loading

مخطط استيطاني جديد في القدس.. مشروع لتغيير الديموغرافيا وتعميق عزل المدينة

محمد عبد الله

تتواصل الخطوات الإسرائيلية الرامية إلى توسيع الاستيطان في القدس المحتلة، مع مصادقة ما تُعرف بـ”اللجنة اللوائية للتنظيم والبناء” التابعة لبلدية الاحتلال في القدس على إيداع مخطط استيطاني جديد يقضي بإقامة نحو 450 وحدة سكنية داخل حي أم ليسون الفلسطيني، الواقع بين بلدتي جبل المكبر وصور باهر جنوب شرق القدس المحتلة. 

ويُنظر إلى المشروع باعتباره أحد أكبر المخططات الاستيطانية التي تستهدف التغلغل داخل الأحياء الفلسطينية المأهولة في المدينة، وسط تحذيرات فلسطينية وإسرائيلية حقوقية من تداعياته السياسية والديموغرافية والأمنية.

ويأتي المخطط في وقت تشهد فيه القدس المحتلة تسارعاً في وتيرة المشاريع الاستيطانية التي تستهدف تعزيز الوجود الاستيطاني داخل الأحياء الفلسطينية وربطها بشبكة المستوطنات المحيطة بالمدينة، ضمن رؤية إسرائيلية أوسع تُعرف بمشروع “القدس الكبرى”، الذي يهدف إلى توسيع الحدود البلدية للمدينة وضم الكتل الاستيطانية الكبرى المحيطة بها.

وبحسب المعطيات المنشورة، فإن المخطط الجديد يتضمن بناء نحو 450 وحدة سكنية استيطانية في حي أم ليسون، الذي يضم حالياً ما يقارب 800 وحدة سكنية فلسطينية، معظمها مبانٍ منخفضة الارتفاع من طابقين إلى ثلاثة طوابق. وينص المشروع على إقامة مبانٍ تصل إلى عشرة طوابق، ما سيؤدي إلى تغيير جوهري في الطابع العمراني للمنطقة.

وتشير تقديرات إسرائيلية إلى أن المشروع قد يستوعب نحو ألفي مستوطن داخل منطقة فلسطينية قائمة، وهو ما يجعله من أكبر المشاريع الاستيطانية التي يتم تنفيذها داخل حي فلسطيني في القدس، وليس على أطرافه أو بمحاذاة مستوطنات قائمة كما جرت العادة في مخططات سابقة.

صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية وصفت المشروع بأنه استثنائي مقارنة بخطط البناء الأخرى خلف الخط الأخضر، لكونه يقع في عمق حي فلسطيني مأهول، الأمر الذي يثير مخاوف من زيادة الاحتكاك المباشر بين السكان الفلسطينيين والمستوطنين.

عضو هيئة العمل الوطني والأهلي في القدس، ريتا النتشة، قالت لموقع “بالغراف” إن المخطط لا يُعد جديداً من حيث الفكرة، بل يعود إلى تصورات ومشاريع طُرحت في الأوساط الأكاديمية والسياسية الإسرائيلية منذ تسعينيات القرن الماضي، قبل أن تتراجع بعد توقيع اتفاق أوسلو.

وأضافت أن الحكومة الإسرائيلية الحالية أعادت إحياء تلك المخططات وبدأت بتسريع إجراءات المصادقة عليها وتخصيص الميزانيات اللازمة لتنفيذها، في إطار سياسة تهدف إلى حسم ملف القدس وفرض وقائع جديدة على الأرض.

وأوضحت النتشة أن المشروع الجديد يأتي ضمن سلسلة من المخططات الاستيطانية التي تستهدف تطويق مدينة القدس بالكامل من الجهات المختلفة، وخاصة الجهة الجنوبية، عبر ربط المستوطنات القائمة وتوسيعها بما يؤدي إلى فصل القدس عن امتدادها الفلسطيني الطبيعي في بيت لحم والخليل.

وأكدت أن المخطط يشكل امتداداً لمشاريع استيطانية أخرى في المنطقة الجنوبية من القدس، من بينها مستوطنتا “هار حوما” (جبل أبو غنيم) و”هار همتوس”، اللتان لعبتا دوراً محورياً في تقليص فرص التوسع العمراني الفلسطيني وعزل الأحياء الفلسطينية عن بعضها البعض.

ويرى مختصون في شؤون القدس أن أخطر ما في المشروع يتمثل في آثاره الديموغرافية طويلة المدى، إذ لا يقتصر الأمر على بناء وحدات سكنية جديدة، بل يمتد إلى إدخال كتلة سكانية استيطانية كبيرة إلى قلب حي فلسطيني قائم.

وتؤكد مؤسسات مقدسية أن السياسات التخطيطية الإسرائيلية في المدينة تعتمد على تقييد البناء الفلسطيني من خلال إجراءات الترخيص المعقدة، مقابل تخصيص مساحات واسعة للمشاريع الاستيطانية، الأمر الذي ينعكس على التوازن السكاني داخل المدينة.

كما يشير مراقبون إلى أن المشروع ينسجم مع سياسات إسرائيلية أوسع تهدف إلى السيطرة على الأراضي والعقارات الفلسطينية عبر منظومة من القوانين والإجراءات، من بينها “قانون أملاك الغائبين” وتصنيف مساحات واسعة باعتبارها “أراضي دولة”، إلى جانب توظيف أدوات التخطيط العمراني لخدمة التوسع الاستيطاني.

من جهتها، حذرت جمعية “عير عميم” الإسرائيلية، وهي منظمة حقوقية تتابع السياسات الإسرائيلية في القدس، من أن المشروع سيؤدي إلى تصعيد الاحتكاك بين السكان الفلسطينيين والمستوطنين، وسيقوض الاستقرار في المنطقة.

وقالت الجمعية إن المخطط يمثل أكبر مشروع استيطاني داخل حي فلسطيني في القدس الشرقية من حيث عدد الوحدات السكنية، متجاوزاً مشاريع استيطانية قائمة مثل حي “معاليه هزيتيم” في رأس العمود.

واعتبرت أن تدخل بلدية القدس وانضمامها رسمياً إلى المشروع بعد تعثره لسنوات بسبب مشكلات البنية التحتية يعكس قراراً سياسياً واضحاً بدعم الاستيطان، وليس مجرد إجراء تخطيطي أو إداري اعتيادي.

على المستوى الدولي، تواصل الأمم المتحدة ومعظم دول العالم اعتبار المستوطنات الإسرائيلية المقامة في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير شرعية بموجب القانون الدولي، وترى أنها تشكل عقبة رئيسية أمام فرص تحقيق حل الدولتين.

ويؤكد الفلسطينيون أن المشاريع الاستيطانية المتواصلة في القدس والضفة الغربية تأتي في إطار سياسة تهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض، بما يصعب إمكانية إقامة دولة فلسطينية مستقلة ومتواصلة جغرافياً، تكون القدس الشرقية عاصمتها.

وفي ظل تسارع المخططات الاستيطانية خلال السنوات الأخيرة، يرى مراقبون أن مشروع أم ليسون لا يمثل مجرد توسع عمراني جديد، بل خطوة إضافية ضمن استراتيجية أوسع تستهدف إعادة تشكيل الخريطة الجغرافية والديموغرافية للقدس المحتلة، وتعميق عزلها عن محيطها الفلسطيني، بما يترك آثاراً بعيدة المدى على مستقبل المدينة وأي تسوية سياسية محتملة للصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة


جميع حقوق النشر محفوظة - بالغراف © 2025

الرئيسيةقصةجريدةتلفزيوناذاعةحكي مدني