جيفارا سمارة
اختُتمت في مدينة رام الله، الأحد، ورشة العمل الحوارية التفاعلية بعنوان: “الصحافة الثقافية بين الواقع وسبل النهوض بها”، وجاءت في سياق مناقشة دراسة بحثية تتناول واقع الصحافة الثقافية وتحولاتها، ولا سيما انتقالها من متابعة المنتج الثقافي والفني إلى أداء دور أوسع في توثيق الذاكرة، ومقاومة المحو، وحماية السردية الوطنية؛ في ظل الاستهداف التاريخي والرقمي والوظيفي المتواصل للإنسان والمكان والمؤسسات الثقافية والمعرفية.
وشارك في الورشة، التي امتدت على مدار يومين (11-12 تموز/يوليو)، صحفيون، ومؤسسات إعلامية، وكُتّاب، وشعراء، وباحثون، ونقاد من الضفة الغربية والقدس المحتلة والداخل (أراضي عام 48)، وبحضور ممثلين عن مؤسسات ثقافية وأهلية، وجامعات ودور نشر، ووزارة الثقافة. وجاءت الورشة بتنظيم من مؤسسة “لَمّة صحافة” للإعلام المجتمعي وموقع “بالغراف”، وبدعم من مؤسسة “دوسس”.
وقال رئيس تحرير “بالغراف” علي عبيدات: “دار في الورشة نقاش مهني وعصف ذهني هامّانِ جداً حول واقع الصحافة الثقافية المهمش، والتحديات التي تواجهها في بيئة الرقمنة والخوارزميات، وسبل تطوير أدوات التغطية الثقافية بحيث تجمع بين العمق المعرفي، والحس الإنساني، والقدرة على الوصول دون الوقوع في فخ التسطيح أو ‘التريند’، ودور الصحفي الثقافي بصفته شاهداً ومؤرخاً للذاكرة”.
وأشار عبيدات إلى الإجماع على أهمية الدور الاستراتيجي الذي تضطلع به الصحافة الثقافية في مواجهة سردية الاحتلال ومحاولات السطو على كل ما يتعلق بفلسطين وأرضها وتراثها وثقافتها وعاداتها وفنها، ودور الثقافة كأداة صمود ونضال لصون الذاكرة والهوية وحماية السردية الوطنية في وجه محاولات الطمس المستمرة مادياً ورقمياً.
بدوره، قال الصحفي حافظ أبو صبرة: “في ظل ما نواجهه يومياً كشعب فلسطيني، كان ضرورياً أن نراجع كل ما يتعلق بدور الصحافة الثقافية وأهمية استعادة دورها، والحديث عن ثقافتنا الفلسطينية والترويج لها بمختلف مجالاتها. إن الحضور المتنوع على مدار اليومين من مثقفين وكتاب وأدباء وشعراء ومؤسسات ثقافية من القدس والداخل ومختلف أرجاء الضفة الغربية، أسهم في بناء تصور واضح للمشهد الثقافي وشكل الصحافة الثقافية التي نحتاجها، لا سيما في هذه المرحلة الحرجة من قضيتنا”.
فيما تحدثت الصحفية براءة أبو رميلة عن أهمية النقاش الذي دار حول الصحافة الثقافية، وأبرز التحديات التي تواجه هذا المضمار المهمش، وسبل تخطيها لينسجم مع متطلبات النهوض ومواجهة محاولات سرقة أرض الشعب الفلسطيني وتراثه وحضارته وثقافته.
من جانبها، قالت الصحفية أسيل سليمان: “إن انشغال الصحفيين الفلسطينيين بمتابعة الأحداث السياسية اليومية والميدانية المتواصلة بشكل مكثف، أدى إلى إزاحة المشهد الثقافي عن الصورة، في ظل أن طبيعة الحدث الساخن هي ما تحكم العمل الصحفي عادةً. ولكن ما حدث بعد السابع من أكتوبر كفيل بأن يدفعنا إلى التزام أوسع كصحفيين بتغطية الصورة بشكل أشمل، وخاصة الجانب الثقافي الفلسطيني”.
وشددت سليمان على أن مخرجات الورشة وما تطرقت إليه يُفترض أن تشكّل لبنة أساسية لإيجاد آلية تعيد الصحفي الثقافي إلى الواجهة، والبناء على ذلك لإعادة الواقع الثقافي إلى المشهد بقوة، ليؤدي دوره في حماية السردية الوطنية ومواجهة الاستعمار على الأرض والاستعمار الرقمي.
وخرجت الورشة بجملة توصيات، من أبرزها: ضرورة التعاون والتشبيك والتواصل بين “لَمّة صحافة” – بوصفها جامعاً للمؤسسات الإعلامية والعاملين في الحقل الصحفي– مع القطاع الحكومي الرسمي مثل وزارة الثقافة والمكتبة الوطنية، والمؤسسات الثقافية الأهلية، لتفعيل دور الصحافة الثقافية. إلى جانب ضرورة عقد دورات تدريبية بالتعاون مع المؤسسات العاملة في القطاع التكنولوجي والتي شاركت في الورشة، كـ”مركز صدى سوشال” الذي أبدى استعداداً لتدريب الصحفيين مجاناً على التعامل مع الخوارزميات والإشكاليات الرقمية التي تفرضها الشركات الأجنبية على المحتوى الفلسطيني.
كما أوصت الورشة بأهمية التعاون بين هذه المؤسسات التكنولوجية والمؤسسات الثقافية، خاصة في مجال أرشفة المحتوى الثقافي؛ نظراً لأن غياب الأرشفة يهدد بضياع نتاج أغلب هذه المؤسسات في أي لحظة. وأكد المشاركون ضرورة التعمق في الإشكاليات التي تواجه القطاع الثقافي عبر دراسات وأبحاث تعالج العقبات كلاً على حدة وبشكل معمّق؛ كإشكالية التمويل، والتسطيح، والاستعمار الرقمي، والبناء على ما تقدّم من دراسات سابقة وقياس أثرها.
وطالبت الورشة بإجراء المزيد من الدراسات المماثلة، وبأن تشكّل هذه الورشة باكورة سلسلة من اللقاءات والحوارات الدورية الهادفة إلى تعزيز المشهد الثقافي، وألا تظل مبادرةً معزولة، بل تتحول إلى مسار مؤسسي مستدام يجمع مختلف أطراف المشهد الثقافي الفلسطيني؛ من مبدعين، وكتاب، وفنانين، وباحثين، ونقاد، إلى جانب المؤسسات الثقافية والأهلية، والجامعات، ومراكز البحث، ووسائل الإعلام، والجهات الحكومية ذات العلاقة، ودور النشر، والمبادرات الشبابية؛ بما يسهم في بناء شراكات فاعلة، وتنسيق الجهود، وصياغة رؤى وسياسات مشتركة تعزز حضور الثقافة في الفضاء العام وتضمن استدامة التشبيك بين مختلف الفاعلين.




