباري انخفض بنحو 78% بين عامي 2021 و2024 بعد تعديلات الخوارزمية، بينما لم يشهد المحتوى غير الإخباري الانخفاض نفسه. لم يكن الناس قد توقفوا فجأة عن الاهتمام بالأخبار، بل كانت المنصة قد أعادت ترتيب أولويات ما يستحق أن يُرى.

هذه ليست مجرد تفاصيل تقنية، إنها إعادة تعريف للمجال العام.

كان الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس يرى أن ازدهار المجتمعات الديمقراطية يحتاج إلى فضاء عام يتبادل فيه الناس الحجج والأفكار بحرية. أما اليوم، فيبدو أن هذا الفضاء نفسه أصبح خاضعًا لمعادلة مختلفة: كلما زادت قدرتك على إثارة الانفعال، زادت فرصتك في الظهور.

لا أريد أن أبدو وكأنني أهاجم الفيديو أو أحن إلى زمن مثالي لم يوجد أصلًا. فيسبوك القديم لم يكن مدينة فاضلة، كان مليئًا بالأخطاء، وبالآراء السطحية، وبالجدالات العقيمة لكن هناك فرقًا جوهريًا، حيث كنا نكتب لأن لدينا شيئًا نريد قوله.

أما اليوم، فكثيرًا ما نكتب أو نصور لأن الخوارزمية تكافئ شكلًا معينًا من التعبير أو لأننا تحت ضغط صناعة محتوى في هذا الحيز، كأنه ليس مهم ما تقول بقدر ما هو مهم أن تقول أصلًا لتحافظ على مقعدك على طاولة الخوارزميات.

ومن ناحية أخرى، فإن الجسد أصبح أكثر قابلية للانتشار من الفكرة، والإيقاع أسرع من التأمل، والإثارة أكثر قيمة من الحجة.

يصف الفيلسوف (بيونغ تشول هان) هذه الحالة بأنها انتقال من مجتمع المعرفة إلى مجتمع الإرهاق.. حيث يغرق الإنسان في تدفق لا ينتهي من المعلومات، لكنه يفقد تدريجيًا القدرة على التوقف والتأمل.

أما عالم النفس (دانيال كانيمان) فقد ميز بين التفكير السريع الذي يعتمد على الاستجابة الفورية، والتفكير البطيء الذي يحتاج إلى القراءة والتحليل. ويبدو أن معظم المنصات الحديثة صممت لتغذي الأول، لأنها تحقق تفاعلًا أعلى وعائدًا اقتصاديًا أكبر.

ربما لهذا السبب أشعر بالحنين، ليس لأن فيسبوك كان أجمل إنما لأن الإنترنت كان أبطأ، وكان يسمح للفكرة أن تكمل جملتها. كان يمنح النص فرصة عادلة قبل أن يبتلعه سيل لا ينتهي من المقاطع القصيرة.

أحن إلى زمن كنا نختلف فيه داخل التعليقات، لا داخل خانات التفاعل السريع، إلى زمن كان الكاتب ينافس الكاتب، لا ينافس الراقص، ولا المؤثر، ولا الخوارزمية.

لقد تغيرت المنصات، وتغير معها تعريف النجاح، ولم يعد النجاح أن تترك أثرًا في ذاكرة القارئ، بل أن تحجز ثلاثين ثانية إضافية من انتباهه، وربما لهذا السبب لا أشتاق إلى فيسبوك القديم بقدر ما أشتاق إلى زمن كانت فيه الكلمة تُقرأ قبل أن تُستهلك، وكانت الفكرة تُناقش قبل أن تُقاس بعدد المشاهدات.

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة


جميع حقوق النشر محفوظة - بالغراف © 2025

الرئيسيةقصةجريدةتلفزيوناذاعةحكي مدني