loading

26 جريمة قتل، ماذا يقف خلف العنف القاتل في الضفة الغربية ؟

إلهام حمدان

داخل مركبة محترقة على الطريق الواصل بين بلدتي السيلة الحارثية وتعنك غرب مدينة جنين، عثر على جثمان المواطنة إسراء شواهنة متفحمًا، فيما تشير الدلائل الأولية أنها قُتِلت قبل أن تحرق، في جريمة أعادت إلى الواجهة مشهدًا مؤلمًا يتكرر بأشكال مختلفة في الضفة الغربية. 

لم يكن ما حدث مجرد واقعة جنائية تُضاف إلى سجل الجرائم، بل حياة انتهت بصورة قاسية، وعائلة وجدت نفسها أمام فقد لا يمكن تعويضه، ومجتمع يواجه من جديد أسئلة ثقيلة حول العنف، والغضب، والثأر، والضغوط التي قد تدفع خلافًا أو تهديدًا إلى نهايات قاتلة. 

وبين لحظة الغضب ووقوع الجريمة، تتداخل عوامل نفسية واجتماعية وضغوط متراكمة قد تجعل خلافًا كان بالإمكان احتوائه يتحول إلى نهاية لا يمكن التراجع عنها.

سجّلت الضفة الغربية 26 جريمة قتل منذ بداية العام، في وقت يؤكد فيه المتحدث باسم الشرطة الفلسطينية العميد لؤي ارزيقات أن معدلات هذه الجرائم لا تزال ضمن مستوياتها المعتادة سنويًا، إلا أن الأرقام وحدها لا تكشف كامل المشهد؛ فخلف كل جريمة مسار من الخلافات والضغوط والانفعالات، قد يبدأ بمشكلة عائلية أو خلاف شخصي وينتهي بفقدان حياة وترك آثار نفسية واجتماعية تتجاوز الضحية إلى أسرتها ومحيطها.

ارزيقات يبيّن أن عدد جرائم القتل المسجلة سنويًا في الضفة الغربية يتراوح في العادة بين 45 و50 جريمة، مع تفاوت نسبي من عام إلى آخر بين الارتفاع والانخفاض، موضحًا أن الأشهر الأولى من العام الحالي لم تشهد زيادة استثنائية مقارنة بالأعوام السابقة، فيما شهد العام 2025 تراجعًا في معدلات جرائم القتل بنسبة 10%.

وتختلف المحافظات التي تتصدر أعداد جرائم القتل من عام إلى آخر، إلا أن ارزيقات يشير إلى أن الخليل ونابلس وجنين تسجل العدد الأكبر من هذه الجرائم في أغلب الأعوام.

الشجارات العائلية في مقدمة الدوافع

ويضع ارزيقات الشجارات العائلية في مقدمة الدوافع المؤدية إلى جرائم القتل، تليها قضايا الثأر والخلافات المختلفة، ثم النزاعات المالية.

لكن الوصول من خلاف عائلي أو شخصي إلى جريمة قتل لا يحدث بالطريقة ذاتها في جميع الحالات، فمن منظور نفسي، قد يكون وراء الجريمة انفعال لحظي شديد، أو سلسلة طويلة من الضغوط والتراكمات التي تجعل الشخص أكثر قابلية للانفجار عند حدوث موقف جديد.

وتوضح الأخصائية النفسية حنان عبد الهادي أن الغضب في حد ذاته شعور إنساني طبيعي، إلا أن الخطورة تبدأ عندما يفقد الشخص قدرته على ضبط انفعالاته والتفكير بصورة عقلانية، ويبدأ في التعامل مع الخلاف على أنه تهديد لكرامته أو مكانته وليس مجرد اختلاف في وجهات النظر.

وترى عبد الهادي أن ضعف مهارات حل النزاعات والتعبير عن المشاعر، إلى جانب الاندفاعية الشديدة وبعض السمات الشخصية، قد يزيد من قابلية الفرد للتعامل مع الخلاف بطريقة عنيفة، خصوصًا عندما يشعر بالعجز أو الإهانة ويحاول استعادة إحساسه بالسيطرة من خلال القوة.

لحظة انفعال أم تراكم طويل؟

وتفرق عبد الهادي بين نوعين من الجرائم، أولهما جرائم الانفعال الآني، التي تقع نتيجة موقف مفاجئ أو استفزاز شديد يجعل الشخص يدخل في حالة اندفاع حاد ويغيب لديه التفكير المنطقي للحظات، فتأتي ردة فعله بصورة سريعة قد تؤدي لجريمة قتل.

أما النوع الثاني، فيرتبط بتراكمات تمتد لفترات طويلة، مثل الإحباط والضغط النفسي والقهر والخلافات المتكررة، خاصة إذا سبقها تاريخ من السلوك العنيف، وتشير عبد الهادي إلى أن بعض الحالات قد تسبقها مؤشرات تحذيرية، مثل التغير المفاجئ في السلوك، وازدياد العدوانية، وتكرار الحديث بلغة الحقد أو الانتقام والقتل، أو تصاعد التهديدات تجاه شخص معين.

وتضيف أن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المتلاحقة وحالة عدم الاستقرار التي يعيشها المجتمع الفلسطيني قد ترفع مستويات التوتر لدى الأفراد، فاستمرار الشعور بعدم الأمان وتتابع الأزمات قد يبقي الشخص في حالة استنفار نفسي وعصبي دائم، ويستنزف قدرته على الاحتمال وضبط ردود أفعاله.

ومع ذلك، تؤكد عبد الهادي أنه لا يمكن وضع جميع مرتكبي جرائم القتل ضمن نمط نفسي واحد، موضحة أن وجود بعض السمات، مثل الاندفاعية الشديدة أو ضعف التعاطف مع الآخرين أو انعدام مهارات حل المشكلات، لا يعني بالضرورة أن الشخص سيصبح عنيفًا، وإنما قد تمثل عوامل خطورة عندما تجتمع مع ظروف وضغوط أخرى.

ماذا يحدث بعد وقوع الجريمة؟

وفور وقوع جريمة قتل، يقول العميد ارزيقات إن الشرطة تبدأ بجمع الاستدلالات الأولية، وتعمل على ملاحقة مرتكب الجريمة والقبض عليه، بالتزامن مع انتشار قوات الشرطة لحفظ الأمن والنظام ومنع الاعتداء على ممتلكات المواطنين أو تطور الحادثة إلى أعمال انتقامية أخرى.

ويشير إلى أن معظم جرائم القتل التي وقعت خلال السنوات الماضية تم كشف ملابساتها وإلقاء القبض على مرتكبيها والمشتركين فيها، موضحًا أن بعض القضايا التي لم تستكمل إجراءاتها تعود إلى فرار بعض المتهمين إلى الداخل الفلسطيني المحتل أو إلى مناطق لا تعمل فيها المؤسسة الأمنية الفلسطينية.

وعند تعرض المواطن لاعتداء أو تهديد بالقتل، يؤكد ارزيقات على ضرورة إبلاغ الشرطة فورًا وتقديم شكوى بحق الشخص الذي أصدر التهديد.

ومن الجانب النفسي، تشدد عبد الهادي على ضرورة عدم الاستهانة بأي تهديد بالقتل، خاصة عندما يكون التهديد محددًا بمكان أو زمان أو طريقة، أو عندما يصدر عن شخص لديه تاريخ من السلوك العدواني أو يكرر الحديث عن القتل والعنف بصورة ملحوظة، معتبرة أن مثل هذه الحالات تستدعي التعامل معها بجدية وإبلاغ الجهات المختصة.

الثأر.. جريمة قد تفتح الباب أمام أخرى

ولا تنتهي تداعيات جريمة القتل دائمًا عند وقوعها، إذ قد تصبح نقطة انطلاق لجريمة أخرى في حالات الثأر والانتقام.

وتوضح عبد الهادي أن فقدان شخص عزيز بطريقة عنيفة يضع أسرته أمام مشاعر شديدة من الصدمة والحزن والغضب والعجز، وفي حال لم يتم التعامل مع هذه المشاعر منذ البداية بصورة صحية، فقد تتحول لدى بعض الأفراد إلى رغبة في الانتقام باعتباره وسيلة لاستعادة الحق أو التعامل مع ألم الفقد.

وترى أن كسر دائرة الثأر يحتاج إلى تدخل مبكر يشمل الدعم والتفريغ النفسي، ومساعدة الأسرة على التعامل مع مشاعر الحزن والغضب، إلى جانب التدخل المجتمعي والقانوني لمنع تحول حالة الفقد إلى جريمة جديدة.

ولا تتوقف الآثار النفسية لجريمة القتل عند أسرة الضحية؛ إذ قد يعيش أفرادها حالة طويلة من الخوف وفقدان الأمان والحزن، بينما يكون الأطفال أكثر عرضة للقلق واضطرابات النوم والتغيرات السلوكية والدراسية بعد فقدان أحد أفراد الأسرة بطريقة عنيفة،  كما قد يمتد تأثير تكرار الجرائم إلى المجتمع المحيط عبر تعزيز الشعور بالخوف وعدم الأمان.

الوقاية تبدأ قبل وقوع الجريمة

 ارزيقات يوضح بأن الحد من جرائم القتل لا يقع على عاتق المؤسسة الأمنية وحدها، بل تشترك فيه الأسرة والمؤسسات التعليمية ومؤسسات المجتمع المدني.

ويرى بأن الأسرة تشكل نقطة البداية من خلال غرس ثقافة اللاعنف والحوار وتقبل الآخر، وتعليم الأبناء الاستماع وعدم التسرع في إصدار الأحكام، في حين يجب على المؤسسات التعليمية والمجتمعية العمل إلى جانب الشرطة للحد من جرائم القتل ومظاهر العنف.

وفي هذا السياق، يشير ارزيقات إلى أن الشرطة تنفذ برامج وحملات توعوية للوقاية من الجريمة، من بينها حملة شرطية نُفذت خلال الأشهر الماضية وشملت زيارات إلى المدارس والجامعات ولقاءات مع أولياء الأمور، وركزت على التعريف بأنواع الجرائم، وخاصة جرائم القتل، ومخاطرها ودوافعها ووسائل الوقاية منها وكيفية التواصل والتعامل مع الشرطة.

ومن الناحية النفسية، ترى عبد الهادي أن الوقاية تحتاج إلى الجمع بين التدخل الوقائي والعلاجي، من خلال برامج لتعليم الشباب مهارات الذكاء العاطفي وإدارة الغضب وحل النزاعات، بالتعاون مع المدارس والجامعات والأسر، إلى جانب توفير خدمات ومراكز للإرشاد والدعم النفسي تساعد الأفراد على التعامل مع الضغوط والخلافات قبل وصولها إلى مستويات خطرة.

كما تؤكد على أهمية التدخل المبكر في الخلافات وتعزيز دور لجان الإصلاح، وتدريب العاملين في المؤسسات المختلفة على التعامل مع التهديدات والأزمات وإدارة المشاعر، مؤكدة أن الأسرة والمدرسة والمؤسسات المجتمعية والأخصائيين النفسيين والجهات الأمنية تشكل جميعها حلقة واحدة في منظومة الوقاية.

وبينما يأمل ارزيقات ألا تشهد الأشهر المتبقية من العام ارتفاعًا في جرائم القتل، وأن تبقى ضمن مستوياتها المعتادة أو تتجه إلى الانخفاض، يبقى التحدي الأوسع هو منع الخلاف من الوصول أصلًا إلى لحظة لا يمكن التراجع عنها؛ فمواجهة الجريمة تبدأ بملاحقة مرتكبها، لكن الوقاية منها تبدأ قبل ذلك بكثير، من الأسرة والمدرسة، ومن القدرة على إدارة الغضب والخلاف، ومن أخذ التهديدات ومؤشرات العنف بجدية قبل أن تتحول إلى جريمة جديدة.

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة


جميع حقوق النشر محفوظة - بالغراف © 2025

الرئيسيةقصةجريدةتلفزيوناذاعةحكي مدني