محمد عبد الله
اقتحمت قوات كبيرة من جيش وشرطة الاحتلال الإسرائيلي، صباح اليوم الثلاثاء، معهد قلنديا للتدريب المهني التابع لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا”، وبدأت بإخلائه والسيطرة عليه، بالتزامن مع اقتحام مخيم قلنديا وبلدة كفر عقب شمال القدس المحتلة، وبمشاركة وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير.
وأفاد مستشار محافظة القدس معروف الرفاعي لـ “بالغراف” بأن قوات الاحتلال اقتحمت المعهد، واحتجزت طواقم الإدارة والأمن الموجودة داخله، قبل أن تدخل برفقة عمال هنود وتباشر إجراءات السيطرة على المنشأة وإخلائها. كما أغلقت القوات الشارع الرئيسي الرابط بين القدس ورام الله، وسط انتشار لسيارات حكومية إسرائيلية عند بوابة المعهد.
ويأتي اقتحام المعهد في ظل تصعيد إسرائيلي متواصل ضد منشآت “الأونروا” في القدس، وبعد سلسلة من الاقتحامات التي تعرض لها المعهد منذ بداية العام الجاري، في وقت أكدت فيه الوكالة الأممية سابقًا أنها لم تتلقَّ قرارًا رسميًا بإغلاقه أو مصادرته.
وقال الرفاعي إن ما يجري يمثل “اعتداءً على منظمة دولية تتمتع بالحصانة وفق القانون الدولي”، معتبرًا أن السيطرة على المعهد تأتي ضمن مساعٍ إسرائيلية لإنهاء وجود “الأونروا” في القدس وتقويض قضية اللاجئين وحق العودة.
وتزامن الاقتحام مع تصريحات لوزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، قال فيها إن قوات كبيرة من الشرطة الإسرائيلية تعمل على “تطبيق القانون وطرد الأونروا من المكان”.
وأضاف بن غفير أن إسرائيل بدأت، صباح اليوم، أعمال إخلاء مقر “الأونروا” في كفر عقب، مكررًا اتهامات إسرائيلية للوكالة الأممية، وقال إنها “تعمل يداً بيد مع ألد أعدائنا”، مدعيًا مشاركتها في أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وكانت إسرائيل قد أقرّت في أكتوبر/تشرين الأول 2024 قانونين يستهدفان عمل “الأونروا”، يقضيان بمنع الوكالة من ممارسة أنشطتها داخل إسرائيل وسحب الامتيازات والتسهيلات الممنوحة لها، إضافة إلى منع الاتصال الرسمي بها. ودخل القانونان حيز التنفيذ في نهاية يناير/كانون الثاني 2025.
وكانت “الأونروا” قد أعلنت مطلع أغسطس الجاري أن قوات الاحتلال اقتحمت معهد قلنديا للتدريب خمس مرات منذ بداية عام 2026، مشيرة إلى أن المعهد هو آخر منشآتها العاملة في الشطر الشرقي من القدس المحتلة.
وأكدت الوكالة أنها لم تتلقَّ قرارًا إسرائيليًا بإغلاق المعهد أو مصادرته، رغم تعرضه لعمليات اقتحام متكررة دون إنذارات أو إشعارات مسبقة.
وفي 27 يوليو/تموز الماضي، اقتحمت قوات من جيش الاحتلال المعهد واحتجزت العاملين فيه، في ثاني اقتحام خلال أقل من شهر، وفق ما أعلنته الوكالة.
ويخدم مركز التدريب المهني في قلنديا نحو 350 طالبًا وطالبة، تتراوح أعمارهم بين 15 و19 عامًا، وجميعهم من اللاجئين الفلسطينيين القادمين من 19 مخيمًا في الضفة الغربية.
وتوفر “الأونروا” للطلبة التعليم والتدريب والإقامة والوجبات الغذائية مجانًا، فيما يواصل المعهد، رغم التهديدات، تقديم برامجه التدريبية، بما فيها المساقات الصيفية.
ويُعد المعهد، الذي أُنشئ في بداية خمسينيات القرن الماضي بتبرع من الأردن، أول وأقدم معهد تدريب تابع للوكالة، ويخرّج سنويًا مئات الطلبة الذين يلتحقون بسوق العمل المهني في فلسطين والمنطقة العربية.
وأوضحت “الأونروا” أن المعهد مقام على أرض أتاحت الحكومة الأردنية للوكالة استخدامها قبل احتلال إسرائيل للضفة الغربية عام 1967، مؤكدة أن المنشأة تابعة للأمم المتحدة وتتمتع بالحماية بموجب اتفاقية امتيازات الأمم المتحدة وحصاناتها.
ولا يأتي اقتحام معهد قلنديا بمعزل عن إجراءات إسرائيلية متصاعدة ضد منشآت “الأونروا” في القدس؛ إذ سبق أن أغلقت إسرائيل المقر الرئيسي للوكالة في حي الشيخ جراح، إضافة إلى مدارسها الست في القدس وعياداتها في مخيم شعفاط والبلدة القديمة، عقب دخول التشريعات الإسرائيلية التي تستهدف الوكالة حيز التنفيذ.
وبحسب “الأونروا”، فإن التواصل بينها وبين الجانب الإسرائيلي مقطوع، فيما تواصل الوكالة تنسيقها مع مؤسسات الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية.
وترى الوكالة أن القضية لا تتعلق بإيجاد موقع بديل للمعهد، وإنما بالحفاظ على وجوده، نظرًا إلى رمزيته المرتبطة بتاريخ قضية اللاجئين الفلسطينيين، محذرة من أن إغلاقه سيحمل دلالات سياسية وسيكون جزءًا من مساعي تقويض عمل “الأونروا” في الضفة الغربية والقدس.
وبالتزامن مع السيطرة على المعهد، وزعت قوات الاحتلال إخطارات بمصادرة أراضٍ فلسطينية قرب جدار الفصل العنصري في بلدة كفر عقب، لاستخدامها لأغراض استيطانية، في خطوة تعزز المخاوف الفلسطينية من أن تكون إجراءات الاحتلال في المنطقة جزءًا من مخطط أوسع يستهدف الأرض والمؤسسات الفلسطينية والدولية.
وتأتي هذه الإجراءات في سياق سياسة إسرائيلية تستهدف الوجود الفلسطيني ومؤسسات “الأونروا” في القدس، وسط تحذيرات فلسطينية من أن إضعاف الوكالة وإغلاق منشآتها لا يقتصر على الجانب الخدمي، بل يرتبط بمحاولات المساس بالصفة القانونية والسياسية لقضية اللاجئين وحقهم في العودة.




