محمد عبد الله
أعلنت سلطات الاحتلال الإسرائيلي تصنيف 370.28 دونمًا من أراضي بلدتي أبو ديس وعرب السواحرة، شرقي القدس المحتلة، “أراضي دولة”، في خطوة تقول هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إنها تستهدف استكمال إقامة مستعمرة “مشمار يهودا”، وتهدد في الوقت ذاته وجود تجمع المنطار البدوي الذي يضم 112 عائلة فلسطينية.
وقالت الهيئة، في بيان لها اليوم الاثنين، إن الإعلان الجديد صدر تحت مسمى “أملاك حكومية”، بموجب الإعلان رقم (הכ/05/26) المؤرخ في 27 آب/أغسطس 2026، ويشمل الحوضين الماليين (3 و6) من أراضي أبو ديس، والحوض المالي (5) من أراضي عرب السواحرة.
ويستند الإعلان إلى الأمر العسكري بشأن “الأملاك الحكومية” رقم (59) لسنة 1967، بما يضع الأراضي المستهدفة تحت تصرف ما يسمى “حارس الأملاك الحكومية والمتروكة”.
ويأتي الإعلان في منطقة تضم تجمع المنطار البدوي، الذي يعيش فيه أكثر من 112 عائلة فلسطينية، يزيد عدد أفرادها على 650 شخصًا، ما يضع التجمع أمام تهديد جديد يطال الأرض التي تقوم عليها مساكنه ومدرسته ومراعيه ومسارات تنقله.
وبحسب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، فإن تحويل هذه الأراضي إلى “أراضي دولة” يفتح المجال أمام تخصيصها لمصلحة المشاريع الاستعمارية، وتشديد القيود على البناء والرعي والوصول إلى الأرض، إلى جانب إمكانية توسيع أوامر الهدم والإخلاء.
وتقول الهيئة إن هذا الإجراء يأتي في ظل ظروف قسرية يعيشها التجمع أصلًا، من بينها إغلاق طريقه الرئيس، وملاحقة منشآته ومدرسته، وحرمانه من البنية الأساسية، بما ينقل الاستهداف من منشآت ومساكن منفردة إلى الحيز المكاني الذي يقوم عليه التجمع بأكمله.
وترى الهيئة أن هذه الإجراءات تدفع السكان تدريجياً نحو التهجير القسري، عبر جعل ظروف الحياة والاستقرار في المنطقة أكثر صعوبة.
ويعتبر مدير المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية والاستيطان حسن بريجة في تعقيب لموقع “بالغراف”، أن الإعلان يأتي في سياق سلسلة من القرارات التي تتخذها الحكومة الإسرائيلية الحالية تجاه الأراضي الفلسطينية.
وقال بريجة إن الحكومة الإسرائيلية، وفي ظل اقتراب انتخابات الكنيست، تحاول “فرض حقائق” جديدة على الأرض وإرغام الفلسطينيين على التعامل معها كأمر واقع.
وأضاف أن إعلان الأراضي الفلسطينية “أراضي دولة”، كما يجري في السواحرة وتجمع المنطار، يمثل أحد الأدوات التي تستخدمها الحكومة الإسرائيلية لتعزيز الاستيطان والسيطرة على الأراضي الفلسطينية.
ويرى بريجة أن هذه الإجراءات تندرج ضمن سياسة تستهدف التجمعات البدوية الفلسطينية، عبر استخدام الأوامر العسكرية وإعلانات “أراضي الدولة” واستملاك الأراضي وغيرها من الأدوات التي تؤدي إلى السيطرة على الأراضي وتهجير سكانها.
وفي سياق متصل، قال رئيس مجلس قروي عرب الجهالين أبو عماد جهالين إن سكان المنطقة فوجئوا اليوم بقيام طواقم الإدارة المدنية التابعة للاحتلال بتعليق لافتات على طول الطريق الواصل بين مستوطنتي “كيدار الأولى” و”كيدار الثانية”، وهو الطريق الذي يشكل المدخل الوحيد لتجمع المنطار البدوي.
وأوضح جهالين لـ “بالغراف” أن اللافتات تشير إلى أن المنطقة “أراضي دولة” ويمنع الدخول إليها، مشيرًا إلى أن المنطقة تقع شرق بلدة السواحرة، وتشكل امتدادًا طبيعيًا لأراضي السواحرة الشرقية، وتبعد نحو كيلومتر واحد عن حاجز “الكونتينر”.
وأضاف أن الشاخصات التي وضعتها الإدارة المدنية للاحتلال تمتد من المنطقة الواقعة قرب الحاجز، معتبرًا أن الخطوة تستهدف التجمعات البدوية وتسعى إلى “تفريغ الأرض من سكانها”.
وقال جهالين إن سكان التجمع لم يتلقوا أي إخطار مكتوب بشأن القرار، وإنما فوجئوا بتعليق اللافتات، الأمر الذي أثار تساؤلات حول مساحة الأراضي التي جرى تصنيفها “أراضي دولة” وحدود المنطقة المشمولة بالإعلان.
وأشار إلى أن الامتداد الطبيعي للمنطقة يصل من السواحرة باتجاه البحر الميت، مضيفًا أن السكان لا يعرفون حتى الآن حجم الأراضي التي يشملها التصنيف الجديد.
وتزداد المخاوف داخل تجمع المنطار، الذي يضم أكثر من 112 عائلة بدوية فلسطينية، من أن يتحول الإعلان الجديد إلى مقدمة لإجراءات أخرى قد تنتهي بتهجير السكان من المنطقة.
وقال جهالين إن التجمع يضم مدرسة حكومية تعرف باسم “مدرسة الصمود والتحدي”، وتستقبل الطلبة من الصف الأول حتى الصف التاسع، إلى جانب اعتماد العائلات على تربية المواشي والرعي كمصدر أساسي للعيش.
وأضاف أن السكان باتوا يتساءلون عن مصيرهم ومصير مواشيهم، في ظل اللافتات التي تمنع الدخول إلى المنطقة.
وأوضح أن العائلات تخشى من أن يؤدي منع الدخول إلى فصل التجمع عن محيطه، بحيث يخشى من يغادر المنطقة عدم تمكنه من العودة إليها، فيما يصبح من هو داخل التجمع غير قادر على معرفة مصيره في ظل عدم وضوح الإجراءات التي ستتبع تعليق اللافتات.
وقال جهالين إن هذه المخاوف تعزز الاعتقاد لدى السكان بأن الخطوة قد تكون جزءًا من مخطط لتهجير التجمع تحت ذريعة أن المنطقة أصبحت “أراضي دولة”.
ولا ينظر سكان المنطقة إلى الإعلان الجديد باعتباره إجراءً منفصلًا عن سلسلة من التطورات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية.
وأشار جهالين إلى أنه قبل نحو ثلاث سنوات أقيمت بؤرة “بوعز” الاستيطانية قرب تجمع المنطار، ومنذ ذلك الحين، وفق قوله، جرى وضع اليد على مئات الدونمات من الأراضي من خلال حراثتها ومنع المواطنين من الوصول إليها أو الرعي فيها.
كما تحدث عن وقوع عدة هجمات نفذها مستوطنون بحق المواطنين ومساكنهم في المنطقة، ما أدى إلى زيادة الضغوط التي يتعرض لها السكان.
ويخشى أهالي تجمع المنطار أن يؤدي الجمع بين التوسع الاستيطاني، وإعلانات “أراضي الدولة”، وقيود الوصول والحركة، إلى تغيير طبيعة المنطقة تدريجيًا، وتحويلها إلى مساحة مهيأة للتوسع الاستعماري على حساب التجمعات الفلسطينية.
وبذلك، لا يبدو إعلان 370 دونمًا “أراضي دولة” مجرد إجراء قانوني يتعلق بملكية الأرض، بل خطوة جديدة في سلسلة من الإجراءات التي يقول الفلسطينيون إنها تعيد رسم الخريطة على الأرض، فيما يجد أكثر من 112 عائلة في تجمع المنطار نفسها أمام سؤال وجودي يتعلق بمصير مساكنها ومدرستها ومراعيها، وإمكانية بقائها في المكان الذي تعيش فيه منذ سنوات.




