loading

شهد ولويل: طريقٌ ينافس سنوات طب الأسنان طولًا

رغد هيثم

لم تعد الطريق إلى جامعة النجاح الوطنية بالنسبة لكثير من الطلبة مجرد طريق يومي إلى المحاضرات، بل تحولت بعد الحرب إلى عبءٍ يرافق تجربتهم الجامعية؛ فالحواجز والإغلاقات والالتفاف بين القرى والمدن فرضت على الطلبة ساعات إضافية من الانتظار والتنقل، وغيرت تفاصيل يومهم بين الجامعة والمنزل، وما يترتب عليه من دراسة وراحة ووقت مع العائلة.

وبعد أن كان الوصول إلى الجامعة والعودة منها لا يستغرق الكثير من الوقت، أصبح الطلبة يخرجون قبل ساعات من مواعيد محاضراتهم، ويعودون إلى منازلهم دون أن يعرفوا متى تنتهي رحلتهم.

شهد ولويل، خريجة طب الأسنان من جامعة النجاح الوطنية، من مدينة قلقيلية عاشت خلال سنوات دراستها الخمس تجربة مختلفة فرضت الحرب خلالها تغييرات كبيرة على تفاصيل يومها الجامعي.

كانت شهد تحاول إكمال دراستها والحفاظ على حضورها الجامعي؛ لكنها وجدت نفسها تخوض معركة يومية مع الوقت والطريق لتصبح الطريق إلى الجامعة جزءًا أساسيًا من قصتها الجامعية.

قبل الحرب كان يومها الجامعي يسير ضمن روتين بسيط تخرج من منزلها قبل نحو نصف ساعة من موعد محاضرتها الأولى تصل إلى الجامعة في الوقت المحدد، وتنهي دوامها لتكون في بيتها بعد نحو نصف ساعة فقط، حيث كان الطريق جزءًا عابرًا من يومها لا أكثر.

بعد الحرب أصبح هذا الروتين أكثر تعقيدًا تخرج قبل ساعتين أو ثلاث من موعد محاضراتها؛ تحسبًا للحواجز التي قد تعطل وصولها فيما لم تعد رحلة العودة مرتبطة بوقت محدد كانت تخرج من الجامعة فور انتهاء دوامها؛لأن أي تأخير إضافي يعني ساعات أخرى من الانتظار والالتفاف بين القرى والمدن.

كانت شهد تخرج في السادسة والنصف صباحًا كحدٍ أقصى؛لتتمكن من الوصول إلى محاضرة الساعة الثامنة، ثم تنهي دوامها في الرابعة أو الخامسة مساءً لتبدأ رحلة العودة.

 وفي بعض الأيام كانت تقضي في الطريق وقتًا يوازي ساعات دوامها فيما وصل انتظارها على أحد الحواجز للدخول إلى نابلس إلى ساعتين، فيما كانت تمتد رحلة العودة أحيانًا إلى ثلاث ساعات، وفي شهر رمضان كان الإفطار على الحاجز جزءًا من يومها الجامعي.

“ما كان عندي القدرة أو الوقت الكافي لأعطي كل شيء حقه و وقته الكافي”

هذا التغيير لم يترك لشهد الوقت نفسه الذي كانت تملكه سابقًا للدراسة أو الراحة أو الجلوس مع العائلة، حيث كانت تصل إلى المنزل في نهاية اليوم لتنجز ما هو ضروري لدراستها، ثم تنام استعدادًا لليوم التالي.

إحدى التجارب التي بقيت في ذاكرتها حدثت في يوم أُغلقت فيه مخارج نابلس، وأجبرت السيارات إلى الالتفاف بين القرى لأكثر من ثلاث ساعات، رغم أنها غادرت الجامعة عند الثانية والنصف ظهرًا؛ لكنها لم تصل إلى بلدتها إلا قرابة الحادية عشرة ليلًا، أما بعض الطالبات فلم يتمكنَّ من الوصول إلى منازلهن، واضطررن إلى قضاء الليلة في المساجد.

“كانت جد أيام مرمطة وعذاب، خاصة للطالبات، وتحديدًا طالبات المجمع الطبي بسبب ساعات الدوام الطويلة، بين المحاضرات، المختبرات، والعيادات”

ورغم ذلك لم تتخلَّ شهد عن الجانب الآخر من حياتها الجامعية ففي إحدى الفترات اختارت السكن الجامعي لتمنح نفسها وقتًا أطول في الجامعة، ولِتشارك في الحياة الجامعية بعيدًا عن حسابات الطريق، كما شاركت في تنظيم مؤتمرات وفعاليات داخل كُلِيَتها، وكانت تضطر أحيانًا إلى المبيت في نابلس لإنجازها.

هذه الأنشطة كانت بالنسبة لها أكثر من مجرد أنشطة لامنهجية فقد منحتها فرصة لصناعة ذكريات في الجامعة بدلًا من أن تقتصر سنواتها على المحاضرات ودوام العيادات والطريق، وحتى خلال ساعات الانتظار الطويلة على الحواجز كانت هي وزميلاتها يحاولن تخفيف قسوة الموقف يتشاركن الطعام، ويتبادلن الحديث والضحك، ويحاولن التعامل مع الأمر باعتباره واقعًا لا بد من تجاوزه.

ورغم أن الطريق أخذ من سنواتها الجامعية ساعات كان يمكن أن تقضيها مع عائلتها أو لنفسها، إلا أنها بقيت متمسكة بإكمال دراستها والمشاركة في جامعتها، تقول إن تلك السنوات كانت “صعبة ومتعبة ومرهقة”؛ لكنها حملت في المقابل ذكريات كثيرة تخفف من وطأتها.

هذا العام أغلقت شهد فصلًا من حياتها بتخرجها من كلية طب وجراحة الفم و الأسنان في جامعة النجاح الوطنية، لم يكن الوصول إلى الشهادة مجرد نهاية لسنوات الدراسة؛ بل نتيجة سنوات حاولت خلالها أن تحافظ على حياتها الجامعية رغم طريقٍ لم يعد عابرًا، وحواجز لم يكن بالإمكان التنبؤ بها.

وفي النهاية لم تستطع الحرب أن تمنعها من الوصول؛ ربما أخذت من يومها الكثير ومنحتها سنوات أكثر تعبًا؛ لكنها لم تدفعها إلى التوقف ،”يمكن كثير من ذكرياتي راحت بالطريق؛ بس بالنهاية قدرت أصنع ذكريات بالجامعة وأتخرج منها وأنا راضية إني ما استسلمت”.

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة


جميع حقوق النشر محفوظة - بالغراف © 2025

الرئيسيةقصةجريدةتلفزيوناذاعةحكي مدني