محمد عبد الله
لم تُنهِ اعتذارات شركة “أديداس” الألمانية موجة الغضب التي أثارها إعلان ترويجي ظهر فيه جندي إسرائيلي سابق فقد ساقه خلال مشاركته في الحرب على قطاع غزة، إذ استمرت الدعوات إلى مقاطعة الشركة على نطاق واسع، بالتزامن مع تصاعد الانتقادات لاختيارها شخصية عسكرية إسرائيلية لتكون جزءًا من حملة موجهة أساسًا إلى الأشخاص مبتوري الأطراف.
وبينما حاولت الشركة احتواء الأزمة عبر إصدار اعتذار والتأكيد أن الحملة لم تكن تستهدف الإساءة إلى أحد، وأن الصورة المثيرة للجدل كانت جزءًا من نشاط نفذه فريقها المحلي في إسرائيل، اعتبر ناشطون ومناصرون للقضية الفلسطينية أن الأزمة تجاوزت حدود إعلان واحد، لتفتح مجددًا النقاش حول مسؤولية الشركات العالمية عن الرسائل التي تقدمها، والشخصيات التي تختارها لتمثيل علاماتها التجارية، خصوصًا في ظل استمرار الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة وما خلفته من آلاف المصابين ومبتوري الأطراف.
وبدأت القضية بعد إطلاق إعلان ترويجي محلي يظهر فيه الجندي الإسرائيلي السابق شاليف بيتون، وهو يجرب حذاءً رياضيًا داخل أحد متاجر “أديداس” في إسرائيل، قبل أن يظهر وهو يركض مستخدمًا طرفه الصناعي.
وشارك بيتون، الذي فقد ساقه خلال مشاركته في الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة عام 2021، في حملة للتعريف بخدمة “الحذاء الفردي”، التي تتيح للأشخاص الذين يحتاجون إلى فردة واحدة من الحذاء شراءها بصورة منفصلة.
لكن ظهور جندي سابق في جيش الاحتلال ضمن حملة موجهة لمبتوري الأطراف أثار غضبًا واسعًا، لا سيما في ظل ما خلفته حرب الإبادة الإسرائيلية المستمرة على غزة من أعداد كبيرة من المصابين الفلسطينيين الذين فقدوا أطرافهم، وبينهم آلاف الأطفال.
واعتبر ناشطون أن الشركة اختارت تقديم قصة جندي شارك في الحرب على غزة بوصفها قصة ملهمة وقدوة للرياضيين، في وقت يعاني فيه آلاف الفلسطينيين الذين فقدوا أطرافهم جراء القصف الإسرائيلي من نقص العلاج والرعاية الصحية والأطراف الصناعية، في ظل الدمار الواسع الذي طال القطاع الصحي والحصار المفروض على القطاع.
وسرعان ما انتقلت ردود الفعل من الانتقادات الفردية إلى حملة واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث انتشرت دعوات إلى مقاطعة منتجات “أديداس” تحت وسوم عدة، من بينها #قاطعوا_أديداس و#BoycottAdidas.
وتداول ناشطون صور الإعلان إلى جانب صور أطفال فلسطينيين فقدوا أطرافهم خلال الحرب على غزة، في محاولة لتسليط الضوء على ما وصفوه بالمفارقة بين الاحتفاء بإصابة جندي إسرائيلي، وتجاهل آلاف الضحايا الفلسطينيين الذين يعيشون ظروفًا إنسانية وصحية بالغة الصعوبة.
ولم تقتصر الحملة على مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، بل انضمت إليها شخصيات عامة وكتّاب وفنانون ومؤثرون من دول مختلفة، مطالبين بمقاطعة الشركة ومحاسبتها على ما اعتبروه اختيارًا مستفزًا ومسيئًا للفلسطينيين.
ومن بين الشخصيات التي تفاعلت مع الحملة، الممثل الإسباني خافيير بارديم، المعروف بمواقفه الداعمة لفلسطين، والذي شارك منشورات مرتبطة بدعوات المقاطعة، إلى جانب الكاتبة الفلسطينية الأميركية سوزان أبو الهوى، والشاعرة والكاتبة الباكستانية فاطمة بوتو.
كما وصف المؤثر الأميركي غاي كريستنسن اختيار الشركة للجندي الإسرائيلي بأنه “مثير للاشمئزاز”، داعيًا متابعيه إلى مقاطعة منتجاتها، بينما قالت فاطمة بوتو، في منشور عبر منصة “إكس”، إن المقاطعة “أمر سهل”.
وفي السياق نفسه، تفاعل ناشطون فلسطينيون وعرب مع الحملة، داعين إلى تحويل الغضب الرقمي إلى خطوات عملية من خلال الامتناع عن شراء منتجات الشركة وممارسة الضغط الشعبي عليها.
اعتذار الشركة لم ينهِ الأزمة
وأمام اتساع الانتقادات، أصدرت “أديداس” بيانًا قالت فيه إنها تدرك أن الصورة المستخدمة في الإعلان المحلي أثارت “مخاوف وردود فعل قوية”.
وأكدت الشركة أن هدفها لم يكن التسبب في الإساءة، وقدمت اعتذارها “لكل من تأثر بذلك”، مشيرة إلى أنها ستواصل الاستماع والتعلم لضمان توافق أنشطتها مع قيم الشمول التي تقول إنها تتبناها.
وحاولت الشركة أيضًا الفصل بين الحملة المثيرة للجدل ونشاطها العالمي، موضحة أن الإعلان كان جزءًا من نشاط نفذه فريقها المحلي في إسرائيل، وأن الملصقات التي ظهر فيها بيتون إلى جانب عشرة رياضيين آخرين من ذوي الإعاقة عُرضت داخل متاجر الشركة في إسرائيل فقط، ولم تكن جزءًا من حملة عالمية.
كما نفت الشركة أن تكون خدمة “الحذاء الفردي” مخصصة للجنود الإسرائيليين، مؤكدة أنها مبادرة عالمية تهدف إلى توفير خيارات إضافية للأشخاص الذين يحتاجون إلى شراء حذاء واحد.
وقالت إن الخدمة أُطلقت في أوروبا خلال يناير/كانون الثاني 2026 قبل أن تتوسع لاحقًا إلى أسواق أخرى في آسيا والشرق الأوسط، مشددة على أن التفسيرات المتداولة حول المبادرة خلال الأيام الماضية لم تعكس الغرض الأساسي منها.
غير أن هذه التوضيحات لم تنجح في وقف الانتقادات، إذ رأى ناشطون أن المشكلة لا تتعلق بطبيعة الخدمة أو نطاق انتشارها، بل بالشخصية التي اختيرت لتقديمها في إسرائيل، والخلفية العسكرية المرتبطة بها.
وبحسب منتقدي الشركة، فإن اختيار جندي سابق شارك في الحرب على غزة لتقديم حملة مخصصة للأشخاص مبتوري الأطراف لا يمكن فصله عن السياق السياسي والإنساني للحرب، خصوصًا مع استمرار ارتفاع أعداد الفلسطينيين الذين فقدوا أطرافهم بسبب العمليات العسكرية الإسرائيلية.
اختفاء الفيديو وإجراءات لاحقة
وفي أحد التطورات التي أعقبت تصاعد الأزمة، اختفى الفيديو الترويجي الذي نشره بيتون من حسابه على منصة “إنستغرام”، بعد أيام من موجة الانتقادات ودعوات المقاطعة.
وقال بيتون إن حسابه تعرض لموجة كبيرة من البلاغات، بينما استمر تداول مقاطع وصور من الإعلان عبر حسابات مؤيدة ومعارضة للحملة.
وأثار حذف الفيديو تساؤلات حول ما إذا كانت الخطوة جاءت نتيجة الضغوط التي تعرضت لها الحملة، أو في إطار محاولة للحد من انتشار الإعلان بعد تحوله إلى مادة رئيسية في حملات المقاطعة.
ورغم اختفاء الفيديو من الحساب، بقي الإعلان حاضرًا بقوة في النقاش العام، مع استمرار تداول صوره ومقاطع منه، وربطه بالواقع الإنساني في قطاع غزة.
وهنا يرى ناشطون أن الأزمة تحولت من قضية مرتبطة بمادة دعائية محددة إلى اختبار أوسع لقدرة حملات المقاطعة الرقمية على ممارسة الضغط على العلامات التجارية العالمية ودفعها إلى تعديل رسائلها أو تقديم اعتذارات.
غزة.. آلاف فقدوا أطرافهم
واكتسبت الانتقادات الموجهة إلى “أديداس” زخمًا إضافيًا بسبب الأرقام المتعلقة بأعداد المصابين ومبتوري الأطراف في قطاع غزة.
وبحسب تقديرات منظمة الصحة العالمية الواردة في المعطيات المتداولة حول القضية، شهد قطاع غزة ما بين 5 آلاف و161 و6 آلاف و710 حالات بتر للأطراف منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 وحتى مايو/أيار 2026.
كما أشارت التقديرات إلى أن عشرات الآلاف من الفلسطينيين تعرضوا لإصابات قد تغير حياتهم بصورة دائمة، بينهم آلاف الأطفال، فيما تمثل إصابات الأطراف إحدى أبرز التحديات الصحية طويلة المدى في القطاع.
وتؤكد معطيات إنسانية أن الأطفال يشكلون نسبة ملحوظة من حالات بتر الأطراف، في وقت يعاني فيه القطاع من نقص كبير في خدمات التأهيل والعلاج الطبيعي والأطراف الصناعية، وهي احتياجات لا تنتهي بمجرد إجراء العملية الجراحية.
فمصابو البتر يحتاجون إلى مسار طويل من الرعاية الطبية والتأهيل النفسي والعلاج الطبيعي، إضافة إلى أطراف صناعية تتطلب في كثير من الحالات صيانة أو استبدالًا، خاصة لدى الأطفال الذين تتغير احتياجاتهم مع النمو.
وفي هذا السياق، اعتبر منتقدو “أديداس” أن المفارقة كانت شديدة الوضوح؛ فبينما يظهر الجندي الإسرائيلي في الإعلان وهو يستعيد قدرته على الحركة والركض باستخدام طرف صناعي، يواجه آلاف الفلسطينيين المصابين مستقبلًا مليئًا بالصعوبات الصحية والإنسانية، في ظل محدودية الإمكانيات داخل قطاع غزة.
اتهامات بازدواجية المعايير
وأعادت الأزمة كذلك إلى الواجهة الجدل الذي واجهته الشركة عام 2024، عندما سحبت عارضة الأزياء الأميركية من أصول فلسطينية بيلا حديد من إحدى حملاتها الدعائية، بعد ضغوط وانتقادات مرتبطة بالحملة.
واعتبر ناشطون أن المقارنة بين استبعاد بيلا حديد، المعروفة بمواقفها الداعمة لفلسطين، وبين اختيار جندي إسرائيلي سابق شارك في الحرب على غزة، تكشف ما وصفوه بازدواجية في تعامل الشركة مع الشخصيات والقضايا السياسية المرتبطة بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
ورأى منتقدون أن اعتذار الشركة الحالي لا يكفي لمعالجة هذا الجدل، مطالبين بخطوات أكثر وضوحًا تعكس، بحسب تعبيرهم، التزامًا فعليًا بالمعايير التي تتحدث عنها الشركة، وفي مقدمتها الشمول وعدم الإقصاء.
في المقابل، لم تعلن “أديداس” عن إجراءات أوسع تتعلق بإعادة النظر في حملاتها أو سياساتها، واكتفت بالتأكيد على أن الإعلان كان نشاطًا محليًا وأنها ستعمل على الاستماع والتعلم من ردود الفعل.
من المقاطعة السلبية إلى الضغط المنظم
ومع استمرار التفاعل، برزت دعوات إلى ما وصفه ناشطون بـ”المقاطعة الإيجابية”، أي الانتقال من الامتناع الفردي عن شراء المنتجات إلى حملات شعبية وإعلامية وقانونية أكثر تنظيمًا.
ويرى مؤيدو هذا التوجه أن المقاطعة لم تعد تقتصر على قرار استهلاكي شخصي، بل أصبحت وسيلة ضغط تستخدمها المجتمعات للتأثير في سياسات الشركات ومواقفها، خاصة في القضايا المرتبطة بحقوق الإنسان والحروب.
وتجددت حملات مقاطعة الشركات والعلامات التجارية التي يتهمها ناشطون بدعم إسرائيل أو تجاهل الانتهاكات بحق الفلسطينيين بصورة واسعة منذ اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، لكنها أخذت أشكالًا أكثر انتشارًا وتأثيرًا بفعل وسائل التواصل الاجتماعي.
وفي حالة “أديداس”، يظهر أن الاعتذار لم يكن كافيًا لوقف الحملة، إذ يرى كثيرون أن استمرار النقاش يعكس تحولًا في طبيعة ردود الفعل الشعبية تجاه العلامات التجارية العالمية.
فالمستهلكون اليوم لا ينظرون فقط إلى جودة المنتج أو سعره، بل باتت مواقف الشركات ورسائلها والشخصيات التي تختارها جزءًا من القرار الشرائي لدى شريحة واسعة من الجمهور.
وبين اعتذار الشركة، واختفاء الفيديو الترويجي، واستمرار دعوات المقاطعة، تبقى أزمة “أديداس” مفتوحة على احتمالات متعددة، في ظل إصرار ناشطين على مواصلة الضغط وعدم اعتبار الاعتذار نهاية للقضية.
كما تعكس هذه الأزمة حساسية متزايدة لدى الرأي العام الفلسطيني والعربي والعالمي تجاه الطريقة التي تتعامل بها الشركات الكبرى مع حرب الإبادة على غزة، خاصة عندما تتحول قصص مرتبطة بالحرب والإصابات إلى أدوات تسويق.
وفي المحصلة، لم تعد القضية بالنسبة لمنتقدي “أديداس” مرتبطة بإعلان محلي أو بصورة واحدة، بل أصبحت نموذجًا للنقاش حول المسؤولية الأخلاقية للشركات العالمية، وحدود الفصل بين التسويق والسياسة، وقدرة حملات المقاطعة الشعبية على فرض كلفة على العلامات التجارية التي تجد نفسها في مواجهة غضب واسع.
وحتى الآن، يبدو أن اعتذار الشركة والإجراءات التي أعقبت الأزمة نجحت في تغيير بعض تفاصيل الحملة، لكنها لم تنجح في إنهاء تداعياتها، بينما يستمر الجدل والدعوات إلى المقاطعة بوصفها رسالة ضغط تتجاوز “أديداس” نفسها، لتصل إلى الشركات العالمية الأخرى التي تعمل في أسواق المنطقة وتتأثر بصورة متزايدة بمواقف الرأي العام من الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.




